10:55 صباحًا / 4 مايو، 2026
آخر الاخبار

إعادة اختراع الاقتصاد الفلسطيني: من الدولة المُشغِّلة إلى الدولة الممكنة للإنتاج ، بقلم: د. عماد سالم

إعادة اختراع الاقتصاد الفلسطيني: من الدولة المُشغِّلة إلى الدولة الممكنة للإنتاج ، بقلم: د. عماد سالم

يأتي هذا المقال استرشاداً بالنقاش الوطني الذي أثارته المادة المنشورة في صحيفة الحدث بتاريخ 4 أيار 2026 بعنوان: “من الاستهلاك إلى الإنتاج: خارطة طريق لإعادة هيكلة الوظيفة العمومية”، والتي فتحت باباً وطنياً واسعاً للتفكير في سؤال مصيري يتعلق بمستقبل الاقتصاد الفلسطيني: هل ستبقى الدولة الفلسطينية رهينة نموذج اقتصادي يقوم على الرواتب والاستهلاك والاعتماد الخارجي، أم أن اللحظة التاريخية تفرض الانتقال إلى نموذج جديد قوامه الإنتاج، والمهارة، والاقتصاد الحقيقي، والاعتماد النسبي على الذات؟

ليست الأزمة التي تعيشها فلسطين اليوم أزمة مالية عابرة، ولا مجرد أزمة سيولة ناجمة عن احتجاز أموال المقاصة، أو تراجع الدعم الدولي، أو القيود المشددة على الحركة والتجارة والعمل؛ بل هي أزمة بنيوية مركبة تمسّ الأساس الذي بُني عليه الاقتصاد الفلسطيني خلال العقود الثلاثة الماضية. لقد تشكل هذا الاقتصاد في ظروف استثنائية، تحت الاحتلال، وداخل فضاء سياسي واقتصادي مقيد، فبرزت الدولة – أو السلطة الوطنية – بوصفها أكبر مشغّل، وأكبر موزّع للدخل، وأكبر ضامن اجتماعي، في حين تراجعت القطاعات الإنتاجية لصالح قطاع خدماتي متضخم، يعتمد في جوهره على الإنفاق الجاري أكثر من اعتماده على خلق القيمة المضافة.

هذه المعادلة كانت قابلة للاستمرار نسبياً عندما كانت المقاصة تتدفق، والمساعدات الخارجية تتوافر، وسوق العمل الخارجي يستوعب جزءاً من القوة العاملة الفلسطينية، لكن هذه المرتكزات الثلاثة بدأت تتآكل تباعاً، حتى أصبح النموذج برمته يواجه أزمة وجود، لا أزمة إدارة. ومع كل أزمة رواتب، ومع كل تعثر مالي، ومع كل تراجع في القدرة التشغيلية للدولة، ينكشف خلل أعمق: اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويستورد أكثر مما يصنع، وينفق أكثر مما يملك، وينتظر أكثر مما يبادر.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الوظيفة العمومية وحده، بل في كيفية توظيف رأس المال البشري الوطني. فلسطين تملك ثروة لا تزال أقل استثماراً من إمكاناتها: الإنسان الفلسطيني؛ المتعلم، القادر على التكيف، سريع التعلم، واسع الانتشار المعرفي، وذي الدافع العالي نحو الإنجاز إذا توفرت البيئة المناسبة. غير أن جزءاً مهماً من هذه الطاقة حُبس داخل قوالب بيروقراطية جامدة، وفي وظائف لا تستثمر المهارة بقدر ما تستهلك الزمن الوظيفي. وهنا تظهر الحاجة إلى نقلة فكرية كبرى: الانتقال من مفهوم الموظف إلى مفهوم المنتج، ومن فلسفة التوظيف إلى فلسفة التمكين الاقتصادي، ومن الدولة المُشغِّلة إلى الدولة الممكنة للإنتاج.

لكن هذا التحول لا يبدأ بقرار إداري، بل يبدأ بإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بعدد من توظفهم، بل بقدرتها على خلق بيئة تمكن الناس من العمل والإنتاج والابتكار. الدولة الذكية ليست تلك التي تتحمل وحدها عبء التشغيل، بل التي تبني منظومة اقتصادية تجعل القطاع الخاص، والتعاونيات، والاقتصاد الاجتماعي، والاقتصاد الرقمي، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، محركات فعلية للنمو والتشغيل. دور الحكومة هنا يجب أن يتحول من “المُشغّل الأول” إلى “المُنظّم الأول، والمحفّز الأول، والممكن الأول”.

وهذا يقودنا إلى الحلقة الأهم: إصلاح التعليم والتدريب المهني والتقني. فليس من المنطقي أن نتحدث عن اقتصاد منتج دون منظومة وطنية لإنتاج المهارة. فلسطين بحاجة إلى ثورة هادئة لكنها عميقة في فلسفة التعليم؛ ثورة تنتقل من التركيز على الشهادة إلى التركيز على الكفاية، ومن التعليم النظري إلى التعلم التطبيقي، ومن تخريج باحثين عن وظيفة إلى إعداد صانعي فرص. هنا تبرز ضرورة بناء إطار وطني متكامل لتنمية المهارات، قائم على شراكة حقيقية بين الحكومة، والجامعات، ومراكز التدريب، والقطاع الخاص، والنقابات، والمجالس القطاعية للمهارات، بحيث تُبنى البرامج التدريبية وفق احتياجات الاقتصاد الفعلية لا وفق العرض التعليمي التقليدي.

إن آلاف الموظفين، وآلاف الخريجين، وآلاف الشباب الباحثين عن فرصة، يمكن أن يشكلوا قاعدة لانطلاقة إنتاجية جديدة إذا تم إطلاق برنامج وطني لإعادة التأهيل ورفع المهارات (Reskilling & Upskilling)، يستهدف نقل جزء من الكفاءات من المسارات الإدارية التقليدية إلى مسارات إنتاجية حديثة: الزراعة الذكية، التصنيع الغذائي، الطاقة المتجددة، الصيانة الصناعية، الخدمات اللوجستية، إدارة البيانات، البرمجة، التجارة الإلكترونية، الأمن السيبراني، خدمات التعهيد الخارجي، والتصنيع التقني الخفيف.

وفي هذا السياق، فإن الاقتصاد الرقمي ليس ترفاً فكرياً، بل فرصة استراتيجية لفلسطين. في عالم لم تعد فيه الحدود عائقاً أمام تصدير الخدمات، تستطيع فلسطين – إذا أحسنت الاستثمار في رأس مالها البشري – أن تبني قطاعاً رقمياً قادراً على استيعاب آلاف العاملين. يمكن تحويل فائض الكادر الإداري إلى قوة رقمية منتجة بعد تدريب منهجي، بحيث يصبح جزء من الموظفين السابقين أو الحاليين قادرين على العمل في خدمات رقمية للأسواق الخارجية، من إدارة المحتوى، إلى التحليل المالي، إلى مراكز الاتصال، إلى إدارة العمليات، إلى الخدمات التعليمية الإلكترونية. وهنا يصبح الموظف مولداً للعملة الصعبة، لا مستهلكاً لسيولة محدودة.

وفي المقابل، لا يمكن لأي اقتصاد أن ينهض دون إحياء قاعدته الإنتاجية المادية. الزراعة الفلسطينية ليست قطاعاً تراثياً فحسب؛ إنها قطاع سيادي، وأداة صمود، وفرصة تشغيل، ومنصة للتصنيع الغذائي، ومجال واسع لريادة الأعمال. وكذلك الصناعة، خصوصاً الصناعات الصغيرة والمتوسطة، والصناعات التكميلية، وإعادة التدوير، والطاقة الشمسية، والصناعات المرتبطة بالبناء والإسكان، كلها قطاعات يمكن أن تستوعب آلاف الأيدي العاملة إذا توفرت البيئة الحاضنة.

وهنا يمكن للدولة أن تطلق مشروعاً وطنياً بعنوان “الموظف المنتج”، يقوم على خمسة مسارات متوازية:
أولاً: الانتداب التنموي، بحيث يُتاح للموظف العمل جزئياً في مشروع إنتاجي أو شركة ناشئة أو تعاونية مع الاحتفاظ بجزء من حقوقه الوظيفية خلال فترة انتقالية.
ثانياً: التقاعد المنتج، من خلال تحويل مكافآت نهاية الخدمة إلى رأس مال تأسيسي لمشروعات صغيرة مدعومة فنياً ومالياً.
ثالثاً: التعاونيات الإنتاجية، بتشجيع مجموعات من الموظفين على إنشاء مشاريع زراعية أو صناعية أو خدماتية مشتركة، مدعومة بأراضٍ وتمويل وحوافز وتسويق.

رابعاً: التحول الرقمي المهني، عبر تدريب الكفاءات الإدارية على وظائف الاقتصاد الرقمي العالمي.
خامساً: الاستيعاب الإنتاجي المؤسسي، عبر إنشاء شركات وطنية تنموية تعمل وفق قواعد السوق والشفافية، في مجالات الزراعة، والطاقة، والإعمار، والخدمات، والسياحة، والتصنيع.

غير أن هذه المسارات تحتاج إلى مظلة مؤسسية؛ وهنا تظهر الحاجة إلى إنشاء صندوق وطني للتمكين والتحول الإنتاجي، يكون بمثابة الذراع التمويلية للتحول الاقتصادي، يمول التدريب، وضمانات القروض، والحوافز، وحاضنات الأعمال، وبرامج الانتقال، ومشاريع التشغيل المنتج. هذا الصندوق يجب أن يكون شراكة بين الحكومة، والقطاع الخاص، والمصارف، وصندوق الاستثمار، والمانحين، لكن وفق فلسفة جديدة: تمويل الإنتاج لا تمويل الاستهلاك.

كما تحتاج فلسطين إلى مراجعة شاملة للبنية التشريعية الناظمة للعمل والوظيفة العامة والاستثمار والتعاونيات والتعليم والتدريب. فالقوانين التي صيغت لاقتصاد تقليدي لا يمكن أن تقود اقتصاداً مرناً ومبتكراً. نحن بحاجة إلى تشريعات تسمح بالحركة بين القطاعات، وتحمي الحقوق، وتشجع المخاطرة المحسوبة، وتكافئ الإنتاج، وتفتح المجال أمام أشكال جديدة من العمل والتنظيم الاقتصادي.

ويبقى البعد الأهم هو الإرادة السياسية. فالتحول الاقتصادي ليس برنامج وزارة، ولا مشروع حكومة عابرة، بل رؤية وطنية عليا تحتاج إلى توافق سياسي ومجتمعي واسع، وإلى قيادة تضع الاقتصاد المنتج في صلب المشروع الوطني الفلسطيني، باعتباره أحد أعمدة الصمود والسيادة الممكنة. فكما أن فلسطين تحتاج إلى مقاومة سياسية تحفظ حقها، فإنها تحتاج أيضاً إلى مقاومة اقتصادية تبني قدرتها على الحياة.

إن اللحظة الراهنة، رغم قسوتها، قد تكون فرصة تاريخية لإعادة التفكير في كل شيء: في دور الدولة، في فلسفة العمل، في شكل التعليم، في بنية الاقتصاد، في معنى التنمية، وفي كيفية تحويل الأزمات إلى لحظة تأسيس جديدة.

السؤال لم يعد: كيف ندفع الرواتب؟

بل أصبح: كيف نبني اقتصاداً يجعل الراتب ثمرة إنتاج، لا عبئاً دائماً على خزينة منهكة؟
هناك يبدأ التحول الحقيقي… وهناك تبدأ فلسطين الجديدة اقتصاديّاً.

  • – د. عماد سالم – باحث وكاتب في قضايا التعليم والتنمية والسياسات العامة .

شاهد أيضاً

الاحتلال يقتحم بلدة اليامون غرب جنين ويشن حملة اعتقالات واسعة

الاحتلال يقتحم بلدة اليامون غرب جنين ويشن حملة اعتقالات واسعة

شفا – اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، صباح اليوم الاثنين، بلدة اليامون غرب جنين، وشنت حملة …