11:55 صباحًا / 14 يونيو، 2026
آخر الاخبار

أزمة المقاصة وتداعياتها على الاقتصاد الفلسطيني: من الضائقة المالية إلى التحديات المعيشية

أزمة المقاصة وتداعياتها على الاقتصاد الفلسطيني: من الضائقة المالية إلى التحديات المعيشية

شفا – تقرير – وصال أبو عليا ، تواجه المالية العامة الفلسطينية واحدة من أخطر الأزمات في تاريخها، في ظل استمرار إسرائيل باحتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية “المقاصة” التي تشكل المصدر الرئيس للإيرادات الحكومية. ومع تجاوز قيمة الأموال المحتجزة حاجز 15 مليار شيكل، دخلت الخزينة الفلسطينية مرحلة غير مسبوقة من الضغوط المالية، انعكست على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية، وأثرت بصورة مباشرة على الخدمات العامة والنشاط الاقتصادي والأوضاع المعيشية للمواطنين.

ومع تصاعد الأزمة ووصولها إلى مرحلة الاحتجاز الكامل لأموال “المقاصة” خلال الأشهر الأخيرة، اتسعت التداعيات لتشمل مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية، وسط تحذيرات من تفاقم معدلات الفقر والبطالة وتراجع قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود في مواجهة التحديات المتراكمة.

المقاصة.. شريان الإيرادات الحكومية في قلب الأزمة


يؤكد الخبير في السياسات المالية والاقتصادية مؤيد عفانة أنّ احتجاز أموال “المقاصة” بشكل متواصل منذ عام 2019، وتصاعده إلى الاحتجاز الكامل منذ أيار/مايو 2025، أدخل المالية العامة الفلسطينية في أزمة حادة أثرت على مختلف أوجه الإنفاق الحكومي.

ويشير عفانة إلى أنّ الأزمة دفعت الحكومة إلى إطلاق برنامج طوارئ شمل تقليص الدوام في الوزارات والمؤسسات العامة، وخفض نسبة صرف رواتب الموظفين إلى نحو 50% من الراتب بحد أدنى 2000 شيكل، إلى جانب تراكم مستحقات القطاع الخاص.

من جانبه، يوضح أستاذ الاقتصاد والخبير في الشأن الاقتصادي د. هيثم دراغمة أنّ أموال “المقاصة” تمثل أكثر من 65% من الإيرادات الحكومية، وتشكل المصدر الرئيس لتمويل التزامات السلطة الفلسطينية. ويضيف أنّ استمرار احتجاز هذه الأموال أدى إلى تضخم المديونية الحكومية وتعميق الأزمة المالية، لافتاً إلى أنّ قيمة “المقاصة” المحتجزة تجاوزت 15 مليار شيكل، وهو ما حرم الخزينة من موردها المالي الأهم وأضعف قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه الموظفين والقطاع الخاص ومقدمي الخدمات.

ويؤكد د. دراغمة أنّ الحكومة الفلسطينية كانت تعاني أساساً من ضغوط مالية ناجمة عن تراجع المساعدات الخارجية والعربية، إلا أنّ احتجاز “المقاصة” عمّق الأزمة بصورة غير مسبوقة، وأفقد الحكومة القدرة على الإيفاء بالعديد من التزاماتها التشغيلية والخدمية.

تداعيات مباشرة على قطاعي الصحة والتعليم


انعكست الأزمة المالية بصورة واضحة على الخدمات الأساسية، ولا سيما في قطاعي الصحة والتعليم.

فبحسب عفانة، أدى شح الموارد المالية إلى نقص الأدوية في المرافق الصحية الحكومية، واقتصار عمل بعض العيادات الحكومية على يوم واحد أسبوعياً، الأمر الذي أثر على قدرة المواطنين في الوصول إلى الخدمات الصحية.

أما في قطاع التعليم، فقد تراجع انتظام العملية التعليمية، حيث اقتصر الدوام المدرسي في العديد من المدارس الحكومية على ثلاثة أيام أسبوعياً، أي ما يعادل نحو 60% من الدوام المعتاد، الأمر الذي وسّع فجوة الفاقد التعليمي التراكمي وألقى بظلاله على جودة التعليم ومستقبل الطلبة.

ويرى د. دراغمة أنّ تداعيات الأزمة لم تقتصر على المؤسسات الحكومية فحسب، بل امتدت إلى القطاعات الاقتصادية المرتبطة بها نتيجة تراجع الإنفاق العام وعجز الحكومة عن تسديد مستحقات الموردين ومقدمي الخدمات.

ركود اقتصادي وانكماش غير مسبوق


أثرت أزمة المقاصة بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي الفلسطيني، الذي شهد تراجعاً حاداً خلال الفترة الأخيرة.

ويؤكد عفانة أنّ الاقتصاد الفلسطيني تراجع بنحو 24%، بالتوازي مع ارتفاع معدلات البطالة إلى نحو 46%، وارتفاع معدلات الفقر إلى قرابة 41%.

بدوره، يصف د. دراغمة الحالة الاقتصادية الراهنة بأنّها “ركود غير مسبوق”، موضحاً أنّ انخفاض السيولة النقدية في الأسواق، وتراجع الإنفاق الحكومي، وعدم انتظام تدفق المساعدات الخارجية، عوامل أسهمت في شلل العديد من الأنشطة الاقتصادية.

ويضيف أنّ القطاع الخاص يواجه أزمة مركبة، فهو من جهة يقدم خدمات للحكومة التي أصبحت عاجزة عن تسديد التزاماتها، ومن جهة أخرى يعاني من تراجع الطلب والاستهلاك وانخفاض السيولة، ما أدى إلى تعثر العديد من المنشآت الاقتصادية.

القدرة الشرائية تتراجع والأسواق تدفع الثمن


يشير وكيل وزارة الاقتصاد الوطني بشار الصيفي إلى أنّ أموال “المقاصة” كانت تضخ شهرياً ما يقارب مليار شيكل في السوق الفلسطينية، وهو ما كان يشكل محركاً رئيسياً للنشاط الاقتصادي.

ويقول إنّ تراجع هذه التدفقات نتيجة الإجراءات الإسرائيلية ألحق ضرراً بالغاً بالقدرة الشرائية للمواطنين، خاصة أنّ شريحة الموظفين الحكوميين تمثل جزءاً كبيراً من القوة الاستهلاكية في المجتمع الفلسطيني.

وتتجسد هذه التداعيات في حياة الموظفين اليومية. ويقول موظف حكومي من مدينة نابلس، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إنّ استمرار صرف الرواتب بنسب جزئية وضع آلاف الأسر أمام ضغوط معيشية متزايدة، إذ لم يعد الدخل المتاح كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية من الغذاء والمواصلات والتعليم والالتزامات الشهرية. ويضيف أنّ عدم وضوح مواعيد صرف الرواتب ونسبتها يجعل التخطيط المالي للأسرة أكثر صعوبة، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة.

ويشير إلى أنّ كثيراً من العاملين في القطاع العام اضطروا إلى الاستدانة أو تأجيل سداد التزاماتهم المالية لمواجهة النفقات اليومية، الأمر الذي أدى إلى تراكم الأعباء المالية على الأسر. ويوضح أنّ آثار الأزمة لم تتوقف عند حدود الموظفين، بل امتدت إلى الأسواق المحلية التي تعتمد بشكل كبير على القوة الشرائية لهذه الشريحة، حيث انعكس تراجع الإنفاق على الحركة التجارية وأدى إلى مزيد من الركود في مختلف القطاعات الاقتصادية.

ويضيف الصيفي أنّ الأزمة تفاقمت مع استمرار منع أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين من العمل داخل الخط الأخضر، ما أسهم في ارتفاع البطالة وتراجع مستويات الدخل. كما تضررت قطاعات الخدمات والترفيه بشكل كبير، في ظل توجه المواطنين نحو الإنفاق على الاحتياجات الأساسية فقط، فيما سجلت بعض القطاعات الخدمية تراجعاً تجاوز 90%.

الفقر والبطالة.. الفئات الهشة تتحمل العبء الأكبر


تظهر تداعيات الأزمة بشكل أكثر وضوحاً على الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل.

ويؤكد عفانة أنّ هذه الفئات كانت الأكثر تضرراً من تراجع الخدمات العامة، نظراً لعدم قدرتها على اللجوء إلى البدائل المدفوعة في القطاعين الصحي والتعليمي. كما أدى تراجع فرص العمل وركود الأسواق إلى زيادة الضغوط المعيشية على الأسر الفلسطينية.

من جهته، يؤكد د. دراغمة أنّ استمرار الأزمة يهدد بمزيد من الارتفاع في معدلات البطالة، خاصة في ظل تراجع فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص معاً، واتساع دائرة الخريجين العاطلين عن العمل، بما في ذلك تخصصات كانت تتمتع سابقاً بفرص تشغيل مرتفعة.

البحث عن حلول.. بين الإدارة المالية والإصلاح الاستراتيجي
حول سبل مواجهة الأزمة، يرى عفانة أنّ الإجراءات التي اتخذتها وزارة المالية لترشيد النفقات وتعزيز الإيرادات أسهمت في توفير هامش من المرونة لإدارة الأزمة، لكنها تبقى غير كافية في ظل عمق المشكلة وطول أمدها.

ويشدد على ضرورة تبني استراتيجية وطنية شاملة تقوم على الضغط الدولي والدبلوماسي والقانوني للإفراج عن أموال المقاصة، إلى جانب توفير شبكة أمان مالية من قبل المانحين الدوليين لمساندة المالية العامة الفلسطينية.

كما يدعو إلى مراجعة بروتوكول باريس الاقتصادي وإعادة صياغة العلاقة المالية مع إسرائيل بما يضمن قدراً أكبر من السيطرة الفلسطينية على مواردها المالية.

ويتفق د. دراغمة مع هذا الطرح، مؤكداً أنّ التحرك الدبلوماسي لاستعادة تدفق أموال “المقاصة” يمثل أولوية ملحة، بالتوازي مع تعزيز الإيرادات المحلية وضبط النفقات، رغم محدودية قدرة هذه الإجراءات على تعويض الإيرادات المحتجزة.

أما الصيفي فيؤكد أهمية تدخل المجتمع الدولي لوقف الإجراءات الإسرائيلية التي تؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد الفلسطيني، محذراً من أنّ استمرار احتجاز “المقاصة” سيقود إلى مزيد من الانكماش الاقتصادي وتدهور الأوضاع المعيشية.

تكشف أزمة المقاصة عن هشاشة البنية المالية للاقتصاد الفلسطيني وارتباطها الوثيق بالتحولات السياسية والإجراءات الإسرائيلية. وبينما تمكنت الحكومة من إدارة الأزمة عبر إجراءات طوارئ وتقشف مالي، فإنّ استمرار احتجاز هذه الإيرادات يهدد بتفاقم الضغوط على الخدمات العامة والقطاع الخاص والأسر الفلسطينية. ومع تزايد معدلات الفقر والبطالة وتراجع النشاط الاقتصادي، تبدو الحاجة ملحة إلى تحرك سياسي ودولي فاعل يضمن الإفراج عن أموال “المقاصة”، بالتوازي مع إصلاحات اقتصادية وهيكلية تعزز قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود والاستدامة.

شاهد أيضاً

عمران الخطيب

الفلسطينيون يتعرضون للإبادة الجماعية والتطهير العرقي أمام أنظار العالم ، بقلم : عمران الخطيب

الفلسطينيون يتعرضون للإبادة الجماعية والتطهير العرقي أمام أنظار العالم ، بقلم : عمران الخطيب تستغل” …