
القدس تُهوَّد… وسلفيت تُستنزف ، بقلم : د. عمر السلخي
بعد ثلاثين عامًا على قيام السلطة الفلسطينية… هل آن الأوان لأن تصبح محافظة سلفيت أولوية وطنية؟
بينما تتجه أنظار العالم إلى القدس بوصفها العنوان الأبرز لمعركة الهوية والسيادة، تدور في محافظة سلفيت معركة أخرى لا تقل خطورة، لكنها لا تحظى بالاهتمام الذي تستحقه، فإذا كانت القدس تتعرض لمحاولات تغيير هويتها وفرض وقائع جديدة عليها، فإن محافظة سلفيت تتعرض لضغوط استيطانية متواصلة تستهدف الأرض والإنسان وإمكانية التواصل الجغرافي في قلب الضفة الغربية.
إن ما تشهده محافظة سلفيت ليس سلسلة حوادث منفصلة، بل واقعًا متراكمًا من مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، وشق الطرق، والاعتداءات المتكررة التي تنفذها مجموعات من المستوطنين بحق المواطنين وممتلكاتهم وهدم المنازل وانذارات وقف البناء ومصادرة المعدات وتقطيع اشجار الزيتون، في محافظة تشكل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية في قلب الضفة الغربية.
وفي الأيام الأخيرة، امتد هذا الاستهداف إلى جامعة الزيتونة في منطقة واد الشاعر، حيث تعرض محيطها وكافتيريا “روقان” لاعتداءات وإحراق، في مشهد يمس مؤسسة أكاديمية ومدنية، ويستهدف الحق في التعليم والحياة الطبيعية ، إن الاعتداء على جامعة ليس اعتداءً على مبنى فحسب، بل على رسالة العلم، وعلى مستقبل الشباب الفلسطيني.
وهنا يبرز السؤال الذي لم يعد ممكنًا تأجيله: أين الحكومة الفلسطينية بعد أكثر من ثلاثين عامًا على قيام السلطة؟
لا أحد ينكر أن الاحتلال يفرض قيودًا ثقيلة على عمل المؤسسات الفلسطينية، لكن هذه الحقيقة لا تعفي من مسؤولية بناء سياسات تعزز صمود المحافظات الأكثر تعرضًا للاستهداف ، فالمطلوب ليس بيانات إدانة فقط، بل حضور سياسي ومؤسسي وتنموي يعكس أهمية محافظة سلفيت في المشروع الوطني.
ومن هنا، فإن المرحلة تتطلب خطوات عملية واضحة.
أولًا، ندعو مجلس التعليم العالي إلى عقد اجتماعه القادم في جامعة الزيتونة، ليؤكد أن الجامعات الفلسطينية ليست وحدها في مواجهة الاعتداءات، وأن حماية التعليم مسؤولية وطنية.
وثانيًا، على وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية إطلاق تحرك دبلوماسي عاجل أمام الأمم المتحدة واليونسكو والشركاء الدوليين، لتوثيق الاعتداءات على المؤسسات التعليمية الفلسطينية، والمطالبة بحماية القانون الدولي للجامعات والطلبة والعاملين فيها.
وثالثًا، فإن مجلس الوزراء الفلسطيني مطالب بعقد جلسة طارئة في محافظة سلفيت، ويفضل أن تكون داخل حرم جامعة الزيتونة، لإقرار حزمة قرارات تنفيذية تعزز صمود المحافظة، وتشمل دعم البنية التحتية، والزراعة، والبلديات، والتعليم، والقطاع الصحي، وحماية الأراضي المهددة.
إن محافظة سلفيت لا تحتاج إلى زيارات بروتوكولية، بل إلى خطة وطنية متكاملة تعكس حجم التحديات التي تواجهها، فالمحافظة التي تتحمل ضغوطًا استيطانية متواصلة تستحق أن تكون في مقدمة أولويات التنمية والحماية.
لقد أثبتت التجارب أن الدفاع عن الأرض لا يكون فقط في ساحات المواجهة، بل أيضًا في المدرسة والجامعة، وفي المشروع التنموي، وفي الموازنة العامة، وفي القرار السياسي، فالمواطن الذي يجد خدمات وفرصًا وحضورًا للدولة يكون أكثر قدرة على الثبات في أرضه.
إن القدس ستبقى عنوان معركة الهوية والسيادة، لكن محافظة سلفيت تمثل إحدى ساحات الصراع على الجغرافيا ومستقبل الضفة الغربية ، ومن هنا، فإن حماية محافزة سلفيت ليست شأنًا محليًا، بل قضية وطنية بامتياز.
فليكن الرد على الاعتداءات بمزيد من الحضور الرسمي، ومزيد من التنمية، ومزيد من الدعم للمؤسسات التعليمية، ومزيد من العمل الدبلوماسي، لأن الشعوب لا تحمي أوطانها بالشعارات وحدها، بل بالقرارات الشجاعة، والسياسات الفاعلة، والإرادة الوطنية التي تحول الصمود من كلمة إلى واقع.
إن التاريخ سيسجل من وقف إلى جانب المحافظات التي تتعرض لأشد الضغوط، كما سيسجل من اكتفى بالمشاهدة ، واليوم، تنادي محافظة سلفيت الوطن كله، فهل تجد من يجيب؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.