1:02 صباحًا / 2 يونيو، 2026
آخر الاخبار

قلعة الشقيف والقائد علي أبو طوق وكتيبة الجرمق.. أسطورة البطولة التي نفتقدها اليوم ، بقلم : احمد سليمان

قلعة الشقيف والقائد علي أبو طوق وكتيبة الجرمق.. أسطورة البطولة التي نفتقدها اليوم ، بقلم : احمد سليمان

في سجل الثورة الفلسطينية صفحات كتبت بالدم والتضحيات، وصفحات أخرى كتبت بالمجد والبطولة حتى تحولت إلى أساطير تتناقلها الأجيال. ومن بين هذه الصفحات الخالدة تبرز قلعة الشقيف، تلك القلعة التاريخية التي لم تكن مجرد موقع عسكري في جنوب لبنان، بل كانت رمزًا للصمود الفلسطيني وعنوانًا للإرادة التي رفضت الانكسار أمام أعتى آلة عسكرية في المنطقة.

على أسوار الشقيف وقف مقاتلو الثورة الفلسطينية كحراس للحلم الوطني الفلسطيني، مؤمنين بأن الدفاع عن الأرض والكرامة واجب لا يقبل التراجع. وهناك، بين حجارة القلعة العتيقة، صنعت الكتيبة الطلابية وكتيبة الجرمق ملحمة نضالية ستبقى محفورة في ذاكرة الشعب الفلسطيني والأمة العربية.

وفي مقدمة أولئك الرجال برز القائد الشهيد علي أبو طوق، أحد أبرز قادة الثورة الفلسطينية ومن مؤسسي الكتيبة الطلابية التي تحولت إلى مدرسة ثورية فريدة خرجت عشرات القادة والمناضلين. كان أبو طوق قائدًا استثنائيًا جمع بين الفكر الثوري والشجاعة الميدانية، فآمن بأن الطالب والمثقف يمكن أن يكونا في مقدمة الصفوف المقاتلة، وأن البندقية والكتاب يشكلان معًا طريق التحرير.

من رحم الجامعات والمخيمات ولدت الكتيبة الطلابية، حاملة مشروعًا وطنيًا ثوريًا تجاوز المفهوم التقليدي للعمل العسكري. فقد ضمت نخبة من الشباب الفلسطيني والعربي الذين آمنوا بفلسطين قضية مركزية، وجعلوا من الانضباط والوعي والتضحية منهجًا لهم. ومع تطور التجربة الثورية تحولت هذه الكتيبة إلى كتيبة الجرمق، التي أصبحت إحدى أكثر الوحدات القتالية كفاءة وتأثيرًا في قوات العاصفة.

وعندما اجتاح الاحتلال الإسرائيلي لبنان، كانت قلعة الشقيف هدفًا استراتيجيًا رئيسيًا. اعتقد قادة الاحتلال أن السيطرة عليها لن تستغرق سوى ساعات قليلة، لكنهم فوجئوا بمقاومة أسطورية من مقاتلي الجرمق الذين حوّلوا القلعة إلى حصن من نار وصمود. فبإمكانات متواضعة وإرادة لا تعرف المستحيل، واجه المقاتلون الدبابات والطائرات والمدفعية، وأثبتوا أن الإيمان بالقضية أقوى من كل الأسلحة.

لقد قاتل رجال الجرمق حتى الرمق الأخير، وسطروا واحدة من أعظم ملاحم الثورة الفلسطينية المعاصرة. كانت معركة الشقيف رسالة واضحة بأن الشعب الفلسطيني، رغم اللجوء والاحتلال والتشريد، ما زال قادرًا على إنتاج نماذج استثنائية من البطولة والفداء. ولم تكن تلك المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت مواجهة بين إرادة الحرية ومنطق القوة، بين شعب يناضل من أجل وطنه وجيش يعتقد أن تفوقه العسكري كافٍ لكسر إرادة المقاومين.

لقد أصبح اسم علي أبو طوق رمزًا لجيل كامل من المناضلين الذين آمنوا بفلسطين حتى الشهادة، وأصبحت الكتيبة الطلابية وكتيبة الجرمق عنوانًا للالتزام الوطني والثوري. وما زالت سيرتهم تلهم الأجيال الفلسطينية التي تبحث في تاريخها عن نماذج مضيئة للوفاء والتضحية والانتماء.

وكم نفتقد في زماننا إلى أمثال هؤلاء الرجال. نفتقد القادة الذين جعلوا من الوطن بوصلتهم الوحيدة، ومن التضحية طريقهم نحو الحرية. نفتقد جيلاً كان يؤمن أن الثورة أخلاق قبل أن تكون سلاحاً، وأن الانتماء لفلسطين مسؤولية يومية لا شعاراً عابراً. كانوا رجالاً حملوا أحلام شعب بأكمله فوق أكتافهم، وقدموا أعمارهم ودماءهم دون انتظار مكسب أو منصب أو شهرة.

في زمن كثرت فيه الشعارات وقلّت فيه التضحيات، تبقى سيرة علي أبو طوق ورفاقه في الكتيبة الطلابية وكتيبة الجرمق شاهداً على مرحلة صنعتها الإرادة والإيمان والالتزام الوطني. كانوا رجالاً إذا تحدثوا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا نادتها فلسطين لبوا النداء دون تردد.

واليوم، وبعد مرور عقود على تلك الملحمة، ما زالت قلعة الشقيف تقف شامخة فوق تلال الجنوب اللبناني، شاهدة على رجال كتبوا التاريخ بأجسادهم ودمائهم. وما زالت أسماء الشهداء والقادة والمقاتلين تتردد في الذاكرة الفلسطينية باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية ومسيرة الكفاح الطويلة.

إن الشقيف ليست مجرد قلعة من الحجر، بل قلعة من القيم والمبادئ. وليست مجرد معركة من الماضي، بل مدرسة ثورية تعلم الأجيال أن الأوطان تبنى بالتضحيات، وأن الحرية لا تمنح بل تنتزع، وأن الشعوب التي تؤمن بحقها قادرة على صنع المعجزات مهما بلغت التحديات.

المجد للشهداء الذين ارتقوا على أسوار الشقيف، والتحية لكل مقاتلي الكتيبة الطلابية وكتيبة الجرمق، وللقائد الشهيد علي أبو طوق، الذين تركوا للأجيال إرثاً من البطولة سيبقى خالداً ما بقيت فلسطين حاضرة في وجدان الأحرار، وما بقيت راية الحريه مرفوعة فوق أرضها الطاهرة .

  • – احمد سليمان – حركة فتح

شاهد أيضاً

استقالة مسؤول العلاقات الخارجية في الموساد الإسرائيلي

استقالة مسؤول العلاقات الخارجية في الموساد الإسرائيلي

شفا – كشفت القناة 12 الإسرائيلية، عن استقالة أحد أبرز مسؤولي جهاز الموساد عقب تعيين …