12:22 صباحًا / 1 مايو، 2026
آخر الاخبار

حين يتعب الوطن ومن فيه: فلسطين بين وجع الناس وانكسار القدرة على الاحتمال ، بقلم: الدكتور عماد سالم

حين يتعب الوطن ومن فيه: فلسطين بين وجع الناس وانكسار القدرة على الاحتمال ، بقلم: الدكتور عماد سالم


في فلسطين اليوم، لم تعد الأزمة عنواناً اقتصادياً، ولا حالة طارئة يمكن تفسيرها في نشرة أخبار أو احتواؤها في تصريح رسمي. نحن أمام تراكم طويل ومؤلم لأزمات متداخلة لم تعد تفصل بينها حدود واضحة: الرواتب تتشابك مع الديون، والصحة تتداخل مع القدرة على العلاج، والتعليم يصارع من أجل الاستمرار، والعمل يتحول إلى معركة يومية، والاقتصاد يضيق على الجميع، والسياسة تبدو في كثير من الأحيان أبعد من أن تلامس وجع الناس الحقيقي، فيما تتسع دوائر القلق لتشمل المؤسسات الدولية التي كانت تاريخياً تشكل صمام أمان اجتماعياً وإنسانياً لشريحة واسعة من أبناء شعبنا.


في هذه اللحظة، لم يعد الألم حدثاً استثنائياً، بل أصبح نمط حياة مفروضًاً على الناس؛ يتسلل إلى تفاصيل البيوت، إلى موائد الطعام، إلى دفاتر الديون، إلى صمت الآباء، إلى قلق الأمهات، وإلى أعين الشباب الذين ينتظرون فرصة لا تأتي، وأففاً لا يتضح، ومستقبلاً يبدو مؤجلاً إلى أجل غير معلوم.


لم يعد السؤال: ماذا يحدث؟
بل السؤال الأكثر قسوة:
كيف وصل الفلسطيني، صاحب الصبر الأسطوري، إلى هذا الحد من العجز عن الحياة الطبيعية؟


الموظف… بين راتبٍ يتآكل وحياةٍ لا تنتظر
الموظف الفلسطيني لم يعد يعيش أزمة راتب، بل يعيش أزمة وجود معيشي كامل.
راتب يتأخر، أو يُجزّأ، أو يصل منقوصاً،لا بل اصبح يصل بمبلغ مقطوع لا يفي الحد الادنى للعيش، والتزامات لا ترحم: إيجارات، أقساط جامعية ومدرسية، فواتير، علاج، مواصلات، وحاجات بيتية تتضاعف فيما الدخل يتراجع.
لم يعد الموظف يفكر في تحسين حياته، بل في كيفية منعها من الانهيار.
باتت البيوت تُدار على الحساب، وعلى الدين، وعلى تأجيل المستحقات، وعلى الاستدانة من القريب قبل الغريب، وعلى القلق الذي ينام مع الناس ويستيقظ معهم.


وامتدت الأزمة من ضيق العيش إلى إهانة القدرة على الوفاء بالالتزامات؛ شيكات مرتجعة، قروض متعثرة، مطالبات قضائية، وأوامر حبس باتت تطارد كثيرين لا لأنهم عبثوا بأموالهم، بل لأنهم حاولوا النجاة بأسرهم في زمن صار فيه العيش نفسه دينًا مؤجلًا.
والسؤال الذي يسكن صدور الناس اليوم ليس: متى تتحسن الأحوال؟
بل:
كم بقي من القدرة على الاحتمال قبل أن ينكسر هذا الإنسان من الداخل؟
العامل الفلسطيني… من معيلٍ لأسرته إلى عاطلٍ ينتظر المجهول
أما العامل الفلسطيني، وخاصة من كان يعمل داخل الخط الأخضر، فقد انتقل من التعب اليومي الشريف إلى بطالة قسرية قاسية وطويلة.
آلاف العمال، وربما عشرات الآلاف، وجدوا أنفسهم خارج سوق العمل منذ أكثر من عامين، دون دخل ثابت، ودون تعويض عادل، ودون شبكة حماية اجتماعية، ودون خطة وطنية واضحة لإنقاذهم من السقوط الحر.
هذه ليست أزمة وظيفة…
هذه كارثة اجتماعية صامتة.
بيوت كاملة فقدت مصدر رزقها الأساسي.
أسر كانت تعيش بالكفاف، أصبحت تعيش على المساعدات أو على الديون أو على بيع ما تملك لتبقى واقفة.
شباب كانوا يعيلون أسراً كاملة، باتوا اليوم يجلسون على قارعة الانتظار، مثقلين بالعجز، وبنظرات أبنائهم، وبأسئلة الحياة التي لا يملكون لها جواباً.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز سؤال موجع لا يجوز الهروب منه:
أين دور اتحاد عمال فلسطين؟ وأين النقابات؟ وأين المؤسسات ذات العلاقة؟
هل هناك من يدرك حجم هذه المأساة؟
هل هناك من يسمع صوت العامل الذي كان يخرج قبل الفجر ليعود بلقمة شريفة، فأصبح اليوم عاجزاً حتى عن تدبير أساسيات الحياة؟
الحركة النقابية… حين يصبح صوت العمال صدى بعيداً
في الأول من أيار، يوم العمال العالمي، خرج الاتحاد العام لعمال فلسطين ببيان حمل مطالب عادلة ومشروعة: تعديل قانون العمل، إقرار الحماية الاجتماعية، إصدار قانون ضمان اجتماعي عادل، ربط الأجور بارتفاع تكاليف المعيشة، إنشاء محاكم عمل متخصصة، إعفاء العمال من ديون التأمين الصحي، وتجميد أوامر الحبس بحق المتعثرين والعاطلين عن العمل.


كلها مطالب عادلة… لكن السؤال الأكثر وجعًا:
هل يكفي البيان حين يكون العامل قد غرق؟
أين كان هذا الصوت حين تعطلت آلاف الأسر عن العمل؟
أين كان حين تمددت البطالة، وتراكمت الديون، وتآكلت الكرامة المعيشية، وضاقت الحياة بمن كانوا يحملون اقتصاد أسرهم على أكتافهم؟
إن العمال لا يحتاجون إلى خطاب موسمي، بل إلى حضور نقابي يومي، ودفاع حقيقي، وضغط منظم، وتمثيل صادق بحجم الألم.
فالعمل النقابي ليس مناسبة خطابية، بل خط الدفاع الأول عن كرامة العامل وحقه في الحياة.


التعليم… حين يرهق الواقع من يصنع الوعي والمستقبل


القطاع التعليمي الفلسطيني اليوم لا يمر بضائقة عابرة، بل يعيش أزمة مركبة تمس جوهر العملية التعليمية نفسها.
فالمدرسة التي يفترض أن تكون مساحة لبناء الإنسان وصناعة المستقبل، أصبحت تواجه ضغوطًا متراكمة: اكتظاظ في الصفوف، نقص في الإمكانات، تراجع في البيئة التعليمية، ضعف في التحديث والتطوير، واتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل والتحولات التكنولوجية المتسارعة.
لكن جوهر الأزمة يكمن في المعلم نفسه؛ العمود الفقري للعملية التعليمية، وصانع الوعي، وحامل رسالة وطنية عظيمة.
هذا المعلم يعيش اليوم تحت ضغط معيشي خانق نتيجة أزمة الرواتب؛ راتب منقوص أو متأخر، التزامات أسرية متراكمة، ديون تثقل كاهله، قلق يومي على احتياجات بيته وأبنائه، وشعور متزايد بعدم الأمان الاقتصادي والاجتماعي.


والمشكلة هنا لا تتعلق بالمعلم كفرد فقط، بل بانعكاس ذلك على الصف الدراسي نفسه.
فالمعلم المثقل بالديون، والمشغول بتأمين أساسيات حياته، والمستنزف نفسيًا تحت ضغط الأزمة، كيف يُطلب منه أن يدخل غرفته الصفية بكامل طاقته الذهنية والنفسية والإبداعية؟
كيف يُطلب منه أن يكون ملهمًا، ومبتكرًا، وصانعًا للأمل، بينما هو يقاتل يوميًا للحفاظ على توازن حياته؟
إن الضغط المالي المستمر على المعلم أنتج آثارًا واضحة:
تراجع في الدافعية، إنهاك نفسي، استنزاف ذهني، ضعف القدرة على التركيز الكامل في الرسالة التعليمية، وتآكل تدريجي في البيئة التربوية التي تحتاج إلى معلم مستقر نفسيًا ومهنيًا ومعيشيًا.


وهنا تصبح الحقيقة المؤلمة واضحة:
حين تُرهَق معيشة المعلم، تُرهَق المدرسة، وحين تُرهَق المدرسة، يُرهَق مستقبل الوطن كله.
فالتعليم لا يُنقذ بالشعارات، بل بإنصاف المعلم، وحماية كرامته المعيشية، وإعادة الاعتبار للتعليم كأولوية وطنية لا كقطاع ينتظر دوره في قائمة الأزمات.


وكالة الغوث… حين تضيق المظلة التي احتمى بها الناس طويلاً


ولأن الوجع الفلسطيني لم يعد محصورًا في مؤسسة أو قطاع، فقد امتدت الأزمة إلى وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، المؤسسة التي شكلت لعقود شبكة أمان إنسانية واجتماعية لمئات آلاف الأسر الفلسطينية.
اليوم، يواجه العاملون فيها ضغوطًا معيشية إضافية مع تقليص ما نسبته نحو 20% من الراتب، وتراجع الاستقرار الوظيفي، وتقليص الدوام للعاملين، وانعكاس ذلك على انتظام الخدمات التعليمية والصحية والإغاثية التي تقدمها مدارسها ومراكزها.


ولا يقف الأمر عند الرواتب، بل يمتد إلى نقص الأدوية، وتراجع المساعدات، وتجميد أو وقف التعيينات، وتقليص البرامج والخدمات؛ وهو ما يعني ببساطة أن العبء ينتقل مباشرة إلى المواطن الفلسطيني الذي لم يعد يحتمل أصلاً أعباءً جديدة.
اللاجئ الذي كان يعتمد على خدمة صحية، أو تعليمية، أو إغاثية، وجد نفسه أمام أبواب تضيق شيئًا فشيئاً، بينما تتسع احتياجاته، وتضيق قدرته، ويكبر قلقه على مستقبل أبنائه.
وحين تهتز المؤسسات الوطنية، وتضعف المظلات الدولية، ويثقل الاقتصاد، وتتآكل الرواتب، فإن المواطن يصبح وحيداً في مواجهة عاصفة من الأزمات المتزامنة.


الصحة… حين يمرض النظام الذي يعالج الناس
في القطاع الصحي، لم تعد الأزمة فقط في نقص الإمكانيات أو ضغط الخدمات، بل في اهتزاز انتظام المنظومة نفسها.
المستشفيات مكتظة، الموارد محدودة، الخدمات تحت ضغط هائل، والمرضى يواجهون رحلة علاجية شاقة بين الانتظار والكلفة ونقص الإمكانات.
لكن الأخطر أن أزمة الرواتب انعكست على انتظام دوام بعض الطواقم الطبية من أطباء وممرضين وفنيين، الذين يعيشون هم أنفسهم ذات الضيق المعيشي الذي يعيشه المواطن.
وهنا يصبح المشهد أكثر ألماً…..
مريض يبحث عن علاج…
وطبيب يداوي الناس وهو مثقل بهموم بيته…
وممرض يسهر على راحة الآخرين فيما القلق يسكن بيته…
ومنظومة صحية تحاول الوقوف بينما الأرض تهتز تحت أقدامها.
والسؤال:
كيف نحمي صحة الناس إذا كان من يحمل عبء العلاج نفسه قد أرهقته الحياة؟


الاقتصاد… حين تضيق الحياة على الجميع
القطاع الخاص يئن.
التاجر يختنق.
المستهلك عاجز.
الاستثمار متردد.


والأسعار ترتفع كأنها تعيش في بلد آخر غير هذا البلد المثقل بالفقر والتعب.
أزمة الشيكل، وتراجع القوة الشرائية، والديون المتراكمة، والشيكات المرتجعة، والإغلاقات، والتعثر المالي، كلها تصنع واقعًا اقتصادياً خانقاً يجعل الحياة اليومية معركة بقاء لا مسار حياة.


السياسة… حين يصبح المواطن أثقل من قدرة الخطاب على حمله
وفي أعلى المشهد، تقف السياسة بأزماتها الثقيلة: انسداد أفق، ضعف ثقة، غياب تجديد، ومسافة تتسع بين هموم الناس والخطاب العام.
الناس لا تريد شعارات…
الناس تريد أن تشعر أن هناك من يرى وجعها، ويفهم قلقها، ويعمل من أجلها، ويضع معاناتها في قلب القرار لا على هامشه.


كلمة من قلب الوجع
لم تعد القضية أزمة هنا أو هناك، بل حالة إنهاك وطني شامل تمس تفاصيل الحياة كلها.
الإنسان الفلسطيني اليوم لا يعيش فقط تحت ضغط الظروف… بل يعيش تحت ضغط الخوف من الغد، ومن العجز، ومن الانكسار الداخلي الصامت.
فالأوطان لا تقاس فقط بقدرة الناس على الصبر، بل بقدرة مؤسساتها على حماية هذا الصبر من النفاد.
وكرامة المواطن ليست تفصيلاً مؤجللاً، بل جوهر الاستقرار ومعنى البقاء.
إن فلسطين تستحق سياسات أقرب إلى الناس، وخيارات أكثر جرأة، ورؤية وطنية جامعة تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الثروة الحقيقية والأصل الذي لا يجوز استنزافه حتى الإنهاك.


لأن السؤال لم يعد…..
إلى متى يستطيع الناس أن يتحملوا؟
بل أصبح، بكل وجعه وصدقه:
كم بقي في هذا الشعب من طاقة ليواصل حمل وطنٍ يثقله الألم من كل الجهات؟

  • – الدكتور عماد سالم – باحث وكاتب في قضايا التعليم والتنمية والسياسات العامة

شاهد أيضاً

جامعة بوليتكنك فلسطين وملتقى رجال الأعمال يطلقان مؤتمر التمكين الاقتصادي الخامس بعنوان التعلم من خلال الممارسة في العصر الرقمي

جامعة بوليتكنك فلسطين وملتقى رجال الأعمال يطلقان مؤتمر التمكين الاقتصادي الخامس بعنوان التعلم من خلال الممارسة في العصر الرقمي

شفا – تحت شعار نحو إعادة تشكيل مستقبل العمل، أُطلق مؤتمر التمكين الاقتصادي الخامس رسمياً …