
المؤتمر الثامن لفتح : بين الحاجة والضرورة ، بقلم : الصحفي سامح الجدي
إذا كان المؤتمر الثامن لحركة حركة فتح يمثل محطة تنظيمية مفصلية، فإنه في العمق يعكس صراعًا بين نمطين من التفكير داخل الحركة: الأول يسعى إلى الحفاظ على البنية التقليدية بما تحمله من توازنات تاريخية، والثاني يدفع باتجاه تجديد حقيقي يواكب تحولات الواقع الفلسطيني. هذا الصراع، وإن كان غير معلن بشكل دائم، إلا أنه يشكل أحد المحددات الرئيسية لمخرجات المؤتمر.
من أبرز القضايا التي تفرض نفسها بقوة مسألة تداول القيادة. فغياب آليات واضحة ومُلزمة لتجديد المواقع القيادية أدى إلى حالة من الجمود التنظيمي، انعكست سلبًا على الأداء السياسي للحركة. هنا، لا يقتصر التحدي على تغيير الأسماء، بل يتعداه إلى إعادة تعريف مفهوم القيادة ذاته، بحيث يصبح قائمًا على الكفاءة والمساءلة، لا على الأقدمية أو النفوذ.
كما تبرز قضية العلاقة بين الحركة والسلطة الفلسطينية، التي ارتبطت تاريخيًا بقيادة ياسر عرفات، ثم تواصلت في عهد محمود عباس. هذا التداخل بين الحركة والسلطة خلق إشكاليات معقدة، حيث بات من الصعب أحيانًا التمييز بين القرار الحركي والقرار الرسمي. المؤتمر، في هذا السياق، مدعو لإعادة ضبط هذه العلاقة بما يضمن استقلالية القرار التنظيمي، دون الإضرار بالمؤسسات الوطنية.
على صعيد القاعدة التنظيمية، هناك حاجة ملحّة لإعادة الاعتبار للكادر الفتحاوي، الذي يشعر جزء منه بالتهميش أو الإقصاء. فنجاح أي عملية إصلاح لا يمكن أن يتحقق دون إشراك فعلي للكوادر في صنع القرار، وتعزيز روح الانتماء والمسؤولية الجماعية. وهذا يتطلب أيضًا تطوير أدوات التواصل الداخلي، والانتقال من الأساليب التقليدية إلى آليات أكثر انفتاحًا وشفافية.
ولا يمكن إغفال دور الشباب والمرأة، اللذين يشكلان ركيزة أساسية لأي مشروع تجديدي. فإدماج هذه الفئات ليس مجرد مطلب شكلي، بل ضرورة استراتيجية لضمان استمرارية الحركة. المؤتمر الثامن قد يكون فرصة لإحداث نقلة نوعية في هذا الاتجاه، عبر تخصيص مساحات أوسع للمشاركة، وتمكين قيادات جديدة قادرة على التعبير عن تطلعات الجيل القادم.
أما على المستوى الفكري، فإن الحركة بحاجة إلى مراجعة خطابها السياسي، بما يعكس التحولات في الوعي الفلسطيني، خاصة في ظل صعود أشكال جديدة من المقاومة، وتزايد الاعتماد على الفضاء الرقمي في التعبئة والتنظيم. هذا يتطلب تطوير رؤية شاملة تجمع بين العمل الميداني والدبلوماسي، وتستفيد من التجارب العالمية دون فقدان الخصوصية الوطنية.
في المقابل، لا يخلو الطريق من التحديات. فهناك قوى داخلية قد ترى في التغيير تهديدًا لمصالحها، ما قد يعيق أي محاولة إصلاحية جادة. كما أن الضغوط الخارجية، سواء الإقليمية أو الدولية، قد تلعب دورًا في توجيه مخرجات المؤتمر بما يتماشى مع مصالح معينة.
ومع ذلك، تبقى الفرصة قائمة. فالتاريخ يُظهر أن الحركات التي تمتلك القدرة على النقد الذاتي، والتجدد من داخلها، هي الأقدر على الاستمرار والتأثير. والمؤتمر الثامن، إذا ما أُحسن استثماره، يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة تعيد لحركة فتح دورها الطليعي في قيادة المشروع الوطني.
في النهاية، لا يُقاس نجاح المؤتمر بعدد القرارات الصادرة عنه، بل بمدى انعكاس هذه القرارات على الواقع. فإما أن يكون بداية لمسار إصلاحي حقيقي، أو مجرد محطة عابرة في مسيرة طويلة من التحديات المؤجلة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.