9:53 مساءً / 12 يوليو، 2026
آخر الاخبار

لم أخرج من رفح… اقتلعت منها ، بقلم : آمنة الدبش

لم أخرج من رفح… اقتلعت

لم أخرج من رفح… اقتلعت منها ، بقلم : آمنة الدبش

ومنذ ذلك اليوم أشعر أنني بيت تُرك بابه مفتوحاً على عجل لا لأن أصحابه هجروه بل لأنهم خرجوا وهم يظنون أن الغياب لن يطول بقيت الأرواح معلقةً على الجدران وبقيت فناجين القهوة تنتظر أصحابها وبقيت النوافذ تحدق في الطريق الذي ابتلعهم.


أنا البيت الذي ما زال يحفظ أسماء ساكنيه وإن غابت أصواتهم كل حجرٍ في يعرف أقدامهم وكل زاويةٍ تحفظ ضحكةً وكل بابٍ ينتظر يداً اعتادت أن تفتحه دون استئذان.
ومنذ نزحنا أشعر أن روحي لم تعد تسكن جسدي كله تركت جزءاً منها عند عتبة البيت وجزءاً في الطريق وجزءاً تحت سماء رفح حتى صرت أمشي بنصف روح ونصف قلب ونصف ذاكرة بينما بقي النصف الآخر هناك… يحرس المكان وينتظر.


جسدي يشبه حقيبة نزوحٍ أثقلتها الأيام امتلأت بما لا يُرى بالخوف والحنين والأسماء التي ننطقها همساً حتى لا نبكي أما روحي فهي زجاجٌ تهشم على الطرق الطويلة كلما حاولت جمعه نزفت أكثر.


وفي هذا الخراب لم أعد أطلب معجزة لا أريد أحداً يعيد الزمن إلى الوراء ولا أحداً يعدني بأن الغياب سينتهي غداً كل ما أرجوه إنسان يجلس بجواري ويعرف أن للنازحين تعباً لا يُرى وأن أكثر ما يؤلمهم ليس الطريق… بل البيت الذي ما زال ينتظرهم.


لا يسألني: كيف حالك؟ فهذا سؤالٌ لا يتسع له القلب.
ولا يقول: ستعتادين. فنحن لا نعتاد اقتلاع الجذور ولا نصادق الغياب
بل يهمس بهدوء: رفح ليست خلفك… إنها فيك.


فأبتسم ولو للمرة الأولى منذ زمن لأنني أعرف أن المدن لا تموت حين تُهجر بل تموت حين ننساها أما نحن فسنظل نحمل مفاتيح بيوتنا في قلوبنا ونحمل أسماء شوارعها في دعائنا ونحفظ رائحة بحرها وترابها كما تُحفظ الصلاة.


سيأتي يومٌ نطرق فيه أبواب بيوتنا من جديد، لا كغرباء بل كأصحاب الدار الذين طال غيابهم ولم ينطفئ فيهم يقين العودة.


رفح الصمود
آمنة الدبش

شاهد أيضاً

الصين تقدم احتجاجات رسمية إزاء أقوال وأفعال اليابان بشأن بحر الصين الجنوبي

شفا – (شينخوا) استدعى مسؤول من دائرة الشؤون الآسيوية بوزارة الخارجية الصينية اليوم (الأحد) الوزير …