4:42 مساءً / 14 يونيو، 2026
آخر الاخبار

غدير حميدان الزبون تقرأ في كتاب ” شيء يذكرني بي” للعرّاب عبد السلام العطاري

غدير حميدان الزبون تقرأ في كتاب ” شيء يذكرني بي” للعرّاب عبد السلام العطاري


أسعدَ اللهُ أوقاتَك أيُّها القارئُ القادمُ من جهاتِ القلبِ كافَّة، أيُّها العابرُ إلينا محمولًا على شغفِ الحروفِ ودهشةِ المعنى.


تعالَ واجلسْ قليلًا في ظلالِ الكلمات، فبين يديَّ اليومَ كتابٌ يستعاد من عتمةِ الجبِّ بعد طولِ انتظار.


سأقرأُ لك نصًّا يشبهُ العودةَ إلى الذاتِ بعد اغترابٍ طويل، فأهلًا بك في فضاءِ حروفي، إذْ تتقاطعُ الحكاياتُ مع الأسئلة، وتصافحُ الذِّكرياتُ ما تبقَّى من أرواحِنا.
تحيَّةٌ فلسطينيَّةٌ خالصةٌ لقرَّائي الأعزَّاءِ، تحيَّةٌ تنبضُ برائحةِ الزَّعترِ البريِّ، وبأغنياتِ الجدَّاتِ اللواتي حفظنَ الوطنَ في صدورِهنَّ عندما ضاقتِ الخرائطُ واتَّسعَ الحنين.
ومن بينِ هذه التحيَّاتِ تتقدَّمُكم قامةٌ أدبيَّةٌ عرفناها عاشقةً للكلمةِ التي تُزهِرُ، وللمكانِ الذي يتكلَّمُ، وللإنسانِ عندما ينكسرُ ويعاودُ النهوض.


إنَّه العرَّابُ ابنُ عرَّابةَ الذي حملَ بلدتهُ في قلبهِ كما يحملُ الشاعرُ قصيدتَه الأولى، هو صاحبُ “عرَّابِ الرِّيح” و”شيءٌ يُذكِّرُني بي”، الأديبُ المبدعُ عبدُ السَّلامِ العطَّاريُّ.
وإذا كانتِ الكتبُ في الغالبِ تحكي عن العالم، فإنَّ العطَّاريَّ يكتبُ العالمَ من داخلِ الإنسان، إنه يفتِّشُ في طبقاتِ الرُّوحِ، ويُنصتُ إلى ذلك الصوتِ الخافتِ الذي كثيرًا ما نُسكِتُه بضجيجِ الحياة.


يكتبُ عنَّا ونحنُ نظنُّ أنَّه يكتبُ عن شخصٍ آخر، ويُعيدُ إلينا ملامحَنا التي بعثرها التعبُ على أرصفةِ الأيَّام.


وتحيَّةٌ تمتدُّ من عرَّابةَ إلى البِروةِ فعكَّا، تحيَّةٌ تعبرُ الجغرافيا لتستقرَّ في ذاكرةِ فلسطينَ الثقافيَّة، فهناكَ ما يزالُ محمودُ درويشٍ يُعلِّمُ اللغةَ كيف تُقاومُ الغيابَ بالقصيدة، وكيف تُحوِّلُ الخسارةَ إلى غناءٍ أبديٍّ.


وهناكَ ما يزالُ غسَّانُ كنفاني يُعلِّمُ الذاكرةَ كيف تصبحُ بيتًا للمنفيِّين، وكيف تتحوَّلُ الكلمةُ إلى شكلٍ من أشكالِ المقاومةِ والبقاء.


ولعلَّ أجملَ ما يجمعُ العطَّاريَّ بدرويشٍ وكنفاني ليس تشابهَ الموضوعاتِ ولا تقاطعَ الأمكنة، إنّه يا سادة الحروف ذلك الانشغالُ الوجوديُّ العميقُ بسؤالِ الإنسانِ الأوَّل المتمثّل في: ما الذي يبقى منَّا عندما يتسرَّبُ الزَّمنُ من بينِ أصابعِنا؟ وما الذي ينجو من العابرِ فينا؟ أهي الذِّكرياتُ؟ أم الكلماتُ؟ أم تلك الندوبُ الخفيَّةُ التي تتركُها الحياةُ في أرواحِنا ثم تمضي؟


ومن هنا تبدأُ رحلتُنا مع هذا الكتاب بصفحاته التي تبدو مرآةً قديمةً ننظرُ فيها إلى وجوهِنا، ونكتشفُ أنَّ ما كنَّا نبحثُ عنه بين السطورِ لم يكن سوى أنفسِنا.
فهلمُّوا معي إلى هذا النَّصِّ الذي يروي الحكاية ويجعلُنا جزءًا منها، وإلى هذا الكتابِ الذي يُذكِّرُنا بأنفسِنا كما كنَّا، وكما صرنا، وكما نأملُ أنْ نكون.


كان محمود درويش يبحثُ عن الوطنِ في اللغة، فيرمِّمُ بالكلماتِ ما هدمته المنافي، ويمنحُ الأرضَ عمرًا إضافيًّا كلَّما ضاقت بها الجغرافيا.


وكان غسَّان كنفاني يبحثُ عن الوطنِ في الحكاية، في وجوه اللاجئين، وفي تفاصيل الرحيل التي تتحوَّل على يديه إلى شهادةٍ على الوجود والحقِّ والذاكرة.
أمَّا عبد السلام العطَّاري، فيبدو أنَّه يمضي في دربٍ أكثر خفاءً وأشدِّ مراوغة؛ إنَّه يبحث عن الوطن والإنسان معًا في الشيء.

ومن هنا ندخلُ إلى العتبة الأولى لهذا الكتاب اللافت: “شيءٌ يذكِّرني بي”.


وما إنْ تقع العين على العنوان حتَّى يتسلَّل سؤالٌ خفيٌّ إلى الذهن: فما هذا الشيء؟ ولماذا يحتاج الإنسان إلى شيءٍ يذكِّره بنفسه؟ أليست الذاتُ أقربَ الأشياء إليه؟
غير أنَّ العنوان في جوهره، لا يقدِّم إجابةً بقدر ما يفتح أبوابًا واسعةً من الأسئلة، فهو عنوانٌ يراوغ قارئه منذ اللحظة الأولى، إذْ يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنَّه يخبِّئ في طبقاته العميقة شبكةً من التأويلات النفسية والفلسفية والوجودية.


فالكاتب لا يقول: شيءٌ يذكِّرني بأمِّي، ولا بقريتي، ولا بطفولتي، ولا بأصدقائي الذين عبروا حياتي وتركوا فيها ظلالهم.


إنَّه يتجاوز كلَّ ذلك إلى مركز الدائرة، إلى النقطة التي تتفرَّع منها جميع الطرق وتعود إليها جميع الحكايات ليقول: “بي”، وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى.
ويكأنَّ العطَّاري يهمس من وراء العنوان: لقد توزَّعتُ على الأمكنة حتى صرتُ جزءًا منها، وتبعثرتُ في الوجوه حتى حمل كلُّ وجهٍ شيئًا من ملامحي، وتسرَّبتُ إلى الأزمنة حتى غدوتُ ذكرى في ذاكرة أيامي، ولأنَّ الإنسان لا يخرج من هذه الرحلة كما دخلها، فقد صرتُ أحتاج إلى علامةٍ صغيرة، إلى أثرٍ عابر، إلى شيءٍ ما يعيدني إليَّ، ويقودني إلى النسخة الأولى من نفسي التي أضاعتها الحياة بين محطَّاتها الكثيرة.


والشيء هنا هو مفهومٌ مفتوحٌ على اتساع التجربة الإنسانية كلِّها، إنَّه كلمةٌ تتسع لكلِّ ما لا تستطيع اللغة أن تحيط به دفعةً واحدة.


قد يكون رمَّانةً تتدلَّى من غصنٍ بعيد فتفتح بوابةً كاملةً من الطفولة، وقد يكون حاكورةً قديمةً ما زالت تحتفظ بخطوات الأب وهو يعبرها عند الفجر، وقد يكون صوتَ أمٍّ ينادي من آخر العمر فيوقظ في القلب سنواتٍ ظننَّاها غابت إلى الأبد، وقد يكون حجرًا في حارةٍ عتيقة، أو خرُّوبةً عجوزًا شهدت مواسم الفرح والحزن، أو بائعًا متجوِّلًا مرَّ ذات صيفٍ ثم اختفى وبقي صوته معلَّقًا في الذاكرة أكثر مما بقيت صورته.


إنَّه ذلك التفصيل الصغير الذي لا يلتفت إليه أحد، لكنَّه يمتلك قدرةً عجيبةً على استدعاء عوالم كاملة من الأعماق.
فما إنْ نلامسه حتى تنهض الذاكرة من سباتها، وتبدأ الأبواب المغلقة بالانفتاح واحدًا تلو الآخر.


ومن هنا تتشكَّل البنية العميقة للكتاب كلِّه؛ فهي علاقةٌ ثلاثية الأطراف، متشابكة الخيوط، دقيقة البناء، فالشيء يستدعي الذاكرة، والذاكرة تستدعي الذات، والذات تعيد تشكيل العالم بالكلمات.


وهكذا لا يعود الشيء شيئًا إنما يتحوَّل إلى وعاءٍ للمعنى، ومستودعٍ للزمن، وخزَّانٍ للهويَّة ليغدو قطعةً صغيرةً من العالم تحمل في داخلها عمرًا كاملًا من التجارب والانفعالات والحنين.


وعندما نقتحم نصوص العطَّاري من هذا الباب نكتشف أنَّنا أمام كاتبٍ لا يصف الأشياء بقدر ما ينصت إليها، فهو يمنح الجمادات لسانًا، ويوقظ في التفاصيل روحًا خفيَّة، ويجعل من أبسط الموجودات مفاتيحَ لفهم الإنسان نفسه.


فالرمان هو ذاكرةُ ميلادٍ ونضجٍ وانتظار، والأم أصلُ الحكاية كلِّها، والحارة أرشيفٌ حيٌّ للعلاقات الإنسانية التي صنعت ملامح الروح، والبيادر طفولةٌ ما تزال تمشي حافيةً في القلب، وتلوِّح من بعيد كلَّما ظننَّا أنَّ العمر قد أخذنا بعيدًا عنها.

ولذلك فإنَّ قارئ “شيءٌ يذكِّرني بي” يقرأ كتابًا عن الإنسان وهو يفتِّش عن نفسه بين الأشياء، وكلَّما تقدَّم في الصفحات اكتشف أنَّ الكاتب لا يدلُّه على العالم الخارجي بقدر ما يقوده إلى أعماقه هو، وإلى تلك المناطق المنسيَّة من الروح التي تختبئ فيها النسخ القديمة منَّا منتظرةً شيئًا واحدًا فقط… شيئًا يذكِّرها بها.
لهذا كلِّهِ فإنَّ عبدَ السَّلامِ العطَّاريَّ يكتبُ سيرةَ الأشياءِ التي صنعتِ الذَّاتَ بعيدًا عن المعنى التَّقليديِّ، فيُعيدُ الاعتبارَ لكلِّ ما ظننَّاه عابرًا: للرَّوائحِ، وللأسماءِ، وللوجوهِ المنسيَّةِ، وللطُّرقاتِ الضيِّقةِ، وللأمَّهاتِ اللَّواتي غادرنَ وبقي دفؤُهُنَّ يسكنُ اللُّغةَ.


وفي تقديري، فإنَّ “شيئًا يُذكِّرني بي” ينفتح على سؤال الهويَّة من أكثر أبوابها إنسانيَّةً ووجعًا: فمَن أكون بعدما غاب الذين كانوا يعرفونني؟
ذلك أنَّ الإنسان لا يعيش في ذاته وحدها، وإنَّما يتوزَّع على قلوب الآخرين وذاكراتهم. فثمَّة نسخةٌ منَّا تسكن في عين الأمِّ، وأخرى في صوت الأب، وثالثة في صداقات العمر، ورابعة في الأمكنة التي شهدت خطواتنا الأولى.
وفي الوقت الذي يأخذ فيه الغياب هؤلاء جميعًا معه، يترك وراءه فراغًا في العالم، وفي تعريفنا لأنفسنا أيضًا.
من هذه المنطقة الشفيفة بين الذَّاكرة والفقد تتدفَّق نصوص العطَّاري، حاملةً قلق الإنسان وهو يتلمَّس آثاره القديمة خشية أنْ تضيع ملامحه في زحام السنين.
فكلُّ نصٍّ يبدو كأنَّه محاولةٌ لالتقاط صورةٍ آخذةٍ في الابتعاد، أو نداءٌ موجَّهٌ إلى الذات من مسافةٍ بعيدة، أو مصباحٌ صغيرٌ يُضاء في عتمة النسيان.
ولذلك لا تبدو الأشياء التي يعبرها الكاتب تفاصيلَ عابرةً في المشهد، فهي علاماتُ طريقٍ تقوده إلى نفسه.
فما الرمانةُ إلا بابًا إلى زمنٍ كامل، وما الحاكورةُ إلا جغرافيا للروح، وما صوتُ الأمِّ إلا مفتاحٌ لخزائن العمر الأولى.
ومن خلال هذه التفاصيل يستعيد الإنسان خرائطه الداخليَّة، ويعيد رسم ملامحه التي كادت الأيام تمحو أطرافها.
هكذا يتحوَّل الكتاب إلى رحلةٍ في طبقات الذات أكثر ممَّا هو رحلةٌ في طبقات الذكرى، رحلةٍ يحاول فيها الكاتب أنْ يجيب عن السؤال الذي يرافق الإنسان كلَّما تقدَّم به العمر، فإذا كانت الأمكنة تتغيَّر، والوجوه ترحل، والأصوات تخفت، فما الذي يبقى منَّا في نهاية المطاف؟
وربَّما لهذا السبب يلامس هذا الكتاب قارئه بهذه الحميميَّة النادرة؛ لأنَّ سؤال العطَّاري ليس سؤاله وحده، وإنَّما سؤال كلِّ إنسانٍ استدار يومًا نحو ماضيه باحثًا عن أثرٍ صغيرٍ يؤكِّد له أنَّ ذلك الطفل الذي كانه ما يزال يقيم في مكانٍ ما من روحه، ينتظر شيئًا واحدًا فقط… شيئًا يذكِّره بنفسه.
وهنا يلتقي العطَّاريُّ مع درويشٍ وكنفاني؛ يلتقي مع درويشٍ في استعادةِ الذَّاتِ عبرَ اللُّغةِ، ويلتقي مع كنفاني في مقاومةِ الفقدِ عبرَ الذَّاكِرَةِ، لكنَّه يذهبُ إلى مسارِهِ الخاصِّ، إذْ تُصبحُ الأشياءُ الصَّغيرةُ بطلةَ الحكايةِ الكبرى، أمّا أنا فأنشدتُ على بحر الرّمَل فقلت:
فِي فَضَاءِ الشَّيءِ تَسْتَجْلِي دَمِي
كُلَّمَا غَابَتْ مَرَايَا الِانْكِسَارْ
فَإِذَا بِي بَيْنَ ذِكْرَى وَانْطِوَاءٍ
أَتَصَلَّى نُورَ نَفْسِي في الحِوَارْ
اعذروني أيُّها الأصدقاءُ إنْ بدا حديثي اليوم أقلَّ من حجمِ هذا الأثرِ الأدبيِّ، فواللهِ إنَّني أجدُ صعوبةً في الإيفاءِ بقراءةِ نصٍّ واحدٍ من نصوصِ العرَّابِ عبدِ السَّلامِ العطَّاريِّ في قراءة واحدةٍ، فكيفَ بكتابٍ يمتدُّ على مئةٍ وأربعٍ وخمسينَ صفحةً، ويضمُّ بين دفَّتَيْهِ أربعًا وعشرينَ محطَّةً وعنوانًا، يحملُ كلُّ عنوانٍ منها عالمًا كاملًا من الحكاياتِ والذِّكرياتِ والدَّلالاتِ؟
إنَّنا أيُّها الرَّائعونَ أمامَ نسيجٍ واحدٍ مُحكَمٍ، تتعانقُ فيه الذَّاكِرَةُ بالمكانِ، والإنسانُ بالزَّمنِ، والطُّفولةُ بالحَنينِ، في سردٍ عملاقٍ مُشوِّقٍ يمتلكُ القُدرةَ على اصطحابِ قارئِهِ من الصَّفحةِ الأُولى إلى الأخيرةِ دونَ أن يفقدَ دهشتَهُ أو شغفَهُ.
وكلَّما ظننتُ أنّني فرغتُ من نصٍّ، اكتشفتُ أنّهُ يفتحُ بابًا إلى نصٍّ آخرَ، وأنَّ كلَّ حكايةٍ تقودُ إلى حكايةٍ، وكلَّ صورةٍ تستدعي صورةً، حتّى يغدوَ الكتابُ بأكملِهِ نهرًا من الذَّاكِرَةِ المتدفِّقةِ، لا يمكنُ القبضُ على مائِهِ كلِّهِ في غرفةٍ واحدةٍ، ولا في أُمسيةٍ واحدةٍ، ولا حتّى في قراءةٍ واحدةٍ.
لذلكَ فإنَّ ما أُقدِّمُهُ لقرائي هو محاولةُ محبَّةٍ للاقترابِ من عالمِهِ، والإنصاتِ إلى نبضِهِ، والوقوفِ عندَ بعضِ إشراقاتِهِ، أمَّا الكتابُ فما يزالُ أوسعَ من القراءةِ، وأرحبَ من الإحاطةِ، وأغنى من أن تختزلَهُ جلسةٌ واحدةٌ أو ورقةٌ نقديَّةٌ عابرةٌ.
القارىء الرَّائعُ، إذا كانَ العنوانُ “شيءٌ يُذكِّرُني بي” هو المفتاحُ التَّأويليُّ للكتابِ كلِّهِ، فإنَّ نصوصَ “فراشة” و”حبيبةٌ لي” و”صورة” في الصَّفحاتِ مئةٍ وستٍّ وثلاثينَ، ومئةٍ وسبعٍ وثلاثينَ، ومئةٍ وثمانٍ وثلاثينَ، تُمثِّلُ التجلِّيَ الأكثرَ صفاءً لهذا المفتاحِ، لأنَّها تكشفُ كيفَ تتحوَّلُ الأشياءُ الصَّغيرةُ والعابرةُ إلى خزائنَ للذَّاكِرَةِ، وكيفَ تُصبحُ الذَّاتُ موزَّعةً في الموجوداتِ من حولِها، فلا تعودُ قادرةً على التعرُّفِ إلى نفسِها إلَّا عبرَها.
أبدأُ بنصِّ “فراشة”، إذْ يقولُ العرَّابُ:
“عنِ الفراشاتِ، كأنَّهُنَّ سربُ فرحٍ، حينَ عبرنَ الصَّباحَ، ولاحَ الوردُ بيدِ الفتى، والرَّصيفُ شهوةُ الانتظارِ الطَّويلِ، فابتسمتِ الَّتي طارتْ، والرَّحيقُ شهدُ الشَّقائقِ كان.
حينَ عبرنَ زقاقَ العمرِ، كانَ العمرُ يمضي كفراشةٍ إلى وردِ الحقولِ، وكانت حدائقُ المقابرِ بالشَّقائقِ مُزنَّرةً؛ فلا صوتَ هناكَ غيرُ أسماءَ على الشَّواهدِ، والحزنُ صار
ضَحِكَةَ المكلومِ، حينَ مَرَّقَ من بينِ عينِهِ ابتسامتُها، وصوتُ السَّمنِ شهقةُ نايٍ، والقَطا يُوقِظُ سُباتَ الميِّتينَ العميقَ”.
منذُ الجملةِ الأولى يُقدِّمُ العطَّاريُّ الفراشةَ على أنَّها حالةٌ شعوريَّةٌ: “كأنَّهُنَّ سربُ فرحٍ”.
فالفراشةُ هنا صورةٌ للفرحِ الخاطفِ، وللجمالِ الذي يمرُّ سريعًا ولا يُمسَكُ.
لكنَّ العرَّابَ لا يُبقيها في فضاءِ الطَّبيعةِ، إنَّما يدفعُها إلى فضاءِ الزَّمنِ: “كانَ العمرُ يمضي كفراشةٍ إلى وردِ الحقولِ”.
وهنا تتحوَّلُ الفراشةُ إلى استعارةٍ كبرى للعمرِ الإنسانيِّ، فالفراشةُ قصيرةُ العمرِ، والإنسانُ كذلكَ، والفراشةُ تطيرُ نحوَ الوردِ، والإنسانُ يمضي نحوَ أحلامِهِ وذكرياتِهِ.
لكنَّ الإدهاشَ الحقيقيَّ في النَّصِّ يكمنُ في الجمعِ بينَ الفراشةِ، والحقولِ، والمقابرِ في مشهدٍ واحدٍ.
فالمقابرُ حديقةٌ مُزيَّنةٌ بالشَّقائقِ، وكلُّ ما يُريدُهُ العطَّاريُّ هو أن يقولَ إنَّ الجمالَ يستمرُّ حتَّى في مواجهةِ الفناءِ.
فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟
الشَّيءُ هنا هو الفراشةُ؛ لكنَّها ليست فراشةً حقيقيَّةً، إنَّها طفولةٌ عابرةٌ، وعمرٌ مضى، وفرحٌ خاطفٌ، وذِكرى لا تزالُ تُرفرفُ في القلبِ، فعندما يرى الشَّاعرُ الفراشةَ يتذكَّرُ نفسَهُ، ويتذكَّرُ العمرَ الذي عبرَ كما عبرتْ هي؛ لذلكَ تُصبحُ الفراشةُ أحدَ أهمِّ تجلِّيَاتِ “الشَّيءِ” في الكتابِ.
وعن نصِّ “حبيبةٌ لي” يقولُ العرَّابُ:
“لي حبيبةٌ تَجيءُ مع الغيمِ، تُمطِرُ كلَّما تَشَقَّقَ القلبُ وطَفَحَ صدري بالظَّمأِ، فتُزهِرُ أوردتي حدائقَ للعشَّاقِ والسَّابلةِ، وتصيرُ الوردةُ زهرةَ الميلادِ، وتصيرُ النَّجمةُ ضوءَ المكانِ، والسَّماءُ تُعبِّئُ أنفاسَها بالشُّروقِ، والضُّحى ضحكتُها.
لي حبيبةٌ تَجيءُ كلَّ مساءٍ، فيصيرُ الليلُ وشاحًا للأيكةِ، ويصيرُ حُلْمُ العصافيرِ اسمَها، وتصيرُ الفراشاتُ نشيدَ الحقولِ، وتصيرُ الأغاني رصيفَ الفقراءِ كلَّ صباحٍ، وبائعُ الصُّحفِ يرمي “أخبارًا بايتةً”، ويعودُ الموجزُ اسمَها كلَّ نهارٍ”.
يقومُ النَّصُّ كلُّه على تكرارِ جملةِ: “لي حبيبةٌ”، وهذا التَّكرارُ هو إعلانٌ عن وجودِ معنى، فالحبيبةُ قوَّةٌ تمنحُ العالمَ حيويَّتَهُ.
فبمجيئِها يزهرُ الدَّمُ، وتُشرِقُ السَّماءُ، وتتفتَّحُ الوردةُ، ويغدو الليلُ وشاحًا.
إنَّها أشبهُ بما يُسمِّيه المتصوِّفةُ “سرَّ الحياةِ”، ولهذا لا يصفُ الشَّاعرُ ملامحَها أبدًا، لا لونَ عينيها، ولا وجهَها، ولا اسمَها، لأنَّ المقصودَ أثرُها لا جسدُها.
فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟
الشَّيءُ هنا هو الحبيبةُ المتمثّلةُ في الحبِّ، والأملِ، والمعنى، والقدرةِ على الاستمرارِ.
إنَّها -لا أذهبَ اللهُ السَّعادةَ من قلوبِكم- المرآةُ التي يرى الشَّاعرُ فيها نفسَهُ الأجملَ، ولهذا فعندما يحضرُ اسمُها يحضرُ هو أيضًا، وعندما تغيبُ يتَّسعُ الفراغُ.
أمَّا نصُّ “صورةٍ” فيقولُ فيه:
“تلكَ الصُّورةُ بسوادِها، لا تعني لبياضِ عمرِنا غيرَ غيابِ اللَّونِ الذي كان. لا شيء من بياضِ القلبِ سوى الشَّيبِ الذي صار. هو العمرُ في أزقَّتِهِ المعتمةِ، نتحسَّسُ خشونةَ مشوارِنا عليه، وعقاربُ الوقتِ مُسرعةٌ، نلمسُ قرارةَ الذَّاكرةِ في صدفةِ الليلِ كلَّما انتصفت
دقَّاتُها، والنَّهارُ اتِّساعُ خُطوةِ مِنسأةٍ نتوكَّأُ عليها، نمشي ونمشي وما زِلْنا من جُدرانِ الزُّقاقِ نتنشَّقُ الفرحَ الذي كان”.
أيُّها الأصدقاءُ، إنَّ هذا النَّصَّ من أكثرِ نصوصِ الكتابِ كثافةً وتأمُّلًا.
فالصُّورةُ هي الزَّمنُ الذي تجمَّدَ، ولهذا يبدأُ النَّصُّ بمفارقةٍ رائعةٍ: “تلكَ الصُّورةُ بسوادِها، لا تعني بياضَ عمرِنا”، فالصُّورةُ القديمةُ بالأبيضِ والأسودِ تستدعي العمرَ كلَّهُ.
ثمَّ يتحوَّلُ النَّصُّ إلى رحلةٍ داخلَ الزَّمنِ من الأزقَّةِ إلى الجدرانِ، فالمشوارِ، فالشَّيبِ، وصولًا إلى عقاربِ الوقتِ، وكلُّها عناصرُ تؤكِّدُ أنَّ الصُّورةَ شيئًا نسكنُهُ.
فأينَ الشَّيءُ الذي يُذكِّرُني بي؟ إذا كانتِ الفراشةُ رمزًا للعمرِ، والحبيبةُ رمزًا للمعنى،
فإنَّ الصُّورةَ هي الخزَّانُ الأكبرُ للذَّاكِرةِ، إنَّها الشَّيءُ الذي يُعيدُ للشَّاعرِ ملامحَهُ الأولى، وأزقَّتَهُ الأولى، وفرحَهُ الأوَّلَ.


فالصُّورةُ تُذكِّرُهُ بنفسِهِ التي كانت هناك.
في هذه النُّصوصِ الثَّلاثةِ تتجسَّدُ فلسفةُ الكتابِ كلُّها، فالفراشةُ شيءٌ يُذكِّرُني بعمري، والحبيبةُ شيءٌ يُذكِّرُني بقلبي، والصُّورةُ شيءٌ يُذكِّرُني بذاكرتي.


وبعدَ هذه الرِّحلةِ بينَ الفراشةِ والحبيبةِ والصُّورةِ، أجدُني أعودُ إلى السُّؤالِ الأوَّلِ الذي وضعَهُ عبدُ السَّلامِ العطَّاريُّ على عتبةِ كتابِهِ: “شيءٌ يُذكِّرُني بي”.
لقد بحثتُ عن هذا الشَّيءِ في الفراشةِ فوجدتُهُ عمرًا يُرفرفُ بينَ الحقولِ، وبحثتُ عنهُ في الحبيبةِ فوجدتُهُ قلبًا ما زالَ يؤمنُ بالضَّوءِ، وبحثتُ عنهُ في الصُّورةِ فوجدتُهُ زمنًا يحتمي من النِّسيانِ.


لكنْ كلَّما توغَّلنا في النُّصوصِ اكتشفنا أنَّ الأشياءَ ليست سوى دوائرَ صغيرةٍ تدورُ حولَ دائرةٍ أكبرَ، وأنَّ الذِّكرياتِ ليست إلَّا خيوطًا تقودُ إلى ذاكرةٍ واحدةٍ، أمَّا الذَّاتُ التي يبحثُ عنها الكاتبُ فهي ذاتٌ مُشتبكةٌ بمكانِها وتاريخِها وحكايتِها الأولى.


وفي الوقتِ الذي نُغلِقُ فيه الصَّفحةَ الأخيرةَ من هذا الكتابِ، نُدركُ أنَّ الشَّيءَ الذي كان يُذكِّرُ عبدَ السَّلامِ العطَّاريَّ بنفسِهِ لم يكن فراشةً، ولا حبيبةً، ولا صورةً ، إنَّما كان فلسطينَ.


فلسطينُ التي تظهرُ أحيانًا باسمِ الأمِّ، وأحيانًا باسمِ القريةِ، وأحيانًا في زُقاقٍ قديمٍ، أو شجرةِ رُمَّانٍ، أو حقلِ شقائقَ، أو ضحكةِ طفلٍ، أو ظلِّ شهيدٍ.
فلسطينُ التي تحضرُ في هذا الكتابِ نبضًا يسري في أوصالِهِ كلِّها.


لذلكَ يبقى السُّؤالُ مُعلَّقًا بعدَ انتهاءِ القراءةِ إلى كلِّ واحدٍ منَّا: ما الشَّيءُ الذي ما زال يُذكِّرُنا بنا، وما الشَّيءُ الذي ما زالت فلسطينُ تُذكِّرُنا به كلَّما ابتعدنا عنها واقتربنا منها في آنٍ؟


وقبلَ أنْ أضعَ آخرَ كلمةٍ في هذه القراءةِ، لا يسعُني إلَّا أنْ أتوجَّهَ إليكم جميعًا يا قرائي الأعزاء بخالصِ الشُّكرِ والامتنانِ لأرواحِكم التي شاركتِ النَّصَّ نبضَهُ، وشاركتِ الذَّاكرةَ سفرَها الطَّويلَ بينَ الحقولِ والأزقَّةِ والصُّورِ والفراشاتِ.


والشُّكرُ موصولٌ للعرَّابِ، ابنِ عَرَّابَةَ الجميلةِ، الأديبِ عبدِ السَّلامِ العطَّاريِّ، الذي كتبَ مرايا نتأمَّلُ فيها وجوهَنا وأعمارَنا وأمكنتَنا الأولى، فتحسَّسَ مواطنَ ذواتِنا الخفيَّةِ، ودفاترَ عمرِنا، ومنحَنا فرصةً نادرةً لأنْ نُصغيَ إلى أصواتِنا القديمةِ، وأنْ نعودَ، ولو لبرهةٍ قصيرةٍ، إلى أنفسِنا التي ظلَّت تنتظرُنا بينَ سطورِ الذَّاكرةِ لتهمسَ لكلِّ واحدٍ منَّا: هذا أنتَ، فسلامي والوردُ لكم يا مَن تمرّون على قراءاتي فتنفثون سحر أرواحكم.

شاهد أيضاً

وزير الحكم المحلي يطّلع على احتياجات الهيئات المحلية في شمال غرب رام الله

وزير الحكم المحلي يطّلع على احتياجات الهيئات المحلية في شمال غرب رام الله

شفا – أجرى وزير الحكم المحلي د. سامي حجاوي، اليوم الاحد، جولة ميدانية تفقدية لمنطقة …