2:05 مساءً / 30 مايو، 2026
آخر الاخبار

رؤية شرق أوسطية: الصين والدول العربية.. شراكات استراتيجية تتوسع بثبات رغم التوترات الجيوسياسية

رؤية شرق أوسطية: الصين والدول العربية.. شراكات استراتيجية تتوسع بثبات رغم التوترات الجيوسياسية

شفا – (شينخوا) في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، وتصاعد التوترات الجيوسياسية في مناطق عديدة لاسيما الشرق الأوسط، برزت الصين خلال السنوات الأخيرة كشريك استراتيجي يحظى بثقة الدول العربية، انطلاقا من رؤية تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية والعمل على تحقيق المصالح المشتركة والتنمية المتبادلة.

وأسهم هذا النهج في تعزيز الحضور الصيني داخل المنطقة العربية بصورة كبيرة، وجعل العلاقات العربية الصينية تشهد طفرة غير مسبوقة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والتنموية، وفق مراقبين عرب تحدثوا لوكالة أنباء ((شينخوا)).

وأكد الخبراء، أن العلاقات بين الصين والدول العربية تتجه نحو مزيد من النمو والتطور خلال السنوات المقبلة في ظل وجود إرادة سياسية مشتركة ومصالح متبادلة ورؤية تنموية تقوم على التعاون والشراكة، الأمر الذي يجعل هذه العلاقات نموذجا مهما للتعاون الدولي.

— شراكة لا هيمنة

وقال أبو بكر الديب مستشار المركز العربي للبحوث والدراسات بالقاهرة إن العلاقات بين الصين والدول العربية شهدت تطورا كبيرا وزخما استثنائيا في السنوات الأخيرة، في ظل التقارب المتزايد في الرؤى والمواقف بشأن العديد من القضايا الدولية والإقليمية.

وأوضح الديب أن الدول العربية تنظر إلى الصين باعتبارها قوة كبرى تتعامل مع المنطقة من منطلقات قائمة على الشراكة وليس الهيمنة وفرض الشروط، في حين تنظر الصين إلى الدول العربية باعتبارها شريكا مهما في إطار رؤيتها للتعاون الدولي، وفي إطار مبادرة “الحزام والطريق” التي تعد إحدى أهم المبادرات الاقتصادية والتنموية العالمية خلال العصر الحديث.

وأردف أن هذه الرؤية المشتركة ساعدت على بناء جسور سياسية قوية بين الجانبين، انعكست في تزايد الزيارات المتبادلة بين القادة والمسؤولين وتوسيع آليات التشاور السياسي وتنسيق المواقف في العديد من المحافل الدولية.

واعتبر الديب أن مصر نموذج مهم ومميز لتطور العلاقات العربية الصينية، باعتبارها أول دولة عربية وإفريقية أقامت علاقات دبلوماسية مع الصين، منوها بأن العلاقات المصرية الصينية أصبحت نموذجا متقدما للشراكات الاستراتيجية الشاملة التي تقوم على أسس التعاون طويل الأجل والرؤية المشتركة تجاه التنمية والاستقرار الإقليمي والدولي.

واستطرد قائلا إن العلاقات المصرية الصينية شهدت نقلة نوعية كبيرة منذ إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين في عام 2014، حيث أسهمت هذه الشراكة في فتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات، حتى أصبحت العلاقات الثنائية تتجاوز حدود التعاون التقليدي إلى بناء نموذج متكامل للشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد يقوم على تبادل المنافع وتحقيق المصالح المشتركة.

وشاطره الرأي الباحث السعودي في مركز الرياض للدراسات السياسية والاستراتيجية عبد العزيز الشعباني بقوله إن العلاقات بين الصين والدول العربية، ومنها السعودية، شهدت تطورا واضحا ومتسارعا، وانتقلت من إطار التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكات الاستراتيجية الشاملة.

وأضاف الشعباني أن الشراكة الاستراتيجية بين الصين والسعودية دفعت التعاون الثنائي إلى آفاق أوسع في مجالات السياسة والطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والثقافة، خصوصا في ظل التحولات الاقتصادية التي تشهدها السعودية ضمن “رؤية 2030”.

وذهب إلى الرأي ذاته المحلل التونسي محمد بوعود بتأكيده أن العلاقات بين تونس والصين تشهد انتعاشة قوية في مختلف المجالات، وتتقدم بخطى حثيثة نحو مزيد من توثيق الصداقة بين البلدين والتشابك الاقتصادي والاجتماعي بين الشعبين.

وأوضح أن الصين تسعى لتوطيد العلاقات مع كل بلدان المنطقة وتسير في ذلك بشكل مدروس، ما يوفر مناخا جيدا للاستثمار والتعاون المشترك.

واتفق الكاتب الإماراتي مصطفى الزرعوني مع سابقيه، مشيرا إلى أن العلاقات الصينية العربية تطورت بشكل كبير، لأنها بنيت على المصالح المشتركة والتنمية الاقتصادية.

ولفت إلى أن الصين تنظر للمنطقة العربية كشريك مهم في الطاقة والتجارة والممرات البحرية، بينما ترى الدول العربية في الصين قوة اقتصادية عالمية قادرة على تقديم فرص تنموية واستثمارية ضخمة.

ورأى الزرعوني أن العلاقات الإماراتية الصينية تمثل نموذجا متقدما لهذا التعاون، في ظل التوسع المستمر في مجالات الشراكة السياسية والاقتصادية والثقافية بين البلدين.

وأشار إلى أن الإمارات نجحت في بناء علاقة متوازنة مع الصين تقوم على المصالح الاقتصادية والتعاون طويل المدى، مبينا أن الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين وسعت مجالات التعاون من التجارة والطاقة إلى الذكاء الاصطناعي والموانئ والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة.

— نهج صيني

وحدد المراقبون عدة أسباب دفعت إلى تحقيق طفرات كبيرة في العلاقات الصينية العربية.

ومن بين هذه الأسباب، وفق أبو بكر الديب، وجود مصالح اقتصادية وتنموية مشتركة بين الجانبين، حيث تحتاج الدول العربية إلى شراكات تساعدها على تنفيذ خطط التنمية الوطنية، بينما تحتاج الصين إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع المنطقة العربية باعتبارها إحدى المناطق الحيوية في العالم.

وأوضح الديب أن النهج الصيني القائم على احترام الخصوصيات الوطنية وعدم فرض نماذج سياسية أو اقتصادية محددة ساهم في تعزيز الثقة المتبادلة بين الصين والدول العربية، كما أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي واتجاهه نحو التعددية القطبية دفعت العديد من الدول العربية إلى تنويع شراكاتها الدولية والانفتاح على قوى دولية تمتلك قدرات اقتصادية وتنموية كبيرة مثل الصين.

واتفق عبد العزيز الشعباني مع سابقه بتأكيده أن “تنامي الدور الاقتصادي للصين عالميا، واحتياج الدول العربية إلى شراكات تنموية طويلة المدى، والنظرة الإيجابية تجاه الصين باعتبارها شريكا يركز على التنمية والتعاون الاقتصادي دون تدخل في الشؤون الداخلية” وراء الطفرة الكبيرة في العلاقات الصينية العربية.

بينما قال محمد بوعود إن نفور الشعوب العربية من نمط التعاون الأمريكي “الاستغلالي”، وما خلقه النفوذ الأمريكي من مشكلات في المنطقة، جعلها تبحث عن شريك جديد موثوق ولديه رغبة حقيقية في التعاون دون استغلال أو حسابات استعمارية، وقد وجدت دول المنطقة ضالتها في القوة الصينية الصاعدة.

في حين رأى مصطفى الزرعوني أن رغبة الدول العربية في تنويع شراكاتها الدولية ساهمت في تعزيز العلاقات مع الصين، التي تقدم نفسها كشريك يركز على التنمية والبنية التحتية والاستثمار، وهي أولويات تتوافق مع خطط التطوير التي تنفذها دول الخليج والإمارات على وجه الخصوص.

— الشريك التجاري الأول

وارتفع حجم التجارة بين الصين والدول العربية من 36.7 مليار دولار في 2004 إلى أكثر من 400 مليار دولار في 2024، أي بزيادة أكثر من 10 أضعاف في 20 عاما. وتعد الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية لسنوات عديدة متتالية.

وقال المحلل السياسي الليبي كمال المرعاش إن الصين أصبحت منذ سنوات “مصنع العالم الذي لا يستغني عنه أحد”، وحققت طفرة في الإنتاج المتنوع غير مسبوقة، ومن هذا المنطلق فإن تطور العلاقات التجارية والاستثمارية بين الصين والدول العربية يشهد تسارعا ملحوظا، وليبيا رغم ما تعانيه من الانقسامات إلا أن الصين حاضرة وبقوة في مشاريع الإعمار والبني التحتية.

وتابع أن الشركات الصينية تشارك وبقوة في مشاريع الإعمار في منطقة الشرق الليبي، حيث تنفذ هذه الشركات “مشروع 20 ألف وحدة سكنية في بنغازي وعدة جسور وكباري”.

وأوضح أنه من المميزات المهمة للتعاون مع الصين في مجالات البناء والتطوير أنها لا تربط ذلك بالشروط والتقلبات السياسية، وهذا جعلها شريكا موثوقا به.

من جهته أكد الشعباني أن الصين أحد أهم الشركاء الاقتصاديين للسعودية سواء في التجارة أو الاستثمار أو تنفيذ المشاريع الكبرى، مشيرا إلى أن الشركات الصينية تشارك في مشاريع متنوعة بالسعودية تشمل البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والموانئ والاتصالات، إضافة إلى مساهمتها في بعض مشاريع المدن الذكية والطاقة المتجددة.

وأردف: كما تعد الصين الشريك التجاري الأكبر للسعودية خلال السنوات الأخيرة، حيث شهد حجم التبادل التجاري نموا كبيرا مدفوعا بتعاون قوي في في عدة قطاعات.

بدوره، أوضح بوعود أن حجم التبادل التجاري بين تونس والصين ارتفع بشكل كبير إلى 9.2 مليار دينار تونسي (3.17 مليار دولار) في 2025 مقارنة بـ 6.3 مليار دينار (2.17 مليار دولار) في 2022، وهو ما يؤشر إلى النمو المتزايد والسريع لحجم التبادل التجاري بين البلدين.

في حين اعتبر الزرعوني أن الإمارات أصبحت اليوم إحدى أهم بوابات الصين التجارية والاستثمارية في المنطقة، مستشهدا بوجود أكثر من 15 ألف شركة صينية تعمل في الإمارات، وهو ما يعكس حجم الثقة التي تحظى بها البيئة الاستثمارية الإماراتية لدى الشركات الصينية.

وأضاف أن العلاقات الاقتصادية بين الإمارات والصين أصبحت من الأقوى في المنطقة، مشيرا إلى أن الصين تعد الشريك التجاري الأول للإمارات، حيث تجاوز حجم التجارة الثنائية بين البلدين 100 مليار دولار في 2024.

بينما أوضح الديب أن العلاقات التجارية بين مصر والصين شهدت تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة حتى أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لمصر، بعد أن شهد حجم التبادل التجاري بين البلدين نموا مستمرا مدفوعا بتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي.

وأشار إلى أن مصر أصبحت وجهة جاذبة للاستثمارات الصينية بفضل موقعها الاستراتيجي، ولفت إلى أن الصين تشارك بفاعلية في تنفيذ وتمويل عدد كبير من المشروعات الضخمة في مصر، والتي تمثل إضافة مهمة لمسار التنمية الاقتصادية، مثل منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة، فضلا عن مشروعات تتعلق بشبكات الكهرباء والطاقة والنقل والبنية التحتية، إلى جانب مساهماتها في تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

— “الحزام والطريق”

واعتبر بوعود أن مبادرة “الحزام والطريق” حل نموذجي لعلاقات اقتصادية أكثر أملا وعدلا في العالم، وأشار إلى أن تونس استفادت من المبادرة عبر الحصول على تمويلات صينية لعدد من مشاريع التنمية والبنية الأساسية في قطاعات مياه الشرب والري والصحة والتعليم والطرق والموانئ.

وفق بوعود، فقد شهدت تونس إنشاءات صينية ضخمة على غرار مستشفى القيروان وجسر بنزرت ومعهد الدبلوماسية وغيرها.

بدوره، أشار الشعباني إلى أن السعودية استفادت من مبادرة “الحزام والطريق” في تعزيز الربط اللوجستي والاستثماري، ودعم مشاريع البنية التحتية والتعاون الصناعي، إضافة إلى توسيع فرص التعاون في مجالات النقل والطاقة والتكنولوجيا، بما ينسجم مع أهداف التنويع الاقتصادي والتنمية طويلة المدى.

فيما أكد الزرعوني أن الإمارات استفادت بصورة واضحة من مبادرة “الحزام والطريق” خاصة في قطاعات الموانئ والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، مشيرا إلى أن موقع الإمارات الاستراتيجي وبنيتها التحتية المتطورة جعلاها محطة رئيسية ضمن المبادرة.

وأضاف أن ميناء خليفة يعد أحد أبرز نماذج التعاون الإماراتي الصيني في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، لما يمثله من أهمية في دعم حركة التجارة الدولية وتعزيز الربط اللوجستي بين الأسواق الإقليمية والعالمية.

بدوره، رأى الديب أن مبادرة “الحزام والطريق” ساهمت في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين مصر والصين، حيث استفادت مصر من هذه المبادرة التي تعد واحدة من أكبر المبادرات التنموية والاقتصادية على مستوى العالم.

وأضاف أن مصر تمثل موقعا محوريا داخل المبادرة نظرا لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، وساعدت المبادرة في جذب المزيد من الاستثمارات الصينية إلى مصر وتعزيز مشروعات البنية التحتية.

— زخم ثقافي

ولم يقتصر تطور العلاقات الصينية العربية على المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية بل امتد بصورة واضحة ليشمل الجوانب الثقافية والتعليمية أيضا.

وأكد الديب أن العلاقات الثقافية الصينية العربية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورات كبيرة تعكس عمق التقارب الحضاري بين الجانبين، وكان لمصر نصيب مهم من هذا التطور في ضوء تاريخها الثقافي والحضاري العريق وعلاقاتها الممتدة مع الصين.

بينما رأى الشعباني أن العلاقات الثقافية بين الصين والسعودية شهدت تطورا ملحوظا مع تزايد الاهتمام باللغة الصينية وتوسيع برامج التبادل الثقافي والتعليمي وافتتاح أقسام ومبادرات لتعليم اللغة الصينية في عدد من المؤسسات التعليمية السعودية.

وأضاف أن الفعاليات الثقافية والمعارض والأنشطة المشتركة ساهمت في تعزيز التعارف بين الشعبين، وهو ما يعكس انتقال العلاقات من المستوى الاقتصادي فقط إلى مستوى أعمق يشمل الثقافة والتعليم والتواصل الحضاري.

في حين أكد بوعود أن النشاط الثقافي الصيني في تونس ازداد بشكل سريع وملحوظ خصوصا منذ إنشاء معهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية، والذي يحتضنه معهد بورقيبة للغات، حيث يوفر دورات مكثفة وتفصيلية لكل الراغبين في تعلم اللغة الصينية، فضلا عن المساعدات الصينية في مجال التراث والآثار.

فيما أشار الزرعوني إلى أن الإمارات شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعا ملحوظا في البرامج التعليمية والأنشطة الثقافية المرتبطة بالصين، سواء من خلال معاهد كونفوشيوس أو برامج تعليم اللغة الصينية في المدارس والجامعات.

شاهد أيضاً

تهاني رفعت بشارات

أقداركم تُؤخذ من أفواهكم ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات

أقداركم تُؤخذ من أفواهكم ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات ليست الكلمات حروفاً تُقال …