6:10 مساءً / 30 مايو، 2026
آخر الاخبار

رسالة من الشرق الأوسط: من الصين إلى العالم العربي.. رحلتي كمترجم مصري للروح الصينية ، بقلم : أحمد السعيد

رسالة من الشرق الأوسط: من الصين إلى العالم العربي.. رحلتي كمترجم مصري للروح الصينية ، بقلم : أحمد السعيد

رسالة من الشرق الأوسط: من الصين إلى العالم العربي.. رحلتي كمترجم مصري للروح الصينية ، بقلم : أحمد السعيد


نقلاً عن شينخوا


سألتني سؤالا يبدو بسيطا على السطح: لماذا يكرس مصري سنوات طويلة من عمره لترجمة الكتب الصينية؟

يمكنني أن أجيبك إجابة عملية، درست اللغة، وعشت في الصين، وعملت في النشر، وكانت الترجمة جزءا من مهنتي، لكن هذه الإجابة، رغم صحتها، تظل إجابة بلا روح، الحياة نادرا ما تبنى على خطط مرتبة، الحياة تبنى على لقاءات: بين أشخاص، وبين أماكن، وأحيانا بين حضارات كاملة.

لو نظرت إلى الوراء بصدق، لم أختر هذا الطريق كما يختار المرء وظيفة، الطريق تشكل ببطء تحت قدمي وأنا أسير.

بدأت دراسة الصينية في القاهرة، في جامعة الأزهر، مطلع الألفية، وقتها لم تكن الصين حاضرة ثقافيا في خيالنا العربي، كانت بلدا بعيدا، معروفا بالمصانع والبضائع الرخيصة ولغة تبدو مستحيلة، قلة هم من تحدثوا عن الأدب الصيني أو الفلسفة أو الفكر السياسي، وقلة أقل تخيلوا أن يأتي يوم تقرأ فيه الجماهير العربية كتبا صينية بحثا عن فكرة أو رؤية.

لكن حتى وأنا طالب شاب، شعرت بشيء في داخلي يقاوم هذا التعريف الضيق للغة، شعرت أن اللغة ليست مجرد أداة لإنهاء الصفقات، اللغة باب لرؤية العالم بطريقة أخرى.

في تلك السنوات الأولى، كانت معرفتي بالثقافة الصينية محدودة، مثل كثير من الطلاب، تعرفت على أسماء مثل لو شيون وبا جين من خلال الكتب الدراسية، لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت لاحقا، حين سافرت إلى الصين وبدأت أقرأ بدافع الفضول لا بدافع الامتحان.

من أوائل الأشياء التي لامست قلبي لم يكن كتابا فلسفيا كبيرا ولا نصا سياسيا، كانت مجلة بسيطة اسمها “القارئ”، كانت تحمل قصصا إنسانية قصيرة، تأملات في الحياة والعائلة والعمل والذاكرة، لا شعارات، ولا صخب، ولا نظريات ثقيلة، مجرد حياة يومية مكتوبة بلغة هادئة.

أتذكر أنني قرأتها في القطار، ولأول مرة شعرت أن اللغة الصينية دافئة وقريبة، لم تعد مجرد رموز أو أصوات، صارت صوتا بشريا، صوت إنسان يشبهنا، يفكر مثلنا، ويحلم مثلنا.

تلك اللحظة غيرت علاقتي باللغة، توقفت عن رؤية الصينية كمادة دراسية، وصارت تجربة ثقافية، ومن هناك دخلت عالم الأدب الصيني لا كطالب، بل كقارئ يبحث عن المعنى.

وجدت نفسي منجذبا لكتاب مثل ليو تشن يون، وانغ شياوبوه، سو تونغ، وموه يان، كل واحد منهم كشف لي وجها مختلفا من المجتمع الصيني، لم يتحدثوا بالشعارات، تحدثوا عن الناس العاديين، عن البلدات الصغيرة، عن المآسي الهادئة والمواقف العبثية، وعن الكرامة الصامتة للحياة اليومية.

من خلال هؤلاء الكتاب، بدأت أفهم أن الصين ليست مجرد معجزة اقتصادية أو حضارة قديمة. إنها مجتمع حي ومعقد، مليء بالتناقضات والفكاهة والقدرة على الصمود.

في تلك المرحلة، تولدت الفكرة الأولى الحقيقية وراء عملي في الترجمة: الترجمة ليست نقل كلمات، الترجمة نقل تجارب.

حين وصلت إلى الصين، كان العالم نفسه يتغير، النفوذ الغربي في مناطق كثيرة بدأ ينحسر، والعالم العربي كان يمر بحالة ارتباك سياسي وفكري، في المقابل، كانت الصين تصعد اقتصاديا وتبحث عن حضور ثقافي أوسع.

في تلك اللحظة التاريخية، كانت هناك حاجة عند الطرفين للتفاهم الثقافي، الصين تحتاج صوتا ثقافيا في العالم العربي، والعالم العربي يحتاج لفهم الصين بعيدا عن الصور النمطية، تصادف أنني كنت أقف عند تقاطع هاتين الحاجتين.

في بدايات النشر، كنا نطبع أعدادا محدودة من الكتب الصينية بالعربية، بضعة آلاف نسخة فقط، المكتبات لم تكن متحمسة، القراء كانوا فضوليين لكن مترددين. كثيرون كانوا يسألون بصدق: لماذا نقرأ كتبا صينية؟ ماذا لديهم ليعلمونا؟ كانت أسئلة مشروعة، في ذلك الوقت، كانت الصين لا تزال صورة بعيدة في الذهن العربي.

لكن التاريخ تحرك بسرعة، ظهرت الشركات الصينية في المدن العربية، زار السياح الصينيون مواقعنا الأثرية، وأصبحت الصين حاضرة في الأخبار والسياسة والاقتصاد، وببطء، تحول الفضول إلى اهتمام.

اليوم تصلني رسائل من قراء في أكثر من عشرين دولة عربية يسألون عن الكتب الصينية، بعضهم طلاب، وبعضهم رجال أعمال، وبعضهم قراء عاديون يريدون فهم كيف تمكنت دولة كانت فقيرة يوما ما من أن تتحول إلى قوة عالمية دون أن تتخلى عن هويتها الثقافية، كل رسالة من تلك الرسائل تبدو لي نصرا صغيرا وهادئا، ليس لي، بل لفكرة الترجمة ذاتها.

أثناء عملية الترجمة، اكتشفت أن الأفكار لا تعيش في الكلمات فقط، بل في التاريخ الذي يقف خلفها، كلمات تبدو بسيطة على السطح تحمل تحتها قرونا من التجربة.

خذ كلمة “تنمية” مثلا، في كثير من النصوص الغربية، هي مفهوم تقني: معدلات نمو، إنتاجية، وكفاءة، لكن في كثير من الكتابات الصينية، التنمية مرتبطة بالاستقرار والتناغم والإصلاح المتدرج والتوازن الاجتماعي، الكلمة واحدة، لكن الفلسفة مختلفة.

أثناء ترجمة النصوص الصينية، الأدبية والسياسية، كنت أشعر أنني أتحرك بين تجربتين تاريخيتين، مصر، مثل كثير من الدول النامية، تحمل ندوب الاستعمار والتحولات المفاجئة ومشاريع التحديث غير المكتملة، والصين عانت أيضا من الإذلال والتشظي والفقر، لكنها سلكت طريقا مختلفا في تعافيها.

بين سطور النصوص الصينية، بدأت أرى رسالة هادئة: لا يوجد طريق واحد للحداثة.

هذه الفكرة لها قيمة كبيرة لمصر ولغيرها من دول الجنوب العالمي، لعقود طويلة، قيل لنا إن هناك نموذجا واحدا للنجاح، ووصفة سياسية واحدة، ومسارا اقتصاديا واحدا، إذا اتبعته ستنهض، وإذا رفضته ستسقط.

لكن التجربة الصينية تقول شيئا آخر، تقول إن كل بلد يجب أن يجد طريقه الخاص، الطريق الذي ينبت من تاريخه وثقافته وظروفه الاجتماعية، استعر الأدوات، نعم، تعلم من الآخرين، نعم، لكن لا تستعر قدر شخص آخر.

بالنسبة لكثير من القراء في مصر والدول النامية، تقدم هذه الكتب شيئا نادرا: منظورا غير غربي للتنمية والحكم والعلاقات الدولية، هي لا تدعي أنها حلول جاهزة للجميع، بل تؤكد أن كل أمة يجب أن تمشي طريقها الخاص.

أثناء ترجمة هذه الأفكار، كنت أفكر في مصر أكثر مما أفكر في الصين، صارت النصوص الصينية مرآة تعكس الأسئلة عليّ: ماذا تعني التنمية بالنسبة لنا؟ أي نوع من الحداثة يناسب مجتمعنا؟ ما الذي يجب أن نحافظ عليه، وما الذي يجب أن نغيره؟

بهذا المعنى، لم تكن الترجمة نشاطا مهنيا فقط، كانت رحلة شخصية وفكرية.

لقد منحتني الترجمة وطنا فكريا ثانيا، ولدت في مصر، وتربيت في تاريخها وثقافتها، لكن عبر الترجمة، اكتشفت فضاء آخر للتفكير، فضاء يقوم على الصبر والتوازن والنظر الطويل إلى التاريخ.

الصين بالنسبة لي ليست مجرد دولة، إنها مدرسة فكرية، تعلمنا أن الحضارات تتحرك بسرعات مختلفة، ولا يجب إجبارها على مسارات متطابقة.

مع مرور السنوات، تعمق تقديري للعلاقة بين مصر والصين، هاتان ليستا مجرد دولتين حديثتين توقعان اتفاقيات، إنهما حضارتان قديمتان نجتا من قرون طويلة من الحروب والغزوات والتحولات.

حين يفتح قارئ مصري كتابا صينيا باللغة العربية، هذا ليس فعلا بسيطا، إنه حوار بين النيل والنهر الأصفر، بين ذاكرتين حضاريتين طويلتين تتعرفان على بعضهما عبر الزمن.

بعد عقود من الترجمة، لم أعد أرى الثقافات كجزر معزولة، أراها فصولا في قصة إنسانية واحدة، لغات مختلفة، خطوط مختلفة، لكن الكتاب واحد.

علمتني الترجمة التواضع، علمتني أن الحكمة لا تحمل جواز سفر، علمتني أن جملة كتبت قبل ألفي عام في لغة أخرى لا تزال قادرة على مواساة إنسان اليوم.

وربما كان أهم ما تعلمته هو هذا الدرس: الطريق بين الحضارات لا يستورد جاهزا، بل يصنع خطوة بعد خطوة، على يد من يجرؤون على السير فيه.

ملحوظة المحرر: أحمد السعيد هو عالم صينيات مصري ورئيس مجموعة بيت الحكمة الثقافية في مصر.

شاهد أيضاً

اسعار الذهب اليوم

اسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت اسعار الذهب اليوم السبت 30 مايو كالتالي :عيار 22 94.900 دينارعيار 21 …