10:44 صباحًا / 22 يوليو، 2026
آخر الاخبار

عندما تلتقي مهنة التمريض بحضارة العلم : دروس من التجربة الصينية ، بقلم: عز حمامرة


ممرض قانوني

من التجارب التي سوف تحفر في الذاكرة حيث لم يكن من المتوقع ان تكون ثلاثة أسابيع من التدريب كفيلة بإعادة صياغة كثير من قناعاتي المهنية. فقد جاءت مشاركتي في البرنامج التدريبي المتخصص في تمريض الطب الصيني التقليدي، الذي عُقد في مدينة تاييوان بمقاطعة شانشي في جمهورية الصين الشعبية خلال الفترة من 22 حزيران إلى 14 تموز 2026، لتؤكد أن تطوير الممارسة التمريضية يبدأ بالتعلم المستمر والانفتاح على تجارب الآخرين.

حيث ان جاء البرنامج ليقدم نموذجًا متكاملًا يجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي والاطلاع المباشر على التجارب الصحية المتقدمة. فقد أتاحت المحاضرات العلمية و الزيارات الميدانية للمؤسسات الصحية المتخصصة فرصة التعرف على الأسس الفلسفية والعلمية للطب الصيني التقليدي، بما في ذلك مفاهيم الين واليانغ ونظرية العناصر الخمسة، إضافة إلى عدد من الممارسات العلاجية المعروفة مثل الوخز بالإبر، والحجامة، والكي بالأعشاب (الموكسا)، وعلاج غوا شا، واستخدام الأعشاب الطبية، مع تسليط الضوء على كيفية توظيف هذه الأساليب ضمن منظومة الرعاية الصحية الحديثة.

ومن أبرز محطات البرنامج الزيارات الميدانية للمؤسسات الصحية المتخصصة، وفي مقدمتها مستشفى شانشي للطب الصيني التقليدي، حيث أتيحت للمشاركين فرصة الاطلاع على نموذج عملي ناجح لدمج الطب التقليدي بالطب الحديث. وقد عكست هذه الزيارات مستوى متقدمًا من التنظيم المهني وإدارة الجودة وسلامة المرضى والعمل الجماعي، مؤكدة أن التميز في الرعاية الصحية لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يرتكز أيضًا على الكفاءات البشرية والتدريب المستمر وثقافة التطوير المستدام.

ولم تقتصر التجربة على الجانب الأكاديمي فحسب، بل امتدت إلى التعرف على جوانب من الحضارة الصينية العريقة. فقد شملت الزيارات عددًا من المعالم التاريخية والثقافية في مدينتي تاييوان وبكين، وفي مقدمتها سور الصين العظيم، أحد أبرز الشواهد على تاريخ الصين الممتد لآلاف السنين. وقد عكست هذه الزيارات قدرة الصين على تحقيق توازن لافت بين الحفاظ على إرثها الحضاري والتقدم في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتنمية الاقتصادية.

وعلى المستوى الشخصي، شكلت المشاركة في هذا البرنامج أول تجربة تدريبية دولية بالنسبة لي، وهو ما أضفى عليها أهمية خاصة. كما أتاح البرنامج فرصة للتفاعل مع مشاركين من دول مختلفة، وتبادل الخبرات واكتساب خبرات جديدة التي من شانها ان تعزز رعايا المرضى والرؤى حول التحديات الصحية المشتركة وسبل تطوير الخدمات التمريضية والرعاية الصحية في المجتمعات المختلفة.

ومن اللحظات التي أعتز بها خلال البرنامج تقديم عرض تعريفي عن فلسطين أمام المشاركين الدوليين، حيث استعرضت تاريخ فلسطين وتراثها الثقافي وواقع القطاع الصحي فيها، إضافة إلى أوجه التشابه بين بعض الممارسات العلاجية الشعبية الفلسطينية ومبادئ الطب الصيني التقليدي. وقد شكل ذلك فرصة مهمة للتعريف بفلسطين وتعزيز حضورها في هذا المحفل الدولي.

إن التجارب الدولية لا تقتصر أهميتها على نقل المعرفة فحسب، بل تسهم في بناء جسور التواصل بين الشعوب وتعزيز ثقافة التعاون وتبادل الخبرات. ومن هذا المنطلق، أعود إلى فلسطين محملًا بمعارف جديدة ورؤية أوسع لمهنة التمريض، وإيمان أكبر بأهمية التعلم المستمر والانفتاح على التجارب العالمية من أجل الارتقاء بمستوى الخدمات الصحية وتحسين جودة حياة المرضى.

وفي ختام هذه التجربة، أتقدم بجزيل الشكر والامتنان إلى حكومة جمهورية الصين الشعبية، وسفارة جمهورية الصين الشعبية لدى دولة فلسطين، ووحدة العلاقات العامة والإعلام في محافظة بيت لحم، والمؤسسات المنظمة والمحاضرين الذين أسهموا في إنجاح هذا البرنامج العلمي المتميز. فقد كانت هذه التجربة أكثر من مجرد دورة تدريبية؛ كانت رحلة في المعرفة والثقافة والعمل الإنساني، ورسخت قناعة راسخة بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وأن قيمة المعرفة تكمن في تحويلها إلى خدمة أفضل للمجتمع.

لقد كانت الصين بالنسبة لي أكثر من وجهة تدريبية؛ كانت تجربة ملهمة أكدت أن مستقبل الرعاية الصحية يتطلب الانفتاح على مختلف المدارس الطبية، والاستفادة من التجارب الناجحة، والعمل المشترك من أجل بناء أنظمة صحية أكثر كفاءة وإنسانية.

شاهد أيضاً

تشانغ هان

متحدثة باسم البر الرئيسي الصيني تؤكد أن التعاون متبادل المنفعة عبر مضيق تايوان لا يمكن إيقافه

شفا – أكدت متحدثة باسم البر الرئيسي الصيني اليوم الأربعاء أنه لا يمكن لأحد أن …