11:58 مساءً / 5 يوليو، 2026
آخر الاخبار

رسالة من الشرق الأوسط: “الصمود الصامت” في سوق الجمعة بالضفة الغربية ، بقلم: براق تشاو

رسالة من الشرق الأوسط: “الصمود الصامت” في سوق الجمعة بالضفة الغربية ، بقلم: براق تشاو

نقلاً عن (شينخوا) – في أول جمعة من شهر يوليو، دخلت بالصدفة إلى شارع عيسى زيادة في رام الله التحتا، وسط الضفة الغربية، حيث تمازجت روائح القهوة، الصابون البلدي، والخبز الطازج الخارج من الأفران، لتعيد الحياة إلى هذا الشارع الذي يغلب عليه الهدوء في العادة.

قبل أن أتمكن من استجماع نفسي من هذه العطور الشذية، نادتني أيام تميمي (50 عامًا) القادمة من القدس الشرقية، والتي كانت تجلس مع ابنها لترتيب أعمالها المطرزة الملونة.

وعندما رأت أنني ذو ملامح أجنبية، لوحت لي بحفاوة وقالت بفخر لا يُخفى “تعالَ انظر”.

وهي تأخذ قطعة قماش مطرزة بنقوش حمراء وزرقاء، هي تمسد غرزها الدقيقة قائلة “هذا تطريزنا الفلسطيني التقليدي، نحن نطرز مشاهد أرضنا المحتلة على القماش إبرةً وإبرة. الأرض وإن كانت محتلة، لكن الوطن يظل حيًّا في التطريز”.

وفي العام 2021، أدرجت منظمة اليونسكو التطريز الفلسطيني في قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية.

وتعمل تميمي في التطريز لأكثر من 20 عامًا، ابتداء من خياطة بسيطة، مرورا بمتجرها الخاص، وأخيرًا أنشأت علامتها التجارية الشخصية.

وقالت لي بنبرة متأثرة “هذا إرث أجدادنا” وعيونها متركزة على المعلقات المطرزة وكأنها ترى أرض محتلة بعيدة لا يمكن الوصول إليها “ربما لا نستطيع أن نرث أرض أجدادنا، لكن كلما رأيت التطريز، في المنزل، في المتجر، في الأعراس، أتذكر صمود أجدادنا على أرضنا”.

ولما رأت أنني منصتٌ باهتمام، برقت عيناها وتطلعت إلى المستقبل “مشكلتي الأكبر الآن هي ضيق الوقت، أريد أن أدمج التطريز مع الموضة العصرية، أن أطرزه على القمصان والجاكيتات والتنانير، ليري العالم هويتنا وصمودنا”.

وبعد أن انتهيت من الحديث مع تميمي، لاحظت أن موقف السيارات في شارع عيسى زيادة قد تحول إلى ساحة تضع أربعة صفوف من الأكشاك المنظمة.

وبحسب معلومات بلدية رام الله، فهذا هو سوق “الحرجة” التي نظمتها بلدية رام الله للفترة من 26 يونيو إلى 7 أغسطس، بمشاركة أكثر من 400 من رواد الأعمال المسجلين، ويُفتح كل يوم جمعة، بمشاركة حوالي 100 كشك في كل مرة.

وأوضحت مرام طوطح، مديرة دائرة التواصل والإعلام في بلدية رام الله، أن هذه السوق توقف لمدة عامين بسبب اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، وأُعيد إطلاقها هذا العام.

وقالت “هدف البلدية من هذه السوق هو تعزيز الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني، ومساعدة الشباب والنساء على بدء مشاريعهم وتحسين دخلهم”.

وفي ظل التوتر المتزايد في الضفة الغربية، فإن المنتجات المعروضة في السوق، التي تحمل الطابع الوطني الفلسطيني، ليست مجرد بطاقة تعريف لفلسطين، بل هي أيضًا تجسيد لصمود الشعب الفلسطيني”.

أمام أحد البسطات الصغيرة المتنقلة المليئة باليافطات الصغيرة التي تحمل أسماء المدن من فلسطين وأرض فلسطين المحتلة، كان سامح عبد الله يأخذ لوحة مكتوب عليها “يافا” باللغتين العربية والإنجليزية، حيث تقع بيوت أجداده القديمة بعد هُجروا من يافا العام 1948 إلى مدينة البيرة.

وعندما رأى صاحب البسطة محمد عمر (30 عامًا)، جهاز التصوير في يدي، طلب بأدب عدم تصويره “لتجنب المشاكل غير الضرورية”، لكنه وافق على التحدث معي.

يأتي عمر من مدينة طولكرم شمال الضفة الغربية، وهو استغرق أكثر من أربع ساعات للوصول إلى رام الله مرورا بخمسة أو ستة حواجز عسكرية إسرائيلية.

أوضح عمر أن الرحلة من مدينة طولكرم إلى مدينة رام الله بدون الحواجز تستغرق 40 دقيقة فقط.

وأشار عمر إلى خبرته التي تمتد لعشر سنوات في بيع آرمة التي تحمل أسماء المدن الفلسطينية، وقال بحذر لي “غالبًا ما تصادر قوات الاحتلال بضائعي عند الحواجز، بحجة أن “المنتجات تحمل أسماء أراضٍ إسرائيلية”. والآن، عندما أذهب إلى مدن أخرى، أرسل بضائعي مسبقًا مع شاحنات المواد الغذائية”.

وأكد عمر أن هذا ليس مجرد وسيلة للعيش، بل هو شكل من أشكال الصمود ضد الاحتلال الإسرائيلي. وهو منخفض الصوت قائلًا “إنهم في الحقيقة خائفون، يخافون أن نتذكر أسماء كل مدينة وكل تلة وكل نهر من أرضنا المحتلة”.

في السنوات الأخيرة، كان قطاع غزة يجذب أنظار العالم، لكن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يتوقف لحظة في الضفة الغربية التي تبدو هادئة، إذ تواصل إسرائيل توسيع مستوطناتها غير القانونية في الضفة؛ وتصادر أراضي الفلسطينيين بحجة “حماية التراث”، بما في ذلك ما يقرب من 450 دونمًا من بساتين الزيتون في نوفمبر الماضي؛ وتشن عمليات عسكرية بذريعة “مكافحة الإرهاب”.

وسجلت الأمم المتحدة أكثر من 800 حادثة اعتداء من قبل مستوطنين إسرائيليين على فلسطينيين حتى مايو 2026.

من المعروف أن الفلسطينيين يحبون شجر الزيتون، ليس فقط لأنه محصولهم الاقتصادي منذ آلاف السنين، بل لأنهم غالبًا ما يشبهونه بروح الصمود.

فقد روى لي أحد الفلاحين المسنين من بلدة بيتا في نابلس أن الجرافات قد تقطع شجر الزيتون من جذعه، لكن ما دامت الجذور باقية، فسيستعيد الحياة، تمامًا مثل أهل هذه الأرض الصامدين.

وكانت الشابة عايدة الشوا (25 عامًا) تعرض في كشكها مغناطيسات ثلاجة مصنوعة من خشب الزيتون، وأمسكت بواحد مرسوم عليه أمواج البحر وقالت لي “هنا مكتوب بالعربية اسم مدينة المجدل في الأراضي الفلسطينية المحتلة”.

وتتخصص الشوا في بيع الحرف اليدوية من النحت والتطريز والرسم، وقالت “أشتري هذه المنتجات أساسًا من نساء في مخيمات اللاجئين في غزة ونابلس وجنين، وذلك لمساعدتهن على كسب لقمة العيش وتحسين ظروفهن المعيشية”.

وأضافت الشوا بأسف “جيش الاحتلال والمستوطنون يقطعون ويحرقون أشجار الزيتون في الضفة الغربية. لذلك نحن نتمسك بكل جذع شجرة، ونبدع فيه لنري العالم أن هذه الأرض لنا، وهي تنحت الأسماء التي تم محوها واحدًا تلو الآخر على الخشب، وتصنع منها مغناطيسات للثلاجة، فقالت مازحة نفسها “بهذه الطريقة، حين أفتح الثلاجة لأخذ الحليب كل صباح، كأنني أنظر إلى أرض لا يمكن الوصول إليها”.

من تطريز التراث الفلسطيني، إلى المنتجات الإبداعية لأسماء المدن، إلى مغناطيسات خشب الزيتون، يستخدم هؤلاء الرواد كل بطريقته الخاصة لإعادة تطريز الأراضي المحتلة على الزخارف، وإعادة كتابة الأسماء التي مُحيت، وتحويل أشجار الزيتون التي قُطعت إلى مغناطيسات تزين مطابخ العائلات.

شاهد أيضاً

هيئة التوجيه الوطني والمعنوي تستعرض برامجها الوطنية مع السفارة الصينية في رام الله

هيئة التوجيه الوطني والمعنوي تستعرض برامجها الوطنية مع السفارة الصينية في رام الله

شفا – استعرضت هيئة التوجيه الوطني والمعنوي برامجها وأنشطتها الوطنية خلال لقاء جمع وفداً من …