12:47 صباحًا / 11 سبتمبر، 2026
آخر الاخبار

مرايا الروح والوطن: حوارية الكلمة والدم مع الشاعر الفلسطيني نسيم خطاطبة

مرايا الروح والوطن: حوارية الكلمة والدم مع الشاعر الفلسطيني نسيم خطاطبة

شفا – مرايا الروح والوطن: حوارية الكلمة والدم مع الشاعر الفلسطيني نسيم خطاطبة – حوار: عطا درغام


تخرج القصيدة من بين الركام لتصنع للأمل جسداً، وفي تجربة الشاعر الفلسطيني نسيم خطاطبة، لا تنفصل الكلمة عن طين الأرض، ولا يغترب الحرف عن عذابات المعاناة اليومية. من بلدة “بيت فوريك” الصامدة في نابلس، نبتت تجربته الشعرية مبللة بدموع الفقد الحارة، ومحمية بصلابة الإرادة التي صقلها الأسر المبكر لوالده والمسؤولية الشاقة التي أُلقيت على كاهله طفلاً. في هذا الحوار، نبحر عميقاً في عوالمه الشعرية، لنتقصى ملامح ديوانه الأبرز “سديم الحياة”، ونفتش عن تجليات فلسطين، وحضور المرأة، وفلسفة الحب والألم التي صاغت هويته الإبداعية الفريدة.


المحور الأول: بذور التجربة ونشاط الكلمة


1.كُتبت قصيدتك الأولى عام 1991 على قبور الشهداء؛ كيف استطاع فتى في الخامسة عشرة من عمره أن يحول فاجعة الموت الجماعي إلى وعاء لولادة الحرف الأول؟


إنَّ من الألم ما يولِّد الإبداع، وليس كلُّ موهبةٍ بالضرورة نابعةً من الدراسات العليا أو شهادات الدكتوراه. نحن كشعب فلسطيني وُلدنا من رحم المعاناة، ولذلك كان طبيعيًّا أن نحاول ترجمة آلامنا إلى إبداع، وأن نخطَّ حروف المجد على دفاتر أغرقتها دماؤنا ودموعنا.
ومن الطبيعي أن تجد طفلًا يحمل في داخله حلم رجل؛ فإذا عجزت سواعده الصغيرة عن مواجهة الواقع، أفرغ طاقته على الأوراق الجافة، فتحوَّلت تلك الأوراق إلى مساحةٍ للحلم والتعبير والمقاومة.


2.أخذت منك مسؤولية إعالة الأسرة مبكراً مقاعد الدراسة النظامية في الصف التاسع؛ إلى أي مدى كانت شوارع “بيت فوريك” وحكايات أهلها هي المدرسة البديلة التي صاغت قاموسك اللغوي؟


شوارع بيت فوريك مدرسة الصمود
نعم، كان هناك كثيرون من أطفال ذلك الجيل الذين ضحّوا بمستقبلهم الدراسي لأنهم كانوا الأكبر في الأسرة، فكان عليهم أن يكونوا مصدر رزق للعائلة عند غياب الأب في غياهب السجون.
وقد أخذنا من شوارع بيت فوريك مدرسةً للصمود والثبات في وجه المحتل. كان واجبًا علينا أن نكون كبارًا رغم صغر سننا، وأن نسدَّ شيئًا من الفراغ الذي تركه غياب الأب، وأن نكون سندًا لأمٍّ حُرمت من حنان زوجها بسبب الاحتلال.
فكثيرٌ من الشوارع تصنع رجالًا، وكثيرٌ من المحن تهدم اليأس وتبني أجيالًا، إذا استطاع الإنسان أن يحوّل الألم إلى إرادة، واليأس إلى مشروع حياة.


3.يتنقل نشاطك الثقافي بين المنابر الرقمية والأمسيات الحية في نابلس؛ كيف ترى الفارق بين مواجهة الجمهور وجهاً لوجه وبين إلقاء قصيدتك في فضاء النشر الإلكتروني؟


الوقوف على المنابر وبدايات الحضور الثقافي
في البداية، كانت الوقفة على المنابر تسبّب لي شيئًا من الارتباك الذاتي، ولا أنكر أن هناك من كان يحاول أن يجعل من الثقافة هباءً منثورًا. لكن الإرادة والعزيمة على الاستمرار تجعل المرء أكثر خبرة ونضجًا مع مرور الوقت.
وهنا يولد الإبداع الحقيقي؛ فحين تكون الكلمة صادقة، والرسالة نابعة من القلب، تجد المنتديات الثقافية ترحّب بها، ويجد الشاعر طريقه إلى الجمهور.
وأؤمن أن القصائد الهادفة هي التي تفرض نفسها على الجمهور، وتستطيع أن تولّد شغفًا لدى الناس لسماعها ومناقشتها والاقتراب من مضامينها.


4.في حفل إشهار ديوان “سديم الحياة”، التفتت حولك بذور التنمية والثقافة؛ ما الذي يتغير في وعي الشاعر عندما يرى كلماته المحبوسة في الدفاتر تتحول إلى مادة للنقاش العام؟


الكلمة والمساندة وبناء الحلم
كل الشكر والعرفان للدكتور رائد الدبعي، مدير جمعية بذور، التي تمثّل نموذجًا حيًّا في دعم الثقافة، كما أتوجه بالشكر للدكتورة منى أبو حمدية على تقديمها لديواني الشعري «سديم الحياة»، وللدكتورة لينا الشخشير، أستاذة اللغة العربية، وللناقد الجميل الأستاذ رائد الحواري، وللدكتورة عطاف الزيات، ولكل من حضر حفل إشهار كتابي «سديم الحياة».
نعم، الكلمة والمساندة تبنيان الحلم وتحققان الآمال. وأمل كل شاعر أن يجد قرّاءً يتفاعلون مع ما كتب من إبداعات، ويناقشونها ويتوقفون عند مضامينها.
وحين ينجح النص في استلاب قلوب القراء وجذبهم إلى مادته، يشعر الشاعر بأنه حقق جزءًا مهمًّا من رسالته، وهذا في حد ذاته فخر كبير.


5.غياب الأب خلف قضبان الأسر وأنت طفل؛ كيف أعاد هذا الحرمان القسري تشكيل مفهوم “السلطة” و”الأمان” في نصوصك المبكرة؟


غياب الأب وتحويل المسؤولية إلى إبداع


لم يكن غياب الأب عائقًا أمام الإبداع، رغم وجود مسؤوليات أخرى ثقيلة، من إعالة الوالدة والمساعدة في تربية الإخوة ومواجهة مشاق الحياة.
ومن هنا بدأت ما أسميه «الهندسة الفكرية»؛ إذ وجدت نفسي أفرّغ طاقتي في الدفاتر. لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي موجودة في تلك الأيام، وكانت الرسائل والدفاتر هي المساحة التي نكتب عليها نصوصنا المؤلمة والنصوص التي تمنحنا الأمل.
كانت يد الطفل في ذلك الوقت لا تزال تتعلم الكتابة وإتقانها، لكن مع المحاولة مرةً بعد مرة، تحولت تلك الكتابات الرقيقة إلى إبداع متواصل، وإلى نصوص تحاول أن تلخص الواقع وتعيد تشكيله بالكلمات.


المحور الثاني: هندسة الأسلوب الشعري ومفاتيح البيان


6.في قراءة نقدية لديوانك، أُشير إلى تمسكك بـ “البيان والتبيان”؛ لماذا يصر نسيم خطاطبة على المعمار الخليلي والأصالة اللغوية في زمن يهرول فيه الكثيرون نحو قصيدة النثر؟


الفصحى والمحكية
سؤال جميل وذكي.نحن في حياتنا اليومية نتحدث باللهجة المحكية، وإذا كتبنا بالمنثور منها فنحن لا نأتي بالضرورة بشيء جديد إلى لغتنا العربية الجميلة. ولنا في التاريخ مثال واضح؛ ففي أيام الجاهلية كانت الفصحى هي لغة التعبير الأدبي، وكان الشعراء يبتكرون فيها ويبدعون في البلاغة.
فإذا استطعنا أن نكتب بلغة عربية سليمة، وأن نُحسن استخدام البلاغة والنحو، أصبح الصنع أجمل وأدق.
وكما جاء علم التجويد ليضبط نطق أحرف اللغة العربية ويعيدها إلى مخارجها الصحيحة، فإن سلامة اللغة تمنح النص جمالًا ودقةً وقوةً في التعبير.


7.تتميز قصائدك بكثافة عاطفية عالية، لكنها تنضبط تحت إيقاع عروضي صارم؛ كيف توازن بين تدفق المشهد الشعوري العفوي وبين انضباط الوزن والقافية؟


القصيدة العاطفية وتجربة الفقد
القصائد الغزلية أو العاطفية كانت بالنسبة إليّ مجالًا مهمًّا للبلاغة والدقة، ولا سيما من حيث الأوزان الشعرية.
فالإنسان حين يفقد حبًّا مضى، أو يمر بعثرة من عثرات الحياة، قد يكتب كلامًا أبلغ من الحديث العابر. لذلك فإن القصيدة العاطفية عندي ليست مجرد شعور عفوي، وإنما قد تكون تجربة حيّة تشكلت تحت تأثير الظروف والفقد والاشتياق.


8.يستخدم بعض الشعراء الرمزية الغامضة للهروب من مقص الرقيب أو المباشرة؛ أين تقع قصيدتك على المسافة الفاصلة بين الغموض النخبوي والوضوح الشعبي؟


الشاعر والجرأة في مواجهة الواقع
الشاعر يجب أن يكتب دون خوف من جلاد البشرية، وأن يقول ما يؤمن به بكل مصداقية.
ولا أرى عبثًا أن يلجأ البعض إلى الكلام المبطّن الذي لا يذكر فيه إنسانًا بعينه، لكن الأهم ألا نهرب من الواقع الذي يجب أن نواجهه بالكلمة الصادقة.
وأعلم أن كثيرًا من الإعلاميين والشعراء كانوا ضحايا لصراحة كتاباتهم، لكن ذلك لا يعني أن نتخلى عن الصدق. فالشاعر الحقيقي مسؤول عن رسالته، والكلمة أمانة.


9.نلاحظ في معجمك الشعري تكرار مفردات مثل “العبر والعبير”، “الجرح والضياء”؛ هل هذه الثنائيات الضدية مقصودة لبناء معمار القصيدة، أم أنها انعكاس لواقع تعيشه؟


. الشعر ودلالاته الاجتماعية
نعم، العِبَر التي نستخلصها من الشعر يجب أن تكون ذات دلالة للمجتمع، وأن ندرس ما تحمله التجربة الإنسانية من معانٍ وعبر.
وهذا واقع لا يخص الشعب الفلسطيني وحده، بل يمكن أن ينطبق على كثير من الشعوب العربية؛ فما يعيشه الفلسطيني من ألم واحتلال وفقد وصمود له امتدادات إنسانية يمكن أن يفهمها كل إنسان يعيش تجربة القهر أو يبحث عن الحرية والأمل.


10.كيف تختار بحور قصائدك؟ هل تفرض الحالة النفسية بحرها الطويل أو السريع، أم أن الفكرة هي التي تقود الموسيقى الداخلية للنص؟


الفكرة هي التي تقود إلى البحر الشعري
نعم، الفكرة هي التي تقودني إلى البحر الشعري المطلوب، إلى جانب ما تفرضه الموسيقى الداخلية ودندنة الأذن.
أما «السديم» فهو بالنسبة إليّ صورة جميلة؛ فهو يوحي بالفضاء والامتداد، وفيه مساحة واسعة للتأمل، كما يمكن أن يصبح رمزًا للحياة التي تولد من رحم الغموض والتشوش.


المحور الثالث: الفلسفة الشعرية ومواجهة “السديم”


11.اخترت لعنوان ديوانك اسم “سديم الحياة”؛ والسديم هو الضباب والتشوش. كيف يمكن للشعر أن يكون أداة لترتيب هذا التشوش الكوني والذاتي؟


دلالة «السديم»
السديم يحمل دلالات كثيرة. فهو قد يرمز إلى التشوش والاضطراب والألم، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يكون صورةً للجمال والضياء والامتداد في الفضاء.
وهنا تكمن فلسفة «سديم الحياة»: هل نبقى سديمًا مشوش الفكر، حائرين أمام الألم، أم نستطيع أن نبني من هذا التشوش آمالًا جميلة، ككوكب منير يحيط بنا بالتفاؤل؟


أنا أختار أن يكون السديم بدايةً لبناء الأمل والاستمرارية في مواجهة أضغاث الحياة.


12.ثنائية “الجرح والضياء” برزت في كتاباتك الأخيرة؛ متى يتحول الألم الشخصي أو الجماعي من مصدر للإحباط إلى طاقة تضيء عتمة القصيدة؟


الجرح والضياء
الجرح والضياء، النور والظلام؛ كلها ثنائيات حاضرة في تجربتي.
علينا أن نضمد الجراح ونواصل السير، وأن نحمل مشعلًا ينير الطريق. فالشعر بالنسبة إليّ ليس مجرد وصف للإحباط، بل محاولة لتحويل الأبيات المحبطة إلى أمل مستدام، وإلى قدرة على الاستمرار.


13.هل ترى الكتابة الشعرية فعلاً دفاعياً غريزياً للبقاء على قيد الحياة، أم أنها ترف معرفي يمارسه الأديب بعد ترويض الواقع؟


الشعر متنفس الحياة
نعم، أرى نفسي في كل بيت أكتبه. فالبيت الشعري بالنسبة إليّ نفسٌ جديد أتنفسه كي أستمر في الحياة.
إنه تفريغ للطاقة الإيجابية، ومحاولة للتخلص من الطاقة السلبية، وتحويل المشاعر الثقيلة إلى كلمات يمكن أن تمنحني وتمنح القارئ شيئًا من الأمل.


14.”أنا فيكم الأخ والخلان”؛ هكذا تخاطب رفاق الكلمة. كيف تقيّم أثر الجماعة الثقافية في فلسطين على تجربة الشاعر الفردية؟ هل تحميه أم تذيبه في ظلها؟


الأخوة مع الشعراء
أنا في كل شاعر أخٌ وخلٌّ، وأؤمن بأن علينا أن نعطي الشعراء غطاء الأخوة، وأن نمد يد العون لكل كاتب مبتدئ يريد أن يبدع.
فالكلمة لا تنمو في العزلة، والثقافة الحقيقية تقوم على التشارك والتشجيع وتبادل الخبرات.


15.عندما يمتزج الشخصي بالعام في نصوصك، أين ينتهي نسيم الإنسان العادي الذي يعيل أسرته، ويبدأ نسيم الشاعر الذي يحلق فوق تفاصيل اليومي؟


«نسيم» الإنسان
نسيم الإنسان لا ينتهي؛ يبقى معطاءً أينما حل، سواء كان عاملًا أو شاعرًا. ويجب على الإنسان أن يتقن كل جولة يسير فيها، وأن يترك فيها أثرًا طيبًا.
وأقول عن نفسي:
أنا النسيم إذا رقّت نسائمه رَقَّا،
وعاصفةٌ إذا استحال فيَّ الأسى.
هكذا أرى «نسيم الإنسان»: رقيقًا حين تستدعي الحياة الرقة، وعاصفًا حين يحتاج الموقف إلى القوة.

المحور الرابع: فلسطين والأرض.. صياغة الهوية


16.كتبت “صمود الأسرى” بنبرة تنبض بالعزة والبهاء في وجه المحتل؛ كيف يستطيع الشاعر الذي لم يدخل السجن أن يتماهى تماماً مع نفسية الأسير وراء القضبان؟


السجن مدرسة الحياة
السجن قلعة في تعلّم الحياة، وجامعة لا يملّ الإنسان من دراسة نماذجها. فمن الألم قد تصنع المعجزة، ومن خلف القضبان يمكن أن يولد الإصرار على قهر السجان.
والأسير يحمل في يده سلاحًا لا يستطيع السجان مصادرته؛ إنه العلم والكلمة والذاكرة.
بل إن الإنسان الذي لم يدخل السجن قد يكون أسيرًا لآلامه، أسيرًا داخل قضبان أحاسيسه الجياشة. ولذلك قد يكتب عن الأسر وكأنه يقبع خلف القضبان، ويشعر بمأساة الأسرى وكأنه يعيش معهم داخل الزنزانة.


17.الأرض في شعرك ليست مجرد تضاريس وجغرافيا، بل كائن حي. كيف تنعكس جيرة الجبال والسهول المحاصرة في نابلس على جدارية نصوصك السياسية؟


الجغرافيا الفلسطينية في القصيدة
الجبال والسهول وكل جغرافيتنا الفلسطينية تحت الاحتلال. ولذلك أحاول أن أجعل من نفسي أحيانًا سهلًا أو جبلًا، أحاكي المجتمع وأعبّر عن انتهاكات المحتل، وعن عجز العالم العربي عن تحرير الإنسان والأرض.
فالجغرافيا عندي ليست مجرد مكان؛ إنها ذاكرة وهوية وشاهد على الألم والصمود.


18.يقع الأدب المقاوم أحياناً في فخ الخطابة والشعارات المباشرة؛ كيف تنجو قصيدتك الوطنية من التحول إلى بيان سياسي وتظل محتفظة بجماليتها الإبداعية؟


السياسة جزء من حياتنا
السياسة نعيشها في تفاصيل حياتنا؛ نأكلها ونشربها، وهي حاضرة في واقعنا اليومي.
حتى حديثي معك ومخاطبتي لك هو نوع من التواصل الذي يحمل دلالاته الاجتماعية والإنسانية.
فكيف نخاف من واقع نعيشه كل يوم؟ الشاعر لا يستطيع أن يفصل نفسه عن مجتمعه، ولا أن يتجاهل الأحداث التي تحيط به.


19.بدأت مسيرتك مع الشهداء عام 1991 وما زلت تكتب عن الجرح حتى اليوم؛ كيف تطورت صورة “الشهيد” في وجدانك الشعري عبر هذه العقود الثلاثة؟


الشهداء وبدايات التجربة
الشهداء أكرم منا جميعًا.
في عام 1991 كانت قصائدي الأولى مرتبطة بالشهداء، وأتذكر أن قصائد تلك المرحلة كانت بسيطة من حيث البناء والقافية والبحور، لكنها كانت صادقة ونابعة من قلب التجربة.
ومع مرور السنوات، وتراكم العلم والخبرة والتجارب، تطورت القصائد من حيث البناء والقافية والبحور، وأصبحت أكثر قدرة على التأثير.
فالشاعر يتطور مع الزمن، وكل تجربة تضيف إلى أدواته شيئًا جديدًا.


20.كيف يتعامل شعرك مع التفاصيل الصغيرة للمقاومة اليومية (الزيتون، الحواجز، هدير المسيرات) مقارنة بالقضايا الكبرى؟


الشعر بوصفه مسلسلًا للحياة والمرأة بوصفها وطنًا
قصائدي محورية، وأحب أن أعيش الأحداث في أوقاتها، وأن أكتب عن كل حدث في زمنه، وكأنني أقدّم مسلسلًا شعريًا يرصد الحياة لحظةً بلحظة.
أما المرأة، فهي عندي الوطن والأم والأرض. ولذلك يجب أن تكون حاضرة في القصيدة، ليس لأنها أنثى فحسب، بل لأنها وطن، وذاكرة، وأم، وأرض، وحكاية حياة.

المحور الخامس: المرأة، الحب، والامتداد الإنساني


21.في حياة نسيم خطاطبة، لعبت الأم دوراً محورياً في تقاسم أعباء الحياة بعد غياب الوالد؛ كيف انعكست هذه الصورة الواقعية للمرأة القوية على حضور الأنثى في نصوصك العاطفية؟


أمي نموذج المرأة الفلسطينية
أمي نموذج للمرأة الفلسطينية المكافحة التي حافظت على أبنائها من الضياع، وكانت صمام الأمان في البيت.
كانت هي الوطن، ونحن الجنود؛ تحملت المسؤولية، وربّت أبناءها في ظروف قاسية، وحافظت على تماسك الأسرة في مواجهة الغياب والمحن.


22.يتداخل في ديوانك “سديم الحياة” الحب الذاتي بحب الأرض والرفاق؛ هل ترى أن فصل الغزل العاطفي النقي عن الهم الوطني في فلسطين هو ضرب من المحال؟


الحب العذري
الحب يجب أن يكون عذريًا، بعيدًا عن المصالح الذاتية؛ حب الروح للروح.
والغزل النقي لا يقلل أبدًا من هيبة الشاعر، بل على العكس، يكشف قدرته على التعبير عن أعمق المشاعر الإنسانية بلغة راقية تحفظ للحب جماله وللشاعر مكانته.


23.كيف ترسم ملامح الحبيبة في قصائدك؟ هل هي ملجأ هارب من قسوة الواقع، أم هي الثورة ذاتها التي تحرض على المواجهة؟


رسم ملامح الحبيبة
رسم ملامح الحبيبة هو نوع من تجميل الحياة القاسية.
فحين يشتد القبح والدمار من حول الشاعر، يصبح الجمال ملجأً يستظل فيه من الضياع والدمار الذاتي، ويستمد منه عزيمةً جديدة للحب والاستقرار.
فالحب هنا ليس هروبًا من الواقع، وإنما وسيلة لاستعادة التوازن الإنساني.


24.يرى البعض أن قصائد الحب في بيئة محاصرة بالمعاناة هي نوع من التمرد؛ هل تكتب الحب كشكل من أشكال إثبات الوجود الإنساني في وجه آلة الطمس؟


الحب ليس استسلامًا
ليس تمامًا أن يكون الحصار هو الاستسلام للواقع المرير، كما أن الحب ليس استسلامًا.
الحب حياة واستمرار وعيش جميل، وفيه أيضًا نوع من التمرد على كل ما يحاول طمس الذات.
فحين يحب الإنسان، فإنه يتمسك بالحياة، ويرفض أن يتحول إلى مجرد رقم في واقع قاسٍ.


25.في قصيدتك “تبيان المشاعر” تتحدث عن العبير المعتق بالإحسان؛ كيف يمكن للمشاعر العاطفية الإنسانية أن تساهم في تهذيب الروح الجمعية وصيانة الهوية الأخلاقية للمجتمع في أوقات الأزمات؟


عطر المودة وبقاء الأثر


التعبير المعتّق في الإحساس يشبه عبق وردةٍ معتّقة؛ رائحتها لا تنتثر سريعًا، بل يبقى عبيرها أيامًا طويلة.
وهكذا أرى العاطفة الصادقة: جواز عبور إلى دواخل المجتمع المنهك، تمنحه العزيمة، وتدفعه إلى تهذيب الذات، وتترك أثرها عبر الأوقات والأزمان.
فعطر المودة يدوم للأبد، والكلمة الصادقة لا تموت بانتهاء اللحظة التي كُتبت فيها.
علينا أن نحب، وأن نعيش، وأن نكتب بلا خوف، وأن نصل برسالتنا إلى الناس دون محاباة.


مع تحياتي
الشاعر نسيم خطاطبه

شاهد أيضاً

صبحة بغورة

الدبلوماسيـة و سباق التأثير الدولي ، بقلم : الكاتبة صبحة بغورة

الدبلوماسيـة و سباق التأثير الدولي ، بقلم : الكاتبة صبحة بغورة منذ نشأت الدول في …