
التوسع الاستيطاني والإبادة… وجهان لمشروع اقتلاع فلسطين ، بقلم: لؤي صوالحة
لم تعد فلسطين اليوم تواجه حربًا على جبهة واحدة، بل مشروعًا استعماريًا متكاملًا تتوزع أدواته بين الإبادة الجماعية في قطاع غزة والتوسع الاستيطاني والتهجير القسري في الضفة الغربية. فبينما تستهدف آلة الحرب الإسرائيلية الإنسان الفلسطيني في غزة بالقصف والتجويع والتدمير، تتقدم في الضفة الغربية جرافات الاستيطان واعتداءات المستوطنين لإفراغ الأرض من أصحابها الأصليين وفرض وقائع جديدة تجعل الاحتلال أمرًا دائمًا. وما يبدو للعالم مسارين منفصلين، يراه الفلسطيني مشروعًا واحدًا يستهدف الأرض والإنسان والهوية.
لم يعد ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة مجرد سلسلة من الأحداث المتزامنة، ولا يمكن قراءته باعتباره حربًا في غزة يقابلها تصعيد أمني في الضفة الغربية. فالصورة، عند النظر إليها من الداخل الفلسطيني، أكثر وضوحًا وأشد قسوة؛ إنها مشروع استعماري واحد، تتبدل فيه الأدوات بينما يبقى الهدف ثابتًا: اقتلاع الفلسطيني من أرضه، وإعادة رسم الجغرافيا بما يخدم مشروع الاحتلال الاستيطاني.
في غزة، يواجه الفلسطيني آلة حرب هائلة دمّرت المدن والأحياء والبنية التحتية، وأجبرت أعدادًا كبيرة من السكان على النزوح المتكرر، وسط مشاهد إنسانية مأساوية هزت الضمير العالمي. لا سيما وأن في الضفة الغربية، تُنفذ سياسة مختلفة في الشكل لكنها تلتقي في الغاية؛ فبدل القصف الجوي الواسع، تتقدم الجرافات الاستيطانية، وتُطلق يد المستوطنين، وتُغلق الطرق، وتُصادر الأراضي، وتُحاصر القرى، في محاولة لفرض واقع جديد يقوم على تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين.
وفي هذا السياق، لم تكن الحرب على غزة حدثًا منفصلًا عن سياسات الاحتلال في الضفة الغربية، بل وفرت للحكومة الإسرائيلية فرصة لتسريع مشروعها الاستيطاني، مستفيدة من انشغال العالم بالمشهد الإنساني الكارثي في القطاع، لتدفع بمخططات الضم وفرض الوقائع على الأرض بوتيرة غير مسبوقة.
لقد أدركت حكومة الاحتلال أن الحرب على غزة وفرت لها فرصة تاريخية لتسريع مشروع الضم الزاحف في الضفة الغربية، مستفيدة من انشغال العالم بمشاهد الدمار في القطاع، ومن حالة العجز الدولي عن وقف الانتهاكات. وخلال هذه المرحلة، تسارعت وتيرة بناء المستوطنات، وشرعنة البؤر الاستيطانية، والاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، بينما تحولت اعتداءات المستوطنين إلى سياسة يومية تُمارس تحت حماية جيش الاحتلال.
ومع انتقال هذه السياسة من مستوى التخطيط إلى التنفيذ الميداني، برز دور المستوطنين بوصفهم الذراع الأكثر فاعلية في فرض هذا الواقع الجديد، فلم يعودوا مجرد مجموعات متطرفة تتحرك بصورة فردية، بل أصبحوا جزءًا من منظومة الاحتلال التي تعمل بتنسيق وحماية مباشرة من الجيش.
ولم يعد المستوطن مجرد مدني متطرف، بل أصبح جزءًا من منظومة الاحتلال، يتحرك بالسلاح والحماية العسكرية، ويشارك عمليًا في تنفيذ سياسة فرض الأمر الواقع. فالاعتداء على المزارعين أثناء موسم قطف الزيتون، وإحراق المنازل والمركبات، واقتحام القرى، ومنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، والاعتداء على المدارس والتجمعات البدوية، كلها ممارسات لا تبدو أعمالًا فردية معزولة، بل تأتي في سياق سياسة تهدف إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين.
وهو الدور المتكامل بين المؤسسة العسكرية والمستوطنين، فتطورت أدوات التهجير لتصبح أكثر تعقيدًا وأقل صخبًا، إذ لم يعد الاحتلال بحاجة إلى قرارات معلنة لإفراغ الأرض من سكانها، بل بات يعتمد سياسة استنزاف تجعل البقاء نفسه معركة يومية.
إن الاحتلال لا يحتاج اليوم إلى إصدار أوامر تهجير جماعي كما حدث في نكبة عام 1948، فهو يعتمد أسلوبًا أكثر تعقيدًا وخطورة؛ إذ يصنع ظروفًا تجعل الحياة مستحيلة، ثم يترك الفلسطيني أمام خيارين قاسيين: البقاء تحت التهديد المستمر أو الرحيل حفاظًا على حياة أسرته. وهكذا يتحول التهجير إلى نتيجة مباشرة للعنف المنظم، حتى وإن لم يُكتب في قرار رسمي.
ولم تبقِ هذه السياسة إطارًا نظريًا، بل انعكست بصورة مباشرة على عشرات التجمعات الفلسطينية، خاصة في الأغوار الشمالية ومسافر يطا وجنوب الخليل، حيث تحولت الاعتداءات المتكررة إلى وسيلة لإجبار السكان على الرحيل تدريجيًا.
هذه السياسة طالت عشرات التجمعات الفلسطينية، خاصة في الأغوار الشمالية ومسافر يطا وجنوب الخليل، حيث أُجبرت عائلات على مغادرة مساكنها بعد سنوات طويلة من الصمود، بسبب الاعتداءات المتكررة للمستوطنين، ومنع الوصول إلى مصادر المياه والأراضي الزراعية، وإقامة بؤر استيطانية جديدة تحاصر الوجود الفلسطيني من كل اتجاه.
وعند المقارنة بين ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، تتضح وحدة المشروع رغم اختلاف الأدوات؛ ففي حين تعيش غزة كارثة إنسانية بفعل العمليات العسكرية الواسعة، تواجه الضفة الغربية عملية استنزاف يومية تهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني والسيطرة على الأرض تدريجيًا.
وإذا كانت غزة تعيش كارثة إنسانية بفعل العمليات العسكرية الواسعة، فإن الضفة الغربية تعيش استنزافًا يوميًا يهدف إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني قطعةً قطعة، وقريةً قرية، وجبلًا بعد جبل. وما يبدو للعالم أحداثًا متفرقة، يراه الفلسطيني مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل الأرض والديموغرافيا بالقوة.
ولأن هذه الممارسات ليست عشوائية، فإنها تنبع من رؤية سياسية تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم شخصيات لا تخفي إيمانها بالمشروع الاستيطاني ورفضها لأي تسوية تفضي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة.
إن الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تضم شخصيات تتبنى خطابًا استيطانيًا صريحًا، لم تعد تخفي أهدافها. فالحديث عن ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، وفرض السيادة الإسرائيلية عليها، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جزر معزولة، لم يعد مجرد شعارات انتخابية، بل يُترجم يوميًا عبر قرارات ميدانية وموازنات ضخمة تُخصص لتوسيع الاستيطان وشق الطرق الالتفافية وربط المستوطنات بعضها ببعض، في محاولة لفرض حقائق تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية شبه مستحيلة.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، لم يعد الهدف مقتصرًا على توسيع رقعة المستوطنات، بل أصبح المشروع يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية على نحو يبدد فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
إن ما يجري اليوم يتجاوز مصادرة الأرض إلى محاولة مصادرة المستقبل الفلسطيني نفسه. فالاستيطان لا يسرق الحاضر فقط، بل يمنع الأجيال القادمة من امتلاك حقها الطبيعي في وطن متصل جغرافيًا وقادر على الحياة. ولذلك، فإن كل مستوطنة جديدة ليست مجرد مجموعة من المباني، وإنما خطوة إضافية نحو تكريس نظام استعماري يسعى إلى تثبيت السيطرة الدائمة على الأرض الفلسطينية.
ورغم اتساع الإدانات الدولية، فإن الاحتلال يواصل سياساته مستندًا إلى غياب إجراءات رادعة حقيقية. فبيانات الشجب لم توقف جرافة واحدة، ولم تمنع مستوطنًا من إحراق منزل، ولم تُعد أسرة هجرت قسرًا إلى أرضها. وبينما تستمر القوى الدولية في الحديث عن القانون الدولي، يواصل الاحتلال فرض قانون القوة على الأرض، مستفيدًا من مظلة سياسية وعسكرية تمنحه شعورًا بالإفلات من العقاب.
لذلك فلسطين اليوم تواجه أخطر مراحل المشروع الاستعماري منذ عقود؛ ففي غزة تتجسد المأساة الإنسانية بكل صورها، وفي الضفة الغربية تتسارع عملية ابتلاع الأرض وتهجير سكانها بصورة تدريجية. وبين المشهدين تتكشف حقيقة واحدة: أن الاحتلال لا يخوض معركة حدود، بل معركة وجود، يسعى من خلالها إلى تقليص الحضور الفلسطيني على أرضه، سواء بالقوة العسكرية أو بالتوسع الاستيطاني أو بالعنف الذي تمارسه جماعات المستوطنين تحت حماية الدولة.
وبناءً على ما سبق، فإن قراءة ما يجري في الضفة الغربية بمعزل عن الحرب على قطاع غزة تفضي إلى فهم ناقص للمشهد. فالاحتلال يدير معركة واحدة على جبهتين؛ في غزة يعتمد القوة العسكرية المدمرة، وفي الضفة الغربية يوظف الاستيطان والتهجير التدريجي لإعادة رسم الخريطة الفلسطينية وفق رؤيته الاستعمارية.
إذا كان الاحتلال قد وجد في الحرب على قطاع غزة فرصة لإعادة تشكيل الواقع السياسي والعسكري في القطاع، فإنه في المقابل استغل اللحظة ذاتها لتسريع مشروعه الاستيطاني في الضفة الغربية، باعتبارها الساحة الأكثر أهمية بالنسبة للمشروع الصهيوني. فالضفة ليست مجرد مساحة جغرافية بالنسبة لحكومة الاحتلال، وإنما تمثل القلب الاستراتيجي للمشروع الاستيطاني، حيث تتكثف محاولات فرض السيادة الإسرائيلية الكاملة عليها، وإنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
وفي ضوء هذه الاستراتيجية، لم يعد الاستيطان مجرد أداة من أدوات الاحتلال، بل تحول إلى العقيدة الحاكمة التي توجه قرارات الحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها الأمنية والمدنية على حد سواء.
ومن هنا، لم يعد الاستيطان مجرد سياسة حكومية، بل تحول إلى عقيدة سياسية تتبناها الحكومة الإسرائيلية، وتنفذها مؤسسات الدولة والجيش والمجالس الاستيطانية، في ظل دعم مالي وتشريعي غير مسبوق. فكل بؤرة استيطانية جديدة تُقام، وكل طريق التفافي يُشق، وكل آلاف الدونمات التي تُصادر، تمثل خطوة إضافية نحو تكريس واقع الاحتلال الدائم وإعادة رسم الخارطة الفلسطينية بما يخدم مشروع الضم.
وتحت مظلة هذه العقيدة، أُوكل إلى جماعات المستوطنين دور متقدم في تنفيذ المشروع على الأرض، فتحولت من مجموعات استيطانية إلى قوة ميدانية تفرض الوقائع بالقوة وتحظى بحماية رسمية.
وفي هذا السياق، لعبت جماعات المستوطنين دور رأس الحربة في تنفيذ هذا المشروع. فقد تحولت إلى أداة ميدانية لفرض الوقائع بالقوة، مستفيدة من الحماية العسكرية والسياسية التي توفرها حكومة الاحتلال. ولم تعد اعتداءاتهم تقتصر على تخريب الممتلكات أو الاعتداء على المزارعين، بل أصبحت جزءًا من سياسة منظمة تستهدف بث الرعب في نفوس الفلسطينيين ودفعهم إلى مغادرة أراضيهم وقراهم تمهيدًا للاستيلاء عليها وتحويلها إلى امتداد طبيعي للمستوطنات.
وما يزيد خطورة هذا المشهد أن الاحتلال يسعى إلى إضفاء طابع قانوني على نتائج العنف الاستيطاني. فبعد أن يُجبر الفلسطينيون على مغادرة أراضيهم بفعل الاعتداءات المتكررة، تُعلن تلك الأراضي “أراضي دولة” أو تُلحق بالمجالس الاستيطانية، لتصبح عملية التهجير وسيلة غير مباشرة لمصادرة الأرض وإضفاء شرعية إسرائيلية عليها.
وأمام هذا التصعيد المتواصل، برز عجز المجتمع الدولي بصورة أكثر وضوحًا، إذ بقيت القرارات الدولية حبيسة البيانات، دون أن تتحول إلى أدوات ضغط قادرة على كبح المشروع الاستيطاني.
وفي المقابل، تبدو المؤسسات الدولية عاجزة عن وقف هذا المسار. فعلى الرغم من صدور عشرات القرارات التي تؤكد عدم شرعية الاستيطان، فإن حكومة الاحتلال لم تواجه حتى الآن إجراءات رادعة تتناسب مع حجم الانتهاكات.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز الموقف الأمريكي بوصفه أحد العوامل المؤثرة في مسار الأحداث، إذ لم ينجح في ترجمة خطاب حل الدولتين إلى ضغوط سياسية حقيقية تحد من التوسع الاستيطاني.
أما الولايات المتحدة، التي تعلن باستمرار دعمها لحل الدولتين، فقد أخفقت في ممارسة ضغط حقيقي يوقف التوسع الاستيطاني، وهو ما شجع حكومات اليمين الإسرائيلي على مواصلة سياسة فرض الأمر الواقع.
وبين عجز المجتمع الدولي واستمرار الدعم السياسي للاحتلال، يجد الفلسطيني نفسه يدفع ثمن هذا الواقع على جبهتين؛ في غزة تحت وطأة الحرب، وفي الضفة الغربية تحت ضغط الاستيطان والقتل والاعتقالات والتهجير التدريجي.
ورغم كل ذلك، فإن التجربة الفلسطينية الممتدة لعقود أثبتت أن محاولات اقتلاع الشعب الفلسطيني لم تنجح في كسر إرادته، فمن رحم النكبة خرجت أجيال تمسكت بحقها، ومن بين ركام الحروب استمرت الحياة، ومن تحت ضغط الاستيطان بقيت القرى والمخيمات والمدن عنوانًا للصمود والتمسك بالأرض.
إن المعركة الدائرة اليوم ليست فقط على حدود أو خرائط، بل هي معركة على الرواية والهوية والوجود. ولذلك، فإن حماية الأرض الفلسطينية لم تعد مسؤولية الفلسطيني وحده، بل مسؤولية المجتمع الدولي الذي يعلن التزامه بالقانون الدولي وحقوق الإنسان. أما استمرار الصمت، أو الاكتفاء ببيانات الإدانة، فلن يؤدي إلا إلى منح الاحتلال مزيدًا من الوقت لاستكمال مشروعه الاستيطاني وفرض وقائع يصعب تغييرها مستقبلًا.
وفي المحصلة، فإن الضفة الغربية وقطاع غزة ترويان اليوم فصلين من القضية الفلسطينية نفسها؛ ففي الأولى تُصادر الأرض بالتدرج، وفي الثانية يُدمر العمران وتُستنزف حياة المدنيين بالحرب. وبينهما يبقى الفلسطيني متمسكًا بأرضه وهويته، مؤمنًا بأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن الاحتلال، مهما امتلك من قوة، لن يستطيع محو شعب متجذر في أرضه، أو إلغاء رواية وطن ما زال يناضل من أجل الحرية والعودة وتقرير المصير.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.