10:54 مساءً / 26 يونيو، 2026
آخر الاخبار

لتفريغ مسار سويسرا من محتواه ، مسارات موازية في واشنطن والبحرين ، بقلم : راسم عبيدات

لتفريغ مسار سويسرا من محتواه ، مسارات موازية في واشنطن والبحرين ، بقلم : راسم عبيدات

ليس من قبيل الصدفة أن يتزامن بدء تنفيذ تفاهمات سويسرا الأميركية ـ الإيرانية مع فتح واشنطن مسارين سياسيين موازيين؛ الأول في المنامة، حيث عقد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اجتماعًا خليجيًا ـ أميركيًا مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون، عنوانه المعلن أمن الخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز وترتيبات ما بعد الحرب مع إيران. والثاني في واشنطن، حيث انعقدت جولة تفاوض لبنانية ـ إسرائيلية برعاية أميركية، للبحث في وقف النار، والانسحاب الإسرائيلي، ودور الجيش اللبناني، والترتيبات الأمنية في الجنوب. ظاهريًا، يبدو المساران امتدادًا طبيعيًا لتفاهم سويسرا، لكن التدقيق في النصوص والعناوين والتوقيت يكشف وظيفة مختلفة: تطويق سويسرا لا تنفيذها.

تتقاطع ثلاثة تطورات متزامنة لتكشف أن تفاهمات سويسرا الأميركية ـ الإيرانية لم تتحول بعد إلى سقف ثابت للسياسة الأميركية، بل إلى ساحة صراع داخل واشنطن نفسها. فخلف مساري المنامة وواشنطن يبرز اسم وزير الخارجية ماركو روبيو، بوصفه ممثلًا لخط الصقور داخل الإدارة، في مقابل الخط الذي يمثله نائب الرئيس جي دي فانس، الذي ارتبط اسمه بالدفاع عن التفاهم مع إيران ومحاولة تثبيته. ومن هنا لا يمكن التعامل مع مؤتمر المنامة الأميركي ـ الخليجي، ولا مع مفاوضات واشنطن اللبنانية ـ الإسرائيلية، كمسارين تقنيين منفصلين؛ فهما في التوقيت والمضمون أقرب إلى محاولة لتطويق سويسرا وتقييد مفاعيلها.

في المنامة، لم يكن الموقف الخليجي هو المحرّض على التصعيد بقدر ما كانت واشنطن، عبر روبيو، هي التي تقود عملية طمأنة واستنهاض للحلفاء. فالجولة الخليجية التي شملت الإمارات والكويت والبحرين انتهت برسالة واضحة إلى دول مجلس التعاون: التفاهم مع إيران لا يعني التسليم بنفوذها، ولا إسقاط ملفات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وحلفائها الإقليميين. كما شدّد البيان الأميركي ـ الخليجي على حرية الملاحة في مضيق هرمز بلا رسوم ولا قيود، وعلى أن أي اتفاق نهائي مع إيران يجب أن يأخذ أمن الخليج في الاعتبار. هذه ليست ترجمة حرفية لتفاهم سويسرا، بل محاولة لإقامة سقف موازٍ له، يمنع طهران من تحويل ما كسبته في الحرب إلى موقع دائم في معادلة أمن الخليج.

وعلى خلفية هذا التطور السلبيّ عاد مضيق هرمز سريعًا إلى الواجهة كعنوان أزمة في تفسير النص؛ لأن إيران تقرأ مهلة الستين يومًا الواردة في مذكرة التفاهم باعتبارها مرحلة تنفيذ وقف إطلاق النار، حيث تتحمل هي مسؤولية تأمين العبور الآمن وإعادة الملاحة تدريجيًا إلى طبيعتها، قبل الانتقال إلى ترتيبات نهائية. في المقابل، جاء إعلان ممر آمن قرب السواحل العُمانية غير منفصل عن مناخ المنامة، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، كأنه قفز فوق هذه القراءة الإيرانية.

وفي واشنطن، تبدو المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية عالقة عند تناقض مماثل. فلو كان مسار واشنطن امتدادًا مخلصًا لسويسرا، لكان عنوانه وقف نار شامل، وانسحاب إسرائيلي، وتسلم الجيش اللبناني المناطق المحررة، ولجنة متابعة تعالج الخروقات. لكن “إسرائيل”، مستندة إلى دعم واشنطن، تستفيد من تقاطع تظهر التصريحات بينها وبين السلطة اللبنانية حول أولوية فك مسار واشنطن عن مسار سويسرا، لتطرح معادلة مختلفة: البقاء في مواقع جنوب لبنان ما دامت تعتبر ذلك ضروريًا، والتمسك بحرية العمل العسكري ضد أي تهديد مباشر أو ناشئ أو محتمل. وقد قال بنيامين نتنياهو بوضوح إن تعليماته للجيش لم تتغير، وإن القوات الإسرائيلية باقية في جنوب لبنان وتملك «حرية عمل كاملة» ولا قيود عليها في مواجهة التهديدات. وهذه العبارة وحدها تكفي لنسف أي مفهوم جدي لوقف إطلاق النار؛ لأنها تجعل “إسرائيل” خارج سلطة لجنة المتابعة، وتمنحها حق الغارة والاغتيال والتوغل باسم الأمن.

“إسرائيل” لا تقبل اتفاقًا لا يحفظ لها فكرتين تأسيسيتين؛ الأولى هي حرية الحركة العسكريّة داخل لبنان، بما ينسف أي معنى جدّي لوقف إطلاق النار، ويجعل لجنة المتابعة الناتجة عن تفاهمات سويسرا بلا وظيفة فعلية. والثانية هي الاحتفاظ بالمناطق العازلة وربط أي انسحاب إسرائيلي بنزع سلاح حزب الله، بما يفرغ ما ورد في تفاهمات سويسرا عن الانسحاب الإسرائيلي من مضمونه.

مسار سويسرا هو تفاهم مع الخصم، جاء بعد حرب فرضت على واشنطن الاعتراف بأن الاستمرار في التصعيد مكلف عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا؛ لذلك كانت لغته لغة إطفاء الحرب: وقف إطلاق النار، رفع الحصار، إعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز، الانتقال خلال مهلة الستين يومًا إلى اتفاق نهائي، ومعالجة انعكاسات الحرب على الجبهات المرتبطة بها، وفي مقدمها لبنان. في هذا النص، لا تظهر إيران كملف أمنيّ خاضع للشروط الأميركية، بل كطرف مقابل يمتلك أوراق قوة فرضت التفاهم. ولا يظهر لبنان كساحة لتصفية حسابات إسرائيلية، بل كملف يجب إقفاله بوقف شامل للنار وانسحاب إسرائيلي وآلية متابعة تمنع عودة الحرب.

الأمر نفسه يتكرّر في مسار واشنطن اللبناني ـ الإسرائيلي. فلو كانت الإدارة الأميركية مخلصة تمامًا لتفاهمات سويسرا، لتحوّلت مفاوضات واشنطن إلى آلية تطبيقية واضحة: وقف نار كامل وشامل، انسحاب إسرائيلي غير مشروط أو متزامن، تسلم الجيش اللبناني المناطق المحررة، ولجنة متابعة الشكاوى والخروقات تمنع أي طرف من التصرف الأحادي. لكن العناوين التي حملتها واشنطن أعادت إدخال الشروط الإسرائيلية من الباب اللبناني: نزع سلاح حزب الله، حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، المناطق العازلة، ربط الانسحاب الإسرائيلي بترتيبات أمنية، وتحويل دور الجيش اللبناني من استعادة الأرض إلى اختبار أمنيّ ضد المقاومة.

هنا تظهر المفارقة؛ ففي سويسرا، كان وقف النار يعني وقف الاعتداءات، أما في الصيغة الإسرائيلية التي تحضر في واشنطن، فإن حرية الحركة العسكرية تنسف أي وقف نار جدّي؛ لأنها تجعل “إسرائيل” صاحبة الحق في الغارة والاغتيال والتوغل كلما قالت إنها ترى تهديدًا أو تحتمل وجوده. وفي سويسرا، كان الانسحاب الإسرائيلي جزءًا من تثبيت التهدئة، أما في واشنطن، فيصبح الانسحاب مشروطًا بنزع سلاح حزب الله، أي أن الاحتلال يتحوّل إلى ورقة تفاوضيّة لا إلى وضع يجب إنهاؤه. وبذلك يُفرغ مضمون سويسرا من داخله، من دون إعلان الانقلاب عليه.

من هنا، فإن خطر الانتكاسة قائم؛ فإذا واصلت واشنطن إدارة مساري المنامة وواشنطن كأدوات لتعديل نتائج سويسرا، لا لتطبيقها، فإن إيران ستتعامل مع مهلة الستين يومًا بوصفها اختبارًا لجدية الولايات المتحدة لا جسرًا مضمونًا إلى الاتفاق النهائي. وإذا شعرت طهران بأن واشنطن تستخدم الحلفاء لتقييد ما قبلته معها، فإن التفاهم سيبقى مهددًا بالانهيار أو التعليق أو التصعيد.

أميركا تقود المسارات الثلاثة، لكنها لا تمنحها الوظيفة نفسها؛ في سويسرا فاوضت تحت ضغط التوازن مع إيران، وفي المنامة تحدثت بلغتها الأصلية مع الخليج، وفي واشنطن تحدّثت بلغة أقرب إلى المطالب الإسرائيلية. لذلك لا تكمن المشكلة في تعدد المسارات، بل في أن المسارين الموازيين لا يبدوان مكملين لسويسرا، بل محاولة لاستنهاض الحلفاء حول فكرة أن سويسرا ليست سوى محطة مؤقتة بانتظار تعديل الموازين.

فلسطين – القدس المحتلة

شاهد أيضاً

استطلاع رأي : المعارضة الإسرائيلية 60 مقعد وأحزاب الائتلاف الحاكم 50 مقعد والأحزاب العربية 10 مقاعد

استطلاع رأي : المعارضة الإسرائيلية 60 مقعد وأحزاب الائتلاف الحاكم 50 مقعد والأحزاب العربية 10 مقاعد

شفا – أظهر استطلاع اليوم، الجمعة، استمرار تراجع قوة قائمة “بِياحد” برئاسة نفتالي بينيت، فيما …