10:53 مساءً / 3 مايو، 2026
آخر الاخبار

المهارة أولًا: كيف يصبح التعليم والتدريب المهني والتقني محركًاً للتوظيف والتنمية في فلسطين؟ بقلم : د. عماد سالم

المهارة أولًا: كيف يصبح التعليم والتدريب المهني والتقني محركًاً للتوظيف والتنمية في فلسطين؟ بقلم: د. عماد سالم

لم يعد التعليم والتدريب المهني والتقني في العصر الحديث مجرد مسار تعليمي موازٍ أو خيار بديل لمن لم يجد مكانًا في التعليم الأكاديمي التقليدي، بل أصبح في الدول التي تدرك منطق التنمية الحديثة أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، وأداة استراتيجية لإنتاج المهارات، ورافعة رئيسية للتشغيل، ومحركًا مباشرًا للإنتاجية والابتكار والنمو الاقتصادي.

لقد تغيّرت فلسفة التعليم في العالم؛ فلم تعد الشهادة وحدها هي جواز العبور إلى سوق العمل، بل أصبحت المهارة، والقدرة على الإنجاز، والكفاءة العملية، والمرونة المهنية، والاستعداد المستمر للتعلم، هي رأس المال الحقيقي في اقتصاد المعرفة والإنتاج.

وفي فلسطين، حيث تتشابك تحديات الاقتصاد المحدود، والبطالة المرتفعة، والقيود المفروضة على الحركة والاستثمار، والاختلالات البنيوية في سوق العمل، يصبح التعليم والتدريب المهني والتقني ليس ترفًا تنمويًا، بل ضرورة وطنية واقتصادية واجتماعية. فمجتمع شاب، ونسب بطالة مرتفعة، وتزايد أعداد الخريجين، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، كلها مؤشرات تؤكد أن المطلوب لم يعد مجرد توسيع القبول في المؤسسات التعليمية، وإنما إعادة بناء فلسفة التأهيل الوطني على قاعدة المهارة.


إن السؤال الجوهري الذي يجب أن يحكم السياسات التعليمية اليوم لم يعد: كم خرّجنا؟ بل: ماذا يستطيع الخريج أن يفعل؟


وهذا السؤال هو جوهر التحول العالمي نحو التعليم والتدريب المهني والتقني المستند إلى المهارات؛ أي التعليم الذي يبدأ من تحليل احتياجات الاقتصاد، ويحدد المهارات المطلوبة في كل قطاع، ثم يبني المناهج، وبرامج التدريب، وبيئات التعلم، ونظم التقييم، والشهادات المهنية، على أساس كفايات واضحة قابلة للقياس والتطوير.

لقد أثبتت تجارب Germany وSwitzerland وSingapore أن التعليم المهني لا يصبح قويًا حين يزداد عدد مدارسه، بل حين يصبح مرتبطًا ببنية الاقتصاد، ومستجيبًا لحركة السوق، وقادرًا على إنتاج مهارات قابلة للتشغيل فورًا. العامل الفني في هذه الدول ليس هامشًا في الاقتصاد، بل جزء من قلبه النابض؛ والمدرب المهني ليس ناقل معرفة، بل صانع كفاءة؛ والمؤسسة التدريبية ليست مبنى تعليميًا فحسب، بل منصة إنتاج للمهارات الوطنية.


أما في فلسطين، فإن الحاجة إلى هذا التحول أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، خاصة في القطاعات الواعدة مثل الطاقة المتجددة، والصناعات الغذائية، والزراعة الذكية، والخدمات اللوجستية، وتكنولوجيا المعلومات، والصيانة الصناعية، والبناء الحديث، والمهن الصحية المساندة، والحرف ذات القيمة المضافة. هذه القطاعات لا تحتاج إلى شهادات معلقة على الجدران، بل إلى أيدٍ ماهرة، وعقول تقنية، وكفاءات تشغيلية قادرة على الإنتاج والابتكار والتكيّف.
ومن هنا، فإن بناء منظومة وطنية للمهارات في فلسطين يجب أن يقوم على عدة مرتكزات استراتيجية:


أولاً: إقرار معايير وطنية للمهارات والكفايات المهنية تكون مرجعًا للمناهج والتقييم والاعتماد.
ثانياً: إعادة تصميم البرامج التدريبية وفق الجدارات المهنية لا وفق المناهج التقليدية الجامدة.
ثالثاً: إدماج المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال في مختلف التخصصات المهنية، لأن عامل المستقبل لن يكون مجرد منفذ، بل مشاركًا في الابتكار والتطوير.


رابعاً: تعزيز التعلم في بيئة العمل بوصفه جزءًا أصيلًا من العملية التعليمية، لا نشاطًا تكميليًا.
خامساً: بناء مسارات مرنة للتعلم مدى الحياة تسمح للفرد بالتقدم المهني والتخصصي المستمر.
سادساً: إشراك القطاع الخاص في تصميم البرامج التدريبية، لأن أصحاب العمل هم الأقدر على تحديد المهارات المطلوبة فعلًا.

إن التعليم المهني القائم على المهارات ليس سياسة تعليمية فحسب؛ بل سياسة اقتصادية واجتماعية ووطنية. فهو يقلل البطالة، ويرفع الإنتاجية، ويزيد تنافسية الاقتصاد، ويمنح الشباب كرامة العمل، ويحوّل الإنسان من باحث عن وظيفة إلى صانع قيمة.
إن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كم عدد المؤسسات المهنية التي لدينا؟ بل: كم عدد الشباب الذين يمتلكون مهارات يحتاجها الاقتصاد فعلًا؟

وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي.

وفي قلب هذا التحول، تبرز الهيئة الوطنية للتعليم والتدريب المهني والتقني باعتبارها المرجعية الوطنية القادرة على قيادة هذا المسار، وتوحيد الرؤية، ومواءمة السياسات، وبناء الشراكات، وتفعيل مجالس المهارات القطاعية، وربط التعليم المهني مباشرةً بالاقتصاد الوطني وخطط التنمية. فنجاح هذا القطاع يحتاج إلى قيادة وطنية واضحة، وحوكمة فعالة، واستثمار ذكي في رأس المال البشري.

إن فلسطين لا تحتاج فقط إلى فرص عمل؛ بل تحتاج إلى شباب يمتلكون مهارات تصنع فرص العمل، وإلى منظومة ترى في المهارة قوة وطنية، وفي العامل الفني شريكًا في البناء، وفي التعليم المهني استثمارًا سياديًا في مستقبل الاقتصاد. وحين تصبح المهارة أولوية وطنية، يصبح التشغيل أكثر ديناميكية، والتنمية أكثر استدامة، والاقتصاد أكثر قدرة على الصمود والإنتاج.

  • – د. عماد سالم – باحث وكاتب في قضايا التعليم والتنمية والسياسات العامة

شاهد أيضاً

مديرية التوجيه الوطني والمعنوي برام الله تبحث ترتيبات إحياء ذكرى النكبة

مديرية التوجيه الوطني والمعنوي برام الله تبحث ترتيبات إحياء ذكرى النكبة

شفا – عقدت مديرية التوجيه الوطني والمعنوي في محافظة رام الله والبيرة، اجتماعا في مقرها، …