8:32 صباحًا / 23 يوليو، 2026
آخر الاخبار

التعلم المفتوح بين سيادة العقل وهشاشة الكتاب ( فتح لأبواب المستقبل ، أم إغلاق لحسابات الأزمة ) بقلم : نسيم قبها

التعلم المفتوح بين سيادة العقل وهشاشة الكتاب ( فتح لأبواب المستقبل ، أم إغلاق لحسابات الأزمة ) بقلم : نسيم قبها

في لحظة تتنازع فيها الأمة مصيرها بين مطرقة الاحتلال وسندان التخلف، يبرز سؤال التعليم كأحد الأسئلة الوجودية التي تعيد تعريف مفهوم المقاومة ذاتها. فإذا كانت المقاومة بالسلاح تحرر الأرض، فإن المقاومة بالتعليم تحرر العقل، وهو ما يجعل المعركة التربوية في فلسطين معركة وجود بامتياز. وإذ تقدم وزارة التربية والتعليم هذا العام على تبني مصادر التعلم المفتوحة، فإننا أمام لحظة تأملية تستدعي الغوص في أغوار الفلسفة التربوية، بعيداً عن الصخب الإداري وقريباً من روح المشروع الوطني.

جدلية الانفتاح والاغتراب المعرفي

تثير قضية التعليم المفتوح في السياق الفلسطيني إشكالية فلسفية عميقة تتمثل في التوتر بين الانفتاح المعرفي والاغتراب الثقافي. فالتعليم المفتوح، بوصفه فلسفة لا مجرد تقنية، يقوم على مبدأ حرية الوصول إلى المعرفة وتفكيك احتكار المؤسسة التعليمية للتعلم. لكن هذا الانفتاح، في سياق استعماري يسعى إلى طمس الهوية، قد يتحول إلى سيف ذي حدين. فكيف يمكن للطالب الفلسطيني أن ينفتح على مصادر المعرفة العالمية دون أن يفقد بوصلته الوطنية؟ وكيف يمكن للتعليم المفتوح أن يكون أداة تحرر لا أداة استلاب؟

إن الإجابة تكمن في ما يمكن تسميته بـ”التنوير المقاوم”، أي ذلك النموذج التربوي الذي يستوعب الإنسانية الكونية وينتصر للخصوصية الوطنية في آن واحد. فالتعليم المفتوح الحقيقي ليس استيراداً للمعرفة، بل حواراً معها، وإعادة إنتاجها وفق سياقاتنا الثقافية والتاريخية. وهنا تبرز أهمية “التأويل التربوي” كمنهج في قراءة مصادر التعلم، بحيث لا يكون المتلقي وعاءً فارغاً تملؤه المعرفة الوافدة، بل مشاركاً فاعلاً في إعادة بناء المعنى.

من بيداغوجيا التلقين إلى إبستمولوجيا الاكتشاف

تقوم الرؤية الفلسفية للتعليم المفتوح على تحول إبستمولوجي جذري، من نموذج المعرفة الجاهزة إلى نموذج المعرفة المُكتشَفة. ففي المنظومة التقليدية، كان الكتاب المدرسي يمثل السلطة المعرفية العليا، والمعلم ناقل الحقيقة المقدسة. أما في فضاء التعلم المفتوح، فالمعرفة تتشكل عبر عملية جدلية بين المتعلم والمصادر المتنوعة، حيث يصبح السؤال أكثر أهمية من الجواب، والمنهج أكثر ديمومة من المحتوى.

هذا التحول يذكرنا بفلسفة “التربية السقراطية” حيث المعرفة تولد من رحم التساؤل، وبفلسفة “جون ديوي” في التربية التقدمية حيث التعلم يحدث عبر الخبرة والتفاعل. لكن السياق الفلسطيني يضفي خصوصية على هذا النموذج، إذ يصبح الاكتشاف المعرفي مرتبطاً باكتشاف الذات والهوية، فلا يتعلم الطالب ليعرف فقط، بل ليعرف من يكون في مواجهة واقع استعماري يحاول نزع وجوده الرمزي والمادي.

العدالة المعرفية في ظل التكنولوجيا

لا يمكننا الحديث عن التعليم المفتوح فلسفياً دون التوقف عند مسألة العدالة المعرفية. فالمصادر المفتوحة وحدها لا تصنع تعليماً مفتوحاً ما لم تتوفر شروط الوصول العادل إليها. وفي السياق الفلسطيني، حيث تتفاوت البنى التحتية بين الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وبين المدن والمخيمات والقرى، تصبح الفجوة الرقمية تجسيداً حياً لعدم العدالة المعرفية.

وهنا نصل إلى مفارقة فلسفية مؤلمة: فالتعليم المفتوح، الذي يقوم على مبدأ الديمقراطية المعرفية، قد يعزز التمييز الطبقي في مجتمع لا تتكافأ فيه فرص الوصول إلى التكنولوجيا. ولتجاوز هذه المفارقة، لا بد من ربط العدالة المعرفية بالعدالة الاجتماعية الشاملة، بحيث تكون الدولة حامية للحق في التعليم، وليس مجرد ناظم لسوق التعلم الحر. ففلسفة التعليم المفتوح في فلسطين لا تكتمل دون سياسات تعويضية للفئات المهمشة، ودون استثمار في البنية التحتية الرقمية كحق وطني وليس كخيار تقني.

المعلم: من ناقل إلى محرر

في قلب أي تأمل فلسفي حول التعليم، يقف المعلم بوصفه الكائن الإشكالي الأكثر تعقيداً. وفي نظام التعليم المفتوح، يتغير دور المعلم جذرياً، من ناقل للمعرفة إلى محرر للعقول، ومن متحدث أحادي إلى محاور، ومن ملقن إلى موجه في متاهات المعرفة الرقمية. هذا التحول يتطلب إعادة تأهيل عميقة للمعلم، ليس تقنياً فحسب، بل وجودياً، ليتمكن من عبور هذه المسافة بين كونه خادماً للكتاب المدرسي إلى كونه شريكاً في بناء العقل النقدي للطالب.

وهنا أستحضر فلسفة “باولو فريري” في “بيداغوجيا المضطهدين”، حيث التعليم الحقيقي هو ذلك الذي يحرر الإنسان من ثنائية الموضوع والذات، ويجعله فاعلاً في تاريخه، وفي فلسفة “مارتن بوبر” في العلاقة الأنا-أنت التي تحول التعليم من تلقين إلى حوار وجودي. وفي السياق الفلسطيني، يصبح المعلم بمثابة “مقاوم معرفي” يحافظ على الوعي الوطني والنقدي في وجه كل محاولات التجهيل والتهميش.

السيادة التربوية في عصر العولمة

ثمة سؤال فلسفي أخطر يطرحه مشروع التعلم المفتوح، يتعلق بمفهوم السيادة التربوية. ففي عصر تتجه فيه المعرفة إلى أن تكون سلعة عالمية، وفي سياق تسعى فيه قوى الاحتلال والعولمة إلى صياغة الإنسان الفلسطيني وفق رؤاها، يصبح السؤال عن المرجعية المعرفية سؤالاً مصيرياً. كيف يمكن لفلسطين أن تتبنى مصادر تعلم مفتوحة دون أن تفقد سيادتها على مناهجها وقيمها وهويتها؟

الإجابة لا تكمن في الانغلاق على الذات، بل في امتلاك القدرة على التفاعل النقدي مع المعرفة الإنسانية، وفي بناء مرجعية فلسطينية تتعامل مع العولمة من موقع الإضافة لا التلقي. السيادة التربوية ليست حماية للماضي، بل قدرة على تشكيل المستقبل، وليست تحصيناً للهوية بل تجديداً لها في مواجهة متغيرات العصر. وإذا كان التعليم المفتوح يعزز قدرة المجتمع على الولوج إلى المعرفة الإنسانية، فإن السيادة التربوية تضمن أن يكون هذا الولوج من موقع الفاعلية لا التبعية، من موقع الإنتاج لا الاستهلاك.

الاستثمار في العقل أم إدارة الأزمة؟

يطرح الجدل القائم حول التعليم المفتوح سؤالاً سياسياً عميقاً: هل نحن أمام مشروع وطني لبناء الإنسان، أم أمام تدبير أزمات يمرر مسؤولية التعليم من الدولة إلى الأسرة والمجتمع؟ فالتعليم المفتوح، في غياب رؤية استراتيجية وموارد كافية، قد يصبح أداة لإدارة العجز لا لإنتاج المستقبل، وسيلة للتقليل من كلفة التعليم لا لتجويده، وآلية لتحميل الطالب وأسرته مسؤولية تعلمه دون توفير شروط النجاح.

وهنا يبرز الفرق بين “التعليم المفتوح” بوصفه فلسفة تحررية، و”إدارة الأزمة بالتعليم المفتوح” بوصفه ممارسة سياسية. فالفلسفة التربوية الأصيلة لا تكتفي بتغيير الأداة، بل تعيد النظر في الغايات، وفي علاقة التعليم بالسلطة والعدالة والمستقبل. أما إدارة الأزمة، فتهتم بالاستمرار لا بالتجديد، وبالاستهلاك لا بالإنتاج، وبالتكيف لا بالمقاومة الإبداعية.

نحو إنسان فلسطيني جديد

في خضم هذا الجدل الفلسفي، يبقى السؤال الأهم هو: أي إنسان نريد أن يخرج من منظومتنا التعليمية؟ هل نريد إنساناً مستهلكاً للمعرفة، متأقلماً مع الواقع، هارباً من أسئلته الوطنية؟ أم نريد إنساناً منتجاً للمعرفة، ناقداً لواقعه، صانعاً لمستقبله، قادراً على حمل هموم وطنه والتفاعل الإنساني مع العالم؟

إن مصادر التعلم المفتوح، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية فلسفية واضحة، قد تكون نافذة يطل منها الطالب الفلسطيني على العالم، لا ليغترب فيه، بل ليعيد بناء وطنه بأدوات العصر، ويحمل راية التحرر المعرفي إلى جانب التحرر الوطني. لكنها، في غياب هذه الرؤية، قد تكون مجرد تقنية جديدة تضاف إلى تراكم الإخفاقات، أو وسيلة لتطبيع الطالب مع وضعه المستعمر تحت ستار التحديث التربوي.

فالفلسفة التربوية الفلسطينية الجديدة، التي ننشدها، ليست فلسفة الأدوات، بل فلسفة الغايات، ليست فلسفة الانفتاح المجرد، بل فلسفة التحرر المقاوم، ليست فلسفة العصرنة السطحية، بل فلسفة العمق الوطني والإنساني معاً. ومن هذا الموقع، يمكن للتعليم المفتوح أن يصبح رافعة للمشروع الوطني لا بديلاً عنه، وأداة لبناء الإنسان الفلسطيني الجديد، الذي يحمل في عقله أسئلة وطنه، وفي قلبه ثقافته، وفي يديه أدوات عصره، ليصنع مستقبلاً يليق بتضحيات الماضي وطموحات الحاضر.

  • – نسيم قبها / كاتب وباحث
    ابداع المعلم / الإئتلاف التربوي الفلسطيني
    الحملة العربية للتعليم للجميع

شاهد أيضاً

وانغ يي: من الضروري للصين والبرازيل الحفاظ على التواصل الاستراتيجي وتعزيز التنسيق الاستراتيجي

وانغ يي: من الضروري للصين والبرازيل الحفاظ على التواصل الاستراتيجي وتعزيز التنسيق الاستراتيجي

شفا – (شينخوا) قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي يوم الأربعاء إنه من الضروري للصين …