4:04 مساءً / 22 يوليو، 2026
آخر الاخبار

كيف نقرأ انضمام المغرب لقوة الاستقرار الدولية في غزة ، بقلم : فاضل المناصفة

كيف نقرأ انضمام المغرب لقوة الاستقرار الدولية في غزة ، بقلم : فاضل المناصفة

توقيع المغرب على الإطار القانوني لانضمامه إلى قوة الاستقرار الدولية في غزة يعكس مستوى الثقة الذي باتت تحظى به الرباط لدى شركائها الدوليين، كما يكرس توجهًا يقوم على الجمع بين الأدوات الدبلوماسية والإسهام الميداني في دعم الأمن والاستقرار. غير أن أهمية هذه المشاركة لن تُقاس بحجم القوة أو طبيعة المهام الموكلة إليها، بقدر ما ستقاس بقدرتها على العمل في بيئة سياسية وأمنية معقدة، حيث تتداخل الاعتبارات الإنسانية مع حسابات الصراع المستمر.

قراءة هذه الخطوة تكتمل بربطها مع سياقات تاريخية، فالمغرب لم يكن يومًا غريبًا عن مهام حفظ السلام الدولية. فمن الصومال إلى البوسنة والهرسك، مرورًا بكوسوفو، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، راكمت القوات المغربية خبرة طويلة في العمل تحت مظلة الأمم المتحدة وفي البيئات التي أنهكتها الحروب والنزاعات الأهلية. لذلك فإن المشاركة في غزة لا تمثل قطيعة مع السياسة المغربية، بقدر ما تمثل امتدادًا لمسار ظل يجمع بين البعد العسكري والبعد الإنساني.

وفي الحالة الفلسطينية، يكتسب هذا الحضور دلالة إضافية. فالموقف الرسمي المغربي ظل يؤكد، في مختلف المحطات، دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني، والدفاع عن حل الدولتين، ورفض المساس بالحقوق المشروعة للفلسطينيين. كما أن الجسر الإنساني الذي أقامه المغرب خلال الحرب، وإرسال المساعدات الغذائية والطبية إلى قطاع غزة، تركا أثرًا إيجابيًا واسعًا بين سكان القطاع، الذين رأوا في تلك القوافل دعمًا وصل إليهم في أكثر اللحظات قسوة، حين كانت الحاجة إلى الدواء والغذاء أكبر من أي خطاب سياسي.

ومن هنا، فإن المشاركة المغربية في قوة الاستقرار لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها انحيازًا إلى أي طرف في الصراع، ولا بوصفها امتدادًا لأي تنسيق عسكري مباشر مع إسرائيل، بل باعتبارها مساهمة في قوة متعددة الجنسيات هدفها المعلن توفير بيئة أكثر استقرارًا تسمح بعودة المؤسسات المدنية، وتأمين المساعدات الإنسانية، وتدريب الأجهزة الفلسطينية، ودعم الخدمات الطبية واللوجستية.

غير أن حسن النوايا وحده لا يصنع النجاح، فغزة ليست ساحة تقليدية لعمليات حفظ السلام، بل أرض ما تزال تحت الاحتلال، وتعيش واقعًا بالغ التعقيد، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع الانقسامات السياسية، وتتشابك الاعتبارات الأمنية مع المعاناة الإنسانية.

وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: كيف ستتمكن هذه القوة من أداء مهامها في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي؟ وهل ستُمنح حرية الحركة الكافية لممارسة دورها الإنساني والأمني، أم ستجد نفسها مقيدة بالواقع الميداني؟ وكيف سيكون موقف الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، من وجود هذه القوة؟ وهل ستنظر إليها باعتبارها قوة محايدة جاءت لحماية المدنيين، أم ستتعامل معها بريبة بوصفها جزءًا من ترتيبات ما بعد الحرب؟ ثم ماذا عن الشارع الغزي، الذي أنهكته سنوات الحصار والدمار؟ هل سيستقبل هذه القوات بوصفها سندًا يخفف من معاناته، أم سيبقى أسير الشكوك التي ترافق كل تدخل دولي؟

إن تجاهل الحاجة إلى قوة عربية وإسلامية تساند الفلسطينيين ميدانيًا لن يكون أكثر حكمة من المغامرة نفسها. فالفراغ الأمني، واستمرار انهيار المؤسسات، وتدهور المنظومة الصحية، وانتشار الأمراض، كلها عوامل تجعل أي جهد منظم لتوفير الأمن والإغاثة ضرورة لا ترفًا سياسيًا. وإذا كان لا بد من وجود قوة على الأرض، فإن وجود قوات عربية تحظى برصيد من الثقة لدى الفلسطينيين يبقى، في نظر كثيرين، أفضل من ترك القطاع رهينة الفوضى أو انتظار حلول قد لا تأتي.

ولعل القيمة الحقيقية للمشاركة المغربية لا تكمن فقط في عدد الضباط أو حجم القوة، بل في طبيعة المقاربة التي تحملها. فالمستشفى العسكري الميداني، والدعم اللوجستي، والمساهمة في إعادة بناء القدرات المدنية، قد تكون أكثر تأثيرًا من أي حضور عسكري تقليدي، لأن غزة اليوم لا تحتاج فقط إلى من يملأ الفراغ، بل إلى من يساعدها على استعادة الحياة.

يبقى أن نجاح هذه التجربة سيظل رهينًا بشرط أساسي لا يمكن القفز عليه: أن تتمكن القوة الدولية من أداء مهامها باستقلالية، وأن تحظى بقبول فلسطيني واسع، وألا تتحول إلى أداة لإدارة الأزمة بدل المساهمة في إنهائها. فالقوات الدولية تستطيع أن تخفف من آثار الحرب، لكنها لا تستطيع أن تصنع سلامًا دائمًا إذا بقي الاحتلال قائمًا، وإذا ظلت جذور الصراع من دون حل.

شاهد أيضاً

وزيرة شؤون المرأة تبحث مع شركاء دوليين التحضير لإطلاق مشروع «ترابط» لتعزيز التمكين الاقتصادي للنساء

وزيرة شؤون المرأة تبحث مع شركاء دوليين التحضير لإطلاق مشروع «ترابط» لتعزيز التمكين الاقتصادي للنساء

شفا – عقدت وزيرة شؤون المرأة، أ. منى الخليلي، لقاء بمشاركة هديل ناصر من برنامج …