8:21 مساءً / 22 يوليو، 2026
آخر الاخبار

غدير حميدان الزبون تقرأ في السلسلة القصصية للأطفال “مملكة الأحلام الصغيرة” لرزان الرابي

غدير حميدان الزبون تقرأ في السلسلة القصصية للأطفال "مملكة الأحلام الصغيرة" لرزان الرابي

غدير حميدان الزبون تقرأ في السلسلة القصصية للأطفال “مملكة الأحلام الصغيرة” لرزان الرابي

إنّ علاقتي بأدب الأطفال هي حكاية بدأت قبل أنْ أعرف القراءة والكتابة حينما كانت الأمسيات في حارتنا الفلسطينية تنطفئ على ضوء المصباح، وتشتعل على وهج الحكاية.
فلم تكن مكتبات الأطفال آنذاك قريبة من أيدينا، ولم تكن الكتب المصورة تطرق أبواب بيوتنا كما هي اليوم؛ لذلك كان خيالنا يتغذى من مصدر آخر أكثر دفئًا وصدقًا.
كانت مساءاتنا تبدأ من صوت جدتي فاطمة وهي تنسج لنا الحكايات، ومن عمي الحكيم خليل الذي كان يملك قدرة آسرة على تحويل الليل إلى مسرح، والكلمات إلى كائنات حية تمشي بيننا.
كبرت وأنا أرافق الشاطر حسن في رحلته، وأخاف من الغولة، وأتعاطف مع جبينة، وأبتسم لـ نص نصيص، وأصغي إلى حكايات الفأر والخنفساء، وغيرها من الحكايات الشعبية التي كانت بالنسبة لنا مدرسة خفية تُعلّمنا الخير، والشجاعة، والصبر، والذكاء، والانتماء إلى الأرض والناس.
إنّ تلك الشخصيات لم تكن مرسومة على الورق، لذلك كنت أرسمها وحدي داخل مخيلتي الطفولية.
كنت أمنحها الوجوه التي أحبّ، والألوان التي أتخيل، والبيوت التي أسكنها، والحقول التي أعرفها.
ولهذا بقيت تلك الحكايات ترافقني طويلًا، لقد كانت تزور أحلامي، وتتسلل إلى كتاباتي، وتعيد تشكيل حساسيتي الجمالية كلما تقدمت في العمر.
واليوم، بعد عقود من تلك الطفلة التي كانت تصغي أكثر مما تقرأ، تلك الطفلة التي لم تجد كتابًا جيدًا حتمًا ستصنع عالمها من أي حكاية تصل إليها؛ لذلك فإنّ مسؤولية الكاتب تكمن في أنْ يكتب للطفل، ويكتب عالمًا يستحق أنْ يسكنه الطفل.
ومن هنا تنبع أهمية أدب الأطفال كأحد أكثر الأجناس الأدبية تأثيرًا في بناء الوعي والوجدان والخيال.
فهو لا يعلّم القراءة وحدها، وإنما يعلّم الإنسان كيف يرى العالم، وكيف يسمي الأشياء، وكيف يحبّ الجمال، ويحترم الطبيعة، ويؤمن بالخير، ويصغي إلى اختلاف الآخرين.
إنّ الكتاب الأول الذي يقع بين يدي الطفل قد يترك في ذاكرته أثرًا لا تمحوه عشرات الكتب التي سيقرأها لاحقًا، لأنّ البدايات هي التي ترسم خرائط الروح.
ولعلّ هذا ما جعلني رغم انهماكي خلال الأشهر الماضية في إنجاز التزامات أكاديمية وبحثية متراكمة، وما أحاط بي من ضغوط علمية وثقافية وشخصية إلّا أنني لا زلت أحتفظ بوعد قطعته للصديقة الكاتبة المبدعة رزان الرابي ابنة الأردن الحبيب عندما أرسلت إليّ مجموعتها القصصية.
قلت لها يومها إنني سأؤجل القراءة قليلًا حتى أفرغ من تلك الالتزامات، لأنني لا أريد أنْ أقرأ هذا الكتاب بعين المستعجل، وإنما بعين الناقد الذي يعرف أنّ الكتابة للأطفال لا تقلّ صعوبة عن الكتابة للكبار، فهي تفوقها تعقيدًا.
وعندما فتحت المجموعة أخيرًا شعرت أنني أعود على نحو ما إلى تلك الأمسيات الأولى، إلى صوت جدتي، وإلى دهشتي القديمة، وإلى الطفلة التي ما زالت تسكن داخلي.
غير أنّ الفارق هذه المرة أنّ الحكاية جاءت مرتدية ثوبًا جديدًا يجمع بين جمال النص، وثراء الصورة، ووعي تربوي حديث يجعل الطفل شريكًا في الاكتشاف، لا متلقيًا سلبيًا للموعظة.
ومن هذا المنطلق تسعى هذه القراءة إلى تقديم مقاربة هذه المجموعة كمشروع جمالي وتربوي مستندة إلى مناهج السرديات الحديثة، والسيميائيات، ونقد أدب الطفل، للكشف عن البِنى الفنية والدلالية التي تشكل عالمها، وعن الكيفية التي استطاعت بها رزان الرابي أنْ تجعل من الحكاية مساحة يلتقي فيها الخيال بالمعرفة، والمتعة بالتربية، والبراءة بالوعي.
وعندما فرغت من قراءة المجموعة، وجدتني لا أقرأ سبع قصص منفصلة، وإنما أقرأ مشروعًا سرديًا واحدًا، تتعدد فيه الحكايات بينما تتوحد الرؤية.
فكل قصة تمثل نافذة جديدة على العالم، لكنها تفضي في النهاية إلى الفضاء نفسه، فضاء يؤمن بأنّ الطفل قادر على اكتشاف الجمال، وأنّ الطبيعة ليست ديكورًا للأحداث، فقد باتت شريكًا في تكوين الإنسان، وأنّ المعرفة تبدأ بالسؤال، والخير لا يُفرَض بكثرة المواعظ، وإنما يُعاش داخل التجربة السردية ذاتها.
وما بين أدب الأطفال وكل من التشكيل الجمالي وبناء الوعي فلم يعد أدب الأطفال في ضوء المناهج النقدية الحديثة يُقاس بكمية القيم الأخلاقية التي يقدمها، وإنما أصبح يُقاس بقدرته على تحويل هذه القيم إلى خبرة جمالية يعيشها الطفل دون أنْ يشعر بأنه يتلقى درسًا مباشرًا.
فالفرق كبير بين النص الذي يقول للطفل: “كن صادقًا”، والنص الذي يجعله يختبر الصدق من خلال شخصية يحبها ويتماهى معها.
ولهذا يؤكد بيري نودلمان أنّ الطفل لا يقرأ القصة على أنها خطاب تعليمي، فهي عالم يتشكل أمامه، ونجاح الكاتب يتجلى في قدرته على جعل القيمة جزءًا من نسيج الحكاية، لا ملحقًا أخلاقيًا بها.
فالقصة الموجهة إلى الطفل لم تعد تُبنى على ثنائية الخير والشر وحدها، كما في الحكايات الشعبية القديمة، وإنما أصبحت تعتمد بناءً نفسيًا أكثر تعقيدًا، يجعل الطفل يكتشف الحلول بنفسه، ويشارك في إنتاج المعنى، وهو ما يتقاطع مع مفهوم “القارئ النموذجي” عند أمبرتو إيكو، والذي يرى أنّ النص الناجح هو النص الذي يترك فراغات تأويلية يدعو قارئه إلى ملئها حتى وإنْ كان هذا القارئ طفلًا.
وتبدو هذه الرؤية واضحة في “مملكة الأحلام الصغيرة”؛ إذ لا تلجأ رزان الرابي إلى الوعظ المباشر، فهي تبني عوالمها على الاكتشاف، والدهشة، والتجربة، وهو ما يجعل الطفل يصل إلى القيمة بنفسه.
فلا أحد يجبر الأرنب على القراءة، وإنما تقوده التجربة إلى إدراك أهميتها، ولا أحد يملي على نور أنْ تحب الطبيعة، وإنما تنشأ هذه المحبة من علاقة وجدانية مع الفراشة وأصدقاء الحديقة. وهكذا تتحول القيمة إلى نتيجة طبيعية لتطور الحدث، لا إلى شعار يعلو فوقه.
ومن هنا يمكن القول إنّ المجموعة تنتمي إلى تيار معاصر في أدب الأطفال يسعى إلى الجمع بين المتعة الجمالية والوظيفة التربوية دون أنْ يطغى أحدهما على الآخر، وهو ما يمنحها خصوصيتها ويجعلها جديرة بقراءة نقدية تتجاوز التلخيص والانطباع، لتكشف البِنى العميقة التي تنتظم عالمها السردي.
فإذا كانت صورة الغلاف قد أعادتني إلى طفولتي كذاكرةً للحكاية الشفوية، فإنّ المجموعة “مملكة الأحلام الصغيرة” بما تضمّنته من قصص أعادتني إلى سؤال أكثر عمقًا ألا وهو:
كيف تُبنى الطفولة داخل النص؟ فالقصة الموجهة إلى الطفل لا تُقاس بعدد شخصياتها، ولا بحجم أحداثها، وإنما بالكيفية التي تنجح بها في تشييد عالم يستطيع الطفل أنْ يصدق وجوده، وأنْ يقيم فيه وجدانيًا حتى وإنْ كان هذا العالم قائمًا على الخيال.
وهذه هي المزية الأولى التي تميز مشروع رزان الرابي؛ فهي تبني كونًا سرديًا متماسكًا، تتكرر فيه العلامات والرموز والألوان والشخصيات والفضاءات حتى يشعر القارئ الصغير أنه ينتقل من نافذة إلى أخرى داخل البيت نفسه.
وتنبني المجموعة على رؤية جمالية تجعل الدهشة هي البوابة الأولى للمعرفة، فلا تبدأ الحكايات من حدث صاخب أو أزمة معقدة، إنما تبدأ من لحظة صغيرة، قد تكون فراشةً تحط على كتف طفلة، أو أرنبًا يلهو في الغابة، أو كتابًا بلا عنوان، أو ريشةً تهبط من السماء.
غير أنّ هذه التفاصيل البسيطة تتحول بفعل الخيال السردي إلى محركات للأحداث، وإلى نقاط انطلاق لرحلات داخلية يتغير فيها الأبطال قبل أنْ تتغير الأمكنة.
وهنا تكشف الكاتبة عن وعي واضح بطبيعة المتلقي الطفل؛ إذ تدرك أنّ الطفل لا يحتاج إلى حبكات متشابكة بقدر حاجته إلى حدث يوقظ فضوله، ويجعله يسير مع الشخصية حتى النهاية.
ولعل أول ما يلفت الانتباه أنّ القصص جميعها تنطلق من حركة الاقتراب. فالشخصيات لا تُفرض عليها المغامرة، وإنما تنجذب إليها تدريجيًا.
فنور تقترب من الفراشة، والأرنب يتبعها، والقمر يقترب من الأرض، والطفل يقترب من الكتاب، والحيوانات تقترب من الريشة.
إنّ فعل الاقتراب هذا هو البِنية العميقة التي تحكم المجموعة كلها؛ فالمعرفة لا تأتي من بعيد، وإنما تبدأ بخطوة صغيرة نحو الآخر.
وهكذا يتحول الاقتراب إلى استعارة تربوية تؤسس لفكرة الحوار والانفتاح والاكتشاف.
وتتجلى هذه الرؤية منذ القصة الأولى “نور والفراشة”، والتي تبدو للوهلة الأولى قصةً عن طفلة تدخل حديقةً جميلة، غير أنّ القراءة السردية تكشف أنها قصة عن اكتشاف الذات عبر اكتشاف الطبيعة.
فالفراشة تؤدي ما يسميه فلاديمير بروب وظيفة “المرشد”؛ فهي التي تدفع البطلة إلى تجاوز حدود المكان المألوف، وتفتح لها باب العالم الجديد.
ومن هنا تتخذ الفراشة بعدًا رمزيًا يتجاوز كونها حشرة جميلة؛ فهي تمثل الحرية والتحول والجمال، كما تمثل الوسيط بين الطفل والعالم الطبيعي. لذلك لا تقف الكاتبة عند وصف ألوانها أو حركتها، وإنما تجعلها مفتاحًا لعلاقات جديدة مع الأرنب والسنجاب والزهور، لتصبح الحديقة فضاءً للتعارف لا مجرد فضاء للنزهة.
ومن اللافت أنّ الكاتبة لا تصنع الصراع من خلال الخوف أو العنف، فهي تصنعه من خلال الفضول، والطفل لا يواصل القراءة لأنه يخشى خطرًا داهمًا، وإنما لأنه يريد أنْ يعرف ماذا سيحدث بعد الخطوة التالية.
وهذه التقنية من أنجح تقنيات الكتابة للأطفال؛ لأنها تحافظ على الطمأنينة النفسية، وفي الوقت نفسه تبقي عنصر التشويق حاضرًا حتى النهاية.
إنّ التشويق يولد من الرغبة في المعرفة بعيدا عن التهديد، وهي رسالة تربوية عميقة، تجعل الاكتشاف قيمة في ذاته.
أما قصة “الأرنب الذي أحب القراءة”، فهي تمثل في تقديري المحور الفكري للمجموعة كلها؛ لأنها تنتقل بالطفل من عالم الطبيعة إلى عالم الثقافة دون أنْ تقطع الصلة بينهما.
فالأرنب يتعلم القراءة عبر تجربة وجودية بعيدا عن جدران المدرسة، وبعيدا عن معلم صارم؛ إذ يقوده جهله إلى الضياع، فتتحول القراءة من واجب مدرسي إلى وسيلة لفهم العالم.
وهذه النقلة بالغة الأهمية؛ لأنها تعيد تعريف المعرفة في وعي الطفل. فالكتاب أصبح طريقًا إلى الحرية والاستقلال والثقة بالنفس.
ومن الناحية السردية تعتمد هذه القصة على التحول الداخلي للشخصية، فالأرنب يبدأ رافضًا للقراءة، منشغلًا باللهو، ثم يواجه أزمة تكشف له حدود هذا السلوك قبل أنْ يعيد بناء ذاته من خلال التعلم.
وهذا التحول التدريجي يمنح الشخصية صدقية فنية؛ لأنها لا تتغير بقرار مفاجئ، وإنما عبر خبرة حقيقية.
ومن هنا تنجح الكاتبة في تجنب المباشرة الوعظية، إذ لا تقول للطفل: “اقرأ”، إنما تتركه يعيش مع الأرنب تجربة تجعل القراءة ضرورة يكتشفها بنفسه.
وإذا كانت القصتان الأولى والثانية تنطلقان من الواقع، فإنّ قصة “القمر الذي يزور الأرض” تمثل انتقالًا واضحًا إلى فضاء الخيال، لكنها ليست خيالًا منفصلًا عن الواقع، بقدر ما هو خيال يفسره ويضيئه.
فالقمر الذي يتحول إلى طفل صغير يرتدي ثوبًا فضيًا، ليؤدي وظيفة عجائبية، ويجسد حلم الطفل الدائم بكسر الحدود بين السماء والأرض.
إنّ الكاتبة تستثمر هنا أحد أقدم الرموز الإنسانية، لكنها تعيد صياغته بلغة تناسب الطفل، فتجعل القمر صديقًا لا جرمًا سماويًا بعيدًا.
ومن منظور سيميائي يمكن النظر إلى القمر كعلامة على الحضور الغائب؛ فهو يهبط إلى الأرض، ويزرع الفرح، ثم يعود إلى مكانه تاركًا أثره في القلوب.
وهذه النهاية تحمل بعدًا تربويًا رفيعًا؛ إذ تؤكد أنّ المحبة تقاس بعمق الأثر الذي يتركه الإنسان في الآخرين.
وهكذا تغدو الرحلة الليلية للقمر رحلة في معنى العطاء، لا في معنى المغامرة وحدها.
وفي هذه القصة أيضًا تتجلى قدرة رزان الرابي على أنسنة الكون؛ فهي تمنح القمر صفات الطفل، وتمنح الطفل صفات الضوء حتى تتلاشى الحدود بين الإنسان والطبيعة.
وهذا التداخل بين العوالم يمثل إحدى السمات المميزة للمجموعة؛ إذ لا توجد قطيعة بين الإنسان والحيوان، ولا بين النبات والإنسان، ولا بين السماء والأرض. الجميع يتحاور، والجميع يسهم في بناء المعنى، وهو ما يرسخ لدى الطفل شعورًا بالانتماء إلى كون واحد، لا إلى عالم منقسم إلى كائنات متفوقة وأخرى هامشية.
ومن هنا يمكن القول إنّ القصص الثلاث الأولى ترسم الملامح الكبرى للمشروع السردي الذي تتبناه الكاتبة، والذي باتت فيه الدهشة طريقًا إلى المعرفة، والطبيعة شريكًا في التربية، والخيال وسيلة لفهم الواقع، والقراءة فعلًا للتحرر، والمحبة لغةً مشتركة بين جميع الكائنات.
وهذه الرؤية هي التي تمنح المجموعة وحدتها الداخلية، وتجعلها أقرب إلى سيمفونية سردية تتعدد فيها الأنغام، بينما تبقى النغمة الأساسية واحدة.
وإذا كانت القصص الثلاث الأولى قد أرست الأساس الجمالي للمجموعة، فإنّ القصص الأربع الأخيرة تمثل مرحلة النضج في المشروع السردي لرزان الرابي، فالكاتبة تنتقل من بناء علاقة الطفل بالطبيعة إلى بناء علاقته بالأشياء، وبالآخر، وبذاته، ثم بالكتاب الرفيق الأبقى في رحلة التكوين الإنساني.
ويبدو هذا واضحًا فترتيب القصص لم يكن اعتباطيًا، وإنما جاء وفق تدرج نفسي ومعرفي يبدأ بالدهشة، ثم بالاكتشاف، ثم بالتعلم، ثم ينتهي بتقديس المعرفة نفسها.
ففي قصة سيارة فهد الزرقاء” لا تقف الكاتبة عند حدود العلاقة التقليدية بين الطفل ولعبته، وإنما تمنح هذه العلاقة بعدًا وجدانيًا يجعل السيارة امتدادًا لمشاعر الطفل، فالطفل في سنواته الأولى لا يفصل بين ذاته والأشياء التي يحبها، ولذلك فإن فقدان لعبته يشبه فقدان جزء من عالمه النفسي.
وقد أدركت رزان الرابي هذه الحقيقة النفسية، فجعلت السيارة تحمل وظيفة رمزية تتجاوز ماديتها، إذ تتحول إلى صديقة تشارك فهد لحظات الفرح والحزن، وتصبح استعادتها استعادةً للأمان الداخلي، لا استعادةً لشيء مفقود فحسب.
ومن منظور سيميائي، فإنّ اللون الأزرق الذي اختارته الكاتبة للسيارة لا يمكن اعتباره اختيارًا عابرًا خاصة إذا لاحظنا حضوره المتكرر في المجموعة، سواء في الفراشة الأولى، أو في السيارة، أو في فضاءات السماء والقمر.
فاللون الأزرق وفق دلالات علم نفس الألوان يرتبط بالسكينة، والاتزان، والثقة، والطمأنينة، وهي القيم التي تسعى المجموعة كلها إلى غرسها في وجدان الطفل.
وهكذا يتحول اللون إلى خطاب موازٍ للنص، يهمس بما لا تقوله الكلمات، ويؤكد أنّ الصورة في أدب الطفل ليست زينة بصرية، وإنما جزء من البنية الدلالية للنص.
ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها لا تجعل المحافظة على الممتلكات قيمةً أخلاقية مفروضة، فهي تجعلها نتيجة طبيعية للمحبة، فالإنسان يحافظ على ما يحب، ولا يحبه لأنه طُلب منه أنْ يحافظ عليه.
وهذا الفارق الدقيق بين التربية بالأمر والتربية بالتجربة هو ما يمنح النص صدقه الفني، ويبعده عن المباشرة التي كثيرًا ما تقع فيها نصوص الأطفال.
وتأخذنا قصة “الأسد وصوت العصفور” إلى مستوى أكثر عمقًا من الرمزية؛ إذ تعيد الكاتبة مساءلة المفاهيم التقليدية المرتبطة بالقوة.
فمنذ الحكايات الشعبية القديمة ارتبط الأسد بالسلطة والهيمنة، بينما ارتبط العصفور بالضعف والهشاشة.
غير أنّ رزان الرابي تعيد ترتيب هذه العلاقة؛ فالأسد على الرغم من قوته يعجز عن تبديد خوف الحيوانات أثناء العاصفة، في حين ينجح العصفور بصوته الرقيق في إعادة الطمأنينة إلى الغابة.
ولا يقتصر هذا التحول على كونه مفارقة حكائية، فهو يمثل انقلابًا في النسق القيمي الذي تقدمه القصة للطفل. فالقوة هنا لم تعد مرادفة للصوت المرتفع أو الجسد الضخم، وإنما أصبحت مرادفة للتأثير الإيجابي، والقدرة على بثّ الأمل في نفوس الآخرين.
وهذه رسالة تربوية بالغة الرقي، لأنها تعيد تعريف البطولة في وعي الطفل، فلا تجعلها مرتبطة بالسيطرة بقدر ارتباطها بالرقة، والحكمة، والقدرة على احتواء الخوف.
وتكشف هذه القصة أيضًا عن وعي الكاتبة بعلم نفس الطفل؛ إذ إنّ كثيرًا من الأطفال يربطون السلطة بالقوة الجسدية، فجاءت الحكاية لتصحح هذا التصور من خلال التجربة السردية، لا من خلال الخطاب المباشر.
وهنا يتجلى نجاح النص في تحويل القيمة الأخلاقية إلى حدث حي، وهو ما يجعل أثرها أعمق وأبقى.
أما قصة “الريشة التي غيّرت الغابة”، فهي من أكثر قصص المجموعة كثافةً من الناحية الرمزية، فالريشة تتحول إلى علامة أخلاقية، وإلى وسيط بين العالم المرئي والعالم القيمي.
فهي تهبط من السماء، وتتحدث بالحكمة، ثم تختفي بعد أنْ تترك أثرها في النفوس، وهذا البناء يذكّر بالرموز العجائبية في التراث الإنساني، حيث تأتي الشخصية المانحة لتوقظ الخير الكامن في الآخرين، ثم تنسحب بعد أنْ تؤدي رسالتها.
غير أنّ رزان الرابي لا تجعل الريشة تصنع المعجزة نيابة عن الشخصيات، فهي تجعلها تفتح أعينهم على الخير الموجود في داخلهم، وهنا تكمن القيمة الفنية للقصة؛ إذ تؤكد أنّ التغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج، وإنما يبدأ من الداخل. فالريشة لا تمنح الحيوانات قلوبًا جديدة، وإنما تجعلها ترى قلوبها على حقيقتها، وكأنها مرآة أخلاقية تعكس ما استقر في النفوس من خير أو أنانية.
ومن منظور سيميائي، فإنّ الريشة تمثل الخفة والحرية والنقاء، وهي صفات تتكرر في أكثر من رمز داخل المجموعة، بما يؤكد أنّ الكاتبة تبني شبكة رمزية متكاملة، لا مجموعة من الصور المنفصلة، فالطبيعة في هذا العالم لغة ثانية للنص.
وتبلغ المجموعة ذروتها الفنية في قصة “الكتاب الذي يختار قارئه” التي يمكن عدّها البيان الجمالي والفكري للمجموعة كلها.
فالكاتبة هنا تنتقل من الحديث عن القراءة كمهارة، كما في قصة الأرنب إلى الحديث عنها ضمن علاقة وجودية بين الإنسان والكتاب.
إنّ فكرة أنّ الكتاب هو الذي يختار قارئه تبدو للوهلة الأولى فكرة عجائبية، لكنها في حقيقتها استعارة عميقة؛ فالكتاب لا يفتح أسراره لأي أحد، وإنما يحتاج إلى قارئ يمتلك الفضول، والمحبة، والاستعداد الداخلي للحوار معه.
وتحمل هذه القصة صدى واضحًا لما يسميه أمبرتو إيكو “القارئ النموذجي”، أي القارئ الذي يستطيع أنْ يتفاعل مع النص ويكمل معانيه، لا أنْ يكتفي باستقبالها.
ولعل أجمل ما في القصة أنها تجعل الطفل يشعر بأنه شريك في خلق معنى الكتب.
وهنا تبلغ الرسالة التربوية أعلى مستوياتها؛ إذ يتحول الكتاب من أداة تعليم إلى كائن حي، يختار من يستحق صحبته.
وإذا تأملنا المجموعة بأكملها أدركنا أنّ رزان الرابي لا تجعل الأشياء تؤدي وظائفها المألوفة؛ فالفراشة تصبح مرشدًا، والسيارة تصبح صديقة، والريشة تصبح حكيمة، والقمر يصبح طفلًا، والكتاب يصبح كائنًا حيًا.
وهذه التقنية التي تقوم على أنسنة الأشياء وإحياء الجمادات هي من أهم الأساليب التي توسع أفق الطفل، وتجعله ينظر إلى العالم على أنه فضاء حي مليئ بالعلاقات والمعاني.
ومن هنا تتكشف البنية العميقة للمجموعة، فهي تدعو الطفل إلى عيش القيم، وتعلمه كيف يطرح الأسئلة.
إنها مجموعة تؤمن بأنّ التربية الحقيقية تبدأ في الوقت الذي يتحول فيه العالم إلى حكاية، وعندما يصبح كلّ كائن مهما بدا صغيرًا قادرًا على أنْ يكون معلمًا للإنسان.
أقول: إذا كان الأدب في جوهره فعلًا من أفعال إعادة اكتشاف العالم، فإنّ أدب الأطفال يؤدي هذه المهمة في أكثر مراحل الإنسان حساسية؛ إذ يرافق تشكل الوعي الأول، ويشارك في صياغة العلاقة بين الطفل وذاته، وبينه وبين الطبيعة والآخر.
فنجاح الكاتب لا يُقاس بقدرته على تبسيط اللغة، وإنما بقدرته على بناء عالم يظل عالقًا في ذاكرة الطفل بعد أنْ يغلق دفّتي الكتاب، وهذه هي السمة التي تبدو واضحة في سلسلة “مملكة الأحلام الصغيرة”، فهي تراهن على الأثر، وتسعى إلى إشراك الطفل في تجربة جمالية تفضي في نهايتها إلى وعي جديد.
وأول ما يلفت النظر في هذه المجموعة أنّ الشخصيات تنتمي إلى منظومة دلالية واحدة، فالطفلة “نور” تمثل البراءة الأولى التي تنظر إلى العالم بعين الدهشة، والأرنب يمثل الإنسان الذي يكتشف أنّ المعرفة طريق إلى الحرية، والقمر يجسد الحلم الذي يربط السماء بالأرض، والعصفور يختصر القوة الهادئة التي تنتصر بالمحبة، والريشة تصبح رمزًا لنقاء الضمير، أما الكتاب فيغدو المعلم الصامت الذي يرافق الإنسان في رحلته نحو النضج.
وهكذا تتجاوز الشخصيات حدود وظائفها السردية لتتحول إلى رموز إنسانية دون أنْ تفقد عفويتها أو قربها من المتلقي الصغير.
ويُحسب لرزان الرابي أنها لم تُغرق النصوص في الرمزية المجردة، فقد أبقت الرموز منبثقة من قلب الحكاية. فالطفل يستطيع أنْ يستمتع بالقصة دون أنْ يلتفت إلى طبقاتها الدلالية، بينما يجد القارئ الراشد، أو الناقد، شبكة واسعة من العلامات التي تمنح النص قابلية للتأويل.
وهذه الازدواجية في الخطاب تُعد من أبرز خصائص أدب الأطفال الناجح؛ لأنه يخاطب الطفل مباشرة، ويمنح الراشد في الوقت نفسه فرصة لاكتشاف مستويات أخرى من المعنى.
ومن العناصر اللافتة في المجموعة أيضًا حضور الحركة وهي المحرك الرئيس للسرد، فالشخصيات لا تعرف السكون، فهي تمشي، وتبحث، وتتبع، وتلتقي، وتغادر، وتعود.
وهذه الحركة المستمرة تمنح النص حيوية، كما تتناغم مع طبيعة الطفل الذي يتعلم من الفعل أكثر مما يتعلم من الوصف.
لذلك تقل المشاهد الساكنة، ويغلب الفعل على الوصف، ويصبح كلّ انتقال في المكان انتقالًا في الوعي أيضًا. فالحديقة باتت مساحة لاكتشاف الصداقة، والغابة مختبرا للقيم، والمكتبة بوابة لعوالم لا تنتهي.
وتكشف القراءة المتأنية كذلك عن حضور واضح لما يمكن أن نسميه سيمياء اللون، فاللون الأزرق الذي يتكرر في الفراشة، وسيارة فهد، وفضاءات السماء والقمر يؤسس مزاجًا بصريًا عامًا للمجموعة.
إنه لون الطمأنينة، والانفتاح، والخيال، ولذلك يبدو وكأنه الخيط اللوني الذي يجمع القصص كلها في نسيج واحد.
أما الألوان الأخرى فتأتي لتدعم هذا النسق، فتمنح الرسوم قدرة على استكمال ما يعجز عنه اللفظ أحيانًا. ومن هنا لا يمكن النظر إلى الرسوم كعناصر تزيينية، فهي نص موازٍ يشارك في إنتاج المعنى، ويقود عين الطفل إلى تفاصيل قد لا تلتقطها اللغة وحدها.
أما اللغة فتقوم على اقتصاد واضح في العبارة من غير فقر في الدلالة، فالجمل قصيرة، لكنها نابضة بالحركة، والأفعال أكثر حضورًا من الصفات، والحوار يأتي مختصرًا، متوازنًا، يؤدي وظيفته دون أن يقطع إيقاع السرد.
وهذه الخصائص تجعل النص قريبًا من الأذن الطفولية، وتمنحه إيقاعًا موسيقيًا هادئًا ينسجم مع طبيعة القصص. والأهم من ذلك أنّ الكاتبة لم تلجأ إلى التبسيط المخل، فقد حافظت على فصاحة اللغة مع مراعاة المستوى الإدراكي للطفل، وهو توازن يصعب تحقيقه في الكتابة لهذا العمر.
ومن الناحية السردية تعتمد المجموعة على راوية عليمة، لكنها لا تفرض هيمنتها على الشخصيات بقدر ما تقترب من وعيها، وتترك لها مساحة للتعبير عن نفسها.
كما أنّ الزمن يسير في خط مستقيم يخلو من التعقيد، وهو اختيار يتلاءم مع طبيعة المتلقي، في حين تأتي النهايات مغلقة نسبيًا، لكنها لا تغلق باب التأمل، إنما تترك أثرًا وجدانيًا يدفع الطفل إلى إعادة التفكير فيما قرأه.
وإذا عدنا إلى السؤال الذي انطلقت منه هذه القراءة والمتصل بذكريات الطفولة والحكاية الشفوية، أمكن القول إنّ رزان الرابي تنتمي إلى الكتّاب الذين نجحوا في مدّ جسر بين الحكاية الشعبية القديمة والقصة الحديثة.
فالحكايات التي كانت ترويها الجدات لم تكن تعتمد على وفرة التفاصيل، وإنما على قوة الصورة، ووضوح القيمة، وسلاسة السرد، وهذه العناصر نفسها نجدها في “مملكة الأحلام الصغيرة” غير أنها أعيدت صياغتها بما ينسجم مع الطفل المعاصر، الذي يعيش في عالم الصورة المطبوعة والكتاب المصور.
ومن هنا يمكن النظر إلى هذه المجموعة على أنها امتداد للحكاية العربية، لا قطيعة معها.
لقد تغير الوسيط من الصوت إلى الكتاب، ومن الذاكرة إلى الصفحة، لكن الوظيفة الجوهرية بقيت واحدة؛ وهي أنْ تمنح الطفل فرصة لتخيل عالم أكثر جمالًا، وأكثر عدلًا، وأكثر رحابة.
والقراءة النقدية مهما كانت منصفة إلّا أنها لا تكتمل من دون الإشارة إلى بعض الملاحظات التي يمكن أنْ تثري التجربة في الإصدارات اللاحقة.
فمن الممكن توسيع مساحة الصراع الداخلي في بعض الشخصيات بحيث يشارك الطفل بدرجة أكبر في اكتشاف الحلول، كما أنّ تنويع مستويات الحوار، وإفساح المجال أمام نهايات أكثر انفتاحًا في بعض القصص قد يمنح المتلقي مساحة أوسع للتأويل، ويعزز دوره كشريك في بناء المعنى، لا متلقٍ له فقط. وهذه ملاحظات تطويرية لا تنتقص من القيمة الفنية للمجموعة، فهي تنطلق من نجاحها، ومن قدرتها على استقبال مزيد من التطور.
إنّ مجموعة “مملكة الأحلام الصغيرة” تكشف أنّ رزان الرابي تمتلك وعيًا حقيقيًا بخصوصية الكتابة للطفل، فهي لا تكتب من موقع الواعظ، ولا من موقع المعلّم، وإنما من موقع الحكّاءة التي تؤمن بأنّ القصة الجميلة قادرة بذاتها على غرس القيم في النفس الإنسانية. وقد نجحت في بناء عالم سردي متماسك تتناغم فيه الكلمة مع الصورة، والخيال مع الواقع، والجمال مع التربية حتى غدت المجموعة مشروعًا متكاملًا في أدب الطفل يوازن بين المتعة الفنية والرسالة التربوية.
ولعل القيمة الأعمق لهذا العمل تكمن في أنه يعيد الاعتبار للحكاية كفعل ثقافي مؤسس للوعي، ويؤكد أنّ الطفل العربي ما يزال في حاجة إلى نصوص تحترم ذكاءه، وتوسع خياله، وتغرس فيه محبة القراءة والطبيعة والإنسان.
ف”مملكة الأحلام الصغيرة”هي دعوة هادئة إلى إعادة بناء العالم من عين طفل يؤمن بأنّ الفراشة قد تكون دليلًا، وأنّ العصفور قد يكون أقوى من الأسد، وأنّ الريشة قد تغيّر غابة، وأنّ الكتاب، في نهاية المطاف لا يختار إلا القلوب التي تعرف كيف تصغي إلى الحكاية.
عندما أغلقتُ الصفحة الأخيرة من “مملكة الأحلام الصغيرة” أحسست أنني عدتُ على نحوٍ خفي إلى تلك الأمسيات الأولى التي كانت فيها جدتي فاطمة تفتح لنا أبواب الحكاية، ويمنحها عمي الحكيم خليل صوته الدافئ، فتمتدُّ الكلمات جسورًا بين الواقع والخيال. أعترف أنني أدركتُ آنذاك أنّ الزمن قد تغيّر، وأنّ الراوي الشعبي قد سلَّم أمانة الحكاية إلى الكاتب، وأنّ الكتاب الملوَّن أصبح يحمل الرسالة التي كانت تحملها الذاكرة الشفوية قديمًا، غير أنّ جوهر الحكاية بقي كما هو بأنْ تمنح الطفل سببًا إضافيًا ليحبَّ العالم.
لقد استطاعت رزان الرابي أنْ تستعيد هذا الجوهر عبر إعادة ابتكارها للحكاية الشعبية في صيغة معاصرة تحترم ذكاء الطفل، وتؤمن بأنّ التربية الحقيقية تُبنى على الدهشة، وتُغرس بالتجربة الجمالية.
فكل قصة في هذه المجموعة تبدو كنافذة صغيرة، لكنها تفتح أفقًا واسعًا على المعرفة، أو الطبيعة، أو الصداقة، أو الرحمة، أو الخيال حتى تتضافر هذه النوافذ جميعها لتشكّل بيتًا إنسانيًا واحدًا يسكنه الطفل بقلبه قبل أنْ يسكنه بخياله.
ولعل أجمل ما في هذا العمل أنه يعيد الاعتبار إلى قيمة الحكاية في زمن تتزاحم فيه الشاشات وتتراجع فيه مساحة القراءة الحرة، فهو يذكّرنا بأنّ الطفل لا يحتاج إلى مزيد من الوسائط بقدر حاجته إلى قصة صادقة توقظ فيه السؤال، وتمنحه القدرة على التأمل، وتزرع في وجدانه يقينًا بأنّ المعرفة مغامرة جميلة، والكلمة الطيبة قد تغيّر قلبًا كما تغيّر الريشة غابةً، وأنّ تغريدة عصفور قد تهزم ضجيج القوة، وكتابًا واحدًا قد يغيّر مسار حياة كاملة.
“مملكة الأحلام الصغيرة” هي مشروع ثقافي وتربوي يحمل رؤية واعية لدور الأدب في بناء الإنسان منذ سنواته الأولى.
وهي بذلك تؤكد أنّ الكتابة للأطفال ليست أدبًا أقل شأنًا، فهي الكتابة الأكثر مسؤولية؛ لأنها تخاطب البذرة قبل أنْ تصير شجرة، والدهشة قبل أنْ تتحول إلى معرفة، والخيال قبل أنْ يصبح رؤية للعالم.
ويبقى الرهان الحقيقي لأي نص موجَّه إلى الطفل أنْ يظل حيًّا في ذاكرته بعد أنْ يُغلق الكتاب.
وإذا كانت الحكايات التي سمعتها في طفولتي ما تزال تسكن وجداني حتى اليوم، فإنني لا أستبعد أنْ يجد طفلٌ ما بعد أعوام طويلة نفسه يستعيد فراشة “نور”، أو الأرنب الذي أحبّ القراءة، أو القمر الذي نزل إلى الأرض، كما أستعيد أنا اليوم الشاطر حسن، وجبينة، ونص نصيص، والغولة، والفأر والخنفساء. وعندها فقط نتأكّد أنّ الأدب قد أدّى رسالته الأسمى؛ إذ أسهم في تكوين ذاكرة الطفل، وصناعة وجدانه، وترميم علاقته بالعالم إلى جانب تسليته.
وتظلّ الحكاية مهما تغيّرت وسائطها الوطن الأول للطفولة، والبيت الذي تعود إليه الروح كلما احتاجت إلى شيء من الضوء.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الأربعاء 22 يوليو كالتالي :عيار 22 86.700عيار 21 82.800