
شفا – قالت الكاتبة الفلسطينية سهى جدعون ، لا يمكن الحديث عن المرأة الفلسطينية بوصفها فئة اجتماعية فحسب، بل هي نصف المجتمع وعموده الفقري وشريكة في مسيرة الصمود الوطني والتنمية الاقتصادية والمجتمعية. فقد استطاعت أن تثبت حضورها في مختلف الميادين؛ كأم ومربية، وأكاديمية، وطبيبة، ومهندسة، وإعلامية، ورائدة أعمال، وصانعة مبادرات. واليوم، ورغم التحديات التي تواجهها، إلا انها ما زالت تواصل الإسهام في حماية الهوية الوطنية والحفاظ عليها وبناء رأس المال البشري، مؤكدة أن حضورها الدائم في كافة الميادين هو استثمار في مستقبل فلسطين واقتصادها المستدام.
وحول أبرز التحديات التي تواجه المرأة الفلسطينية؟ قالت سهى جدعون في حديث خاص لـ شبكة فلسطين للأنباء شفا ، تواجه المرأة الفلسطينية تحديات متعددة الجوانب، فما زالت تعاني من التمييز القائم على النوع الاجتماعي، والعنف، والاضطهاد، في ظل القصور في تطبيق الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تكفل حماية النساء وحقوقهن. ويُضاف إلى ذلك الواقع السياسي والأمني الذي تعيشه الأراضي الفلسطينية المحتلة الذي يفرض قيودا على حرية الحركة والتنقل، ويحد من الوصول إلى التعليم والعمل والخدمات الأساسية، إلى جانب الاعتقال والقتل والتهجير القسري. وتشير أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن أكثر من 12,500 امرأة استشهدن منذ بدء العدوان على قطاع غزة، وأصيبت نحو 23,769 امرأة بإصابات مباشرة، فيما فقدت 22,057 امرأة أزواجهن وأصبحن المعيل الرئيسي لأسرهن، وهو ما يعكس حجم الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي تتحملها المرأة الفلسطينية في ظل الظروف الراهنة.
ولا تقتصر التحديات على فرص الوصول إلى العمل، بل تمتد إلى بيئة العمل ذاتها، حيث لا تزال العديد من النساء يواجهن تفاوتا في الأجور وضعفا في الحماية القانونية والحقوق العمالية. وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن 31% من العاملات في القطاع الخاص يتقاضين أجورا تقل عن الحد الأدنى للأجور، كما تُحرم ما نسبته 53% من بعض الحقوق الأساسية، مثل إجازة الأمومة مدفوعة الأجر أو مكافأة نهاية الخدمة، الأمر الذي يحد من تمكين المرأة اقتصاديا ويؤثر في قدرتها على تحقيق الاستقرار والاستقلال المالي.
ورغم الإنجازات التي حققتها المرأة الفلسطينية في التعليم والعمل المجتمعي، فإنها لا تزال تواجه فجوة واضحة في الوصول إلى مواقع صنع القرار، حيث تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن تمثيل النساء في مجالس إدارات الغرف التجارية الصناعية الزراعية لا يتجاوز 1.8%، فيما تبلغ نسبة عضويتهن في الغرف التجارية 3% فقط. كما تكشف بيانات التقرير ذاته عن استمرار ضعف تمثيل المرأة في مواقع القيادة على المستوى الوطني والمحلي، إذ لا تشغل النساء سوى 1.2% من رئاسة الهيئات المحلية، ولا تتجاوز نسبة النساء في مجلس الوزراء 18.2%، في حين يبلغ تمثيلهن في المجلس الوطني الفلسطيني 10.9% فقط، ولا يوجد أي تمثيل نسائي في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وتؤكد هذه المؤشرات أن التحدي الحقيقي لم يعد يتمثل في إثبات كفاءة المرأة الفلسطينية، فهي أثبتت حضورها وتميزها في مختلف المجالات، وإنما في إزالة العوائق القانونية والمؤسسية والاجتماعية التي تحول دون وصولها إلى مواقع القيادة وصنع القرار، بما يضمن مشاركة أكثر عدالة وفاعلية في رسم السياسات وتعزيز التنمية المستدامة وصمود المجتمع الفلسطيني.
وحول الإسهامات الفنية للمرأة الفلسطينة قالت سهى جدعون في حديثها لـ “شفا” ، أدركت المرأة الفلسطينية أن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الأرض، حيث لعبت العديد من الفنانات والمخرجات والكاتبات والناشطات والاعلاميات دوراً أساسيا في توثيق الرواية الفلسطينية ونقلها إلى العالم بلغة إنسانية تتجاوز الأرقام والعناوين الإخبارية.
ولم يقتصر دورهن على عرض معاناة الشعب الفلسطيني، بل قدمن صورة الإنسان الفلسطيني المتمسك بحقه وثقافته وهويته، وأسهمن في مواجهة محاولات طمس الرواية الفلسطينية عبر السينما والأدب والفنون والإعلام والمنصات الرقمية. وأصبحت أعمال العديد من المبدعات الفلسطينيات جزءا من الذاكرة الثقافية العالمية.
وحول تغلب المرأة الفلسطينية على حصار الاحتلال والظروف الصعبة لتحقيق نسب تعليم تُعد من الأعلى عربياً ، قالت ” جدعون ، إن ما حققته المرأة الفلسطينية في مجال التعليم لم يكن نتيجة ظروف مريحة، بل ثمرة إيمان عميق بأن المعرفة هي الطريق الأقصر نحو الحرية والتنمية. فقد تعاملت الأسرة الفلسطينية مع التعليم باعتباره مشروعا وطنيا قبل أن يكون خيارا فرديا، ولذلك واصلت الفتيات مسيرتهن التعليمية رغم الحصار والإغلاقات والاعتداءات المتكررة والظروف الاقتصادية الصعبة.
واليوم تشكل النساء ما يقارب 60% من طلبة مؤسسات التعليم العالي في فلسطين، وهو مؤشر يعكس إقبال المرأة الفلسطينية على التعليم وتميزها الأكاديمي، ويضع فلسطين ضمن الدول العربية ذات المشاركة النسائية المرتفعة في التعليم العالي، غير أن هذا الإنجاز يجب أن يترجم بصورة أكبر إلى مشاركة أوسع في سوق العمل، وريادة الأعمال، والبحث العلمي، ومواقع صنع القرار، حتى يتحول التفوق التعليمي إلى قوة تنموية واقتصادية تسهم في بناء الدولة الفلسطينية وتعزيز قدرتها على الصمود.
لقد أثبتت المرأة الفلسطينية على مدار العقود أنها ليست شريكا في مواجهة التحديات فحسب، بل شريكا حقيقيا في صناعة الحلول وبناء المجتمع. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ومن هنا، تتطلب توسيع حضور المرأة في مواقع صنع القرار، وتعزيز تمثيلها في المناصب القيادية، بما ينسجم مع كفاءتها وخبراتها وإسهاماتها في بناء االمجتمع باعتبار ذلك ضرورة وطنية وتنموية، وليس مجرد مطلب يتعلق بالمساواة. فالمجتمعات التي تستثمر في كفاءات نسائها وتمكّنهن من المشاركة الفاعلة في رسم السياسات وصناعة القرارات، تمتلك قدرة أكبر على تحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الحوكمة الرشيدة، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وعدالة وقدرة على مواجهة التحديات.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.