3:55 مساءً / 29 أبريل، 2026
آخر الاخبار

لا تتقاتلوا على الكرسي… فالمدينة التي حملتكم تستحق من ينهض بها ، بقلم : الدكتور عماد سالم

لا تتقاتلوا على الكرسي… فالمدينة التي حملتكم تستحق من ينهض بها ، بقلم : الدكتور عماد سالم


المدينة والقرية الفلسطينية: من خزّان الصمود إلى رهان التنمية


(فكرة المقال من المواطن الحر الشريف الغيور على مصلحة الوطن… وصفي شاهين)


في فلسطين، ليست المدينة مجرد تجمعٍ سكاني تُدار شؤونه عبر مجلس بلدي، وليست القرية مجرد امتدادٍ جغرافي تُقدَّم له خدمات عامة وفق ما تسمح به الموازنات المحدودة. إنهما، في جوهرهما العميق، وعاء الوجود الفلسطيني، ومساحة الصمود اليومي، والحاضنة الأولى للإنسان والأرض والهوية. فيهما كُتبت حكاية البقاء، وعلى ترابهما سارت الأجيال، ومن بين أزقتهما وحقولهما خرجت القصص الكبرى؛ قصص العمل والكفاح، وقصص النزوح واللجوء، وقصص المواجهة والثبات، وقصص الحياة التي أصرّ الفلسطيني على صناعتها رغم كل ما أحاط به من قهر وتحديات.


وحين نتأمل تاريخ فلسطين الاجتماعي والوطني، ندرك أن المدينة والقرية لم تنتظرا أحداً ليحملهما، بل هما من حملتا الجميع؛ حملتا الإنسان حين ضاقت به السبل، وحملتا الاقتصاد حين تراجعت الفرص، وحملتا الهوية حين استهدفتها مشاريع الطمس والتذويب، وحملتا المجتمع حين تصدعت البنى السياسية والاقتصادية تحت ضغط الاحتلال والانقسام والأزمات المالية المتلاحقة. كانتا دائماً أكبر من الجغرافيا، وأوسع من حدود الخدمات، وأعمق من أي توصيف إداري أو قانوني؛ كانتا ـ وما زالتا ـ قلب فلسطين النابض بالحياة والمعنى.


وإذا كان الحديث هنا ينصرف إلى الانتخابات المحلية في المدينة والقرية بوصفهما الإطار المباشر للمجالس البلدية والقروية، فإن ذلك لا يعني بأي حال استثناء المخيم الفلسطيني من هذه المعادلة الوطنية. فالمخيم كان وما زال ركناً أصيلاً في البنية الفلسطينية الجامعة؛ خزّاناً للصمود، وذاكرةً حيّة للنكبة، وحاضنةً اجتماعية ووطنية دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن الهوية والحق والرواية. غير أن خصوصية هذا المقال تتصل بسياق الانتخابات المحلية وما يرتبط به من مسؤوليات مؤسسية وتنموية تقع مباشرة على عاتق الهيئات المحلية في المدن والقرى، دون أن ينتقص ذلك من المكانة الوطنية والإنسانية للمخيم بوصفه شريكاً كاملاً في حمل القضية وهموم المجتمع ومستقبله.


المدينة الفلسطينية ليست مجرد شوارع وأرصفة وأسواق ومبانٍ ومؤسسات، بل هي ذاكرة جمعية، ومختبر يومي للصمود، ومركز إنتاج اقتصادي واجتماعي وثقافي، ومساحة تتجسد فيها علاقة الفلسطيني بالمكان باعتبارها علاقة بقاء وهوية وانتماء. فيها الجامعات، والمستشفيات، والأسواق، والمراكز الثقافية، ومؤسسات المجتمع المدني، والعمال، والموظفون، والباعة، والمبدعون، والحالمون بمستقبل أفضل. إنها فضاءٌ حيّ يختبر كل يوم قدرة الفلسطيني على إعادة بناء الحياة رغم الحصار والضغط والاختناق.


أما القرية الفلسطينية، فهي ليست هامشاً عمرانياً تابعاً للمدينة، ولا مساحة تنتظر ما يتبقى من خطط التنمية، بل هي جذر الحكاية الفلسطينية وأصل الثبات؛ هي حارسة الأرض، وحافظة الذاكرة الزراعية، وخزان القيم الاجتماعية، والحصن الذي بقي واقفاً في وجه محاولات الاقتلاع والاستيطان والتهجير. من القرية خرج الزيتون شاهداً على عمق الجذور، ومن سفوحها بقيت الحكاية الفلسطينية مرتبطة بالتراب، ومن بيوتها البسيطة خرجت أجيال تعلّمت معنى الكرامة والعمل والانتماء.


وفي المدينة والقرية يولد المرشح، وفيهما يكبر المنتخب، ومنهما يخرج المسؤول، وعلى طرقهما يمشي الناخب، وفي ساحاتهما تُبنى الثقة العامة أو تتراجع، وفي مؤسساتهما تُقاس جودة الحياة، وفي تربتهما ـ حين تنتهي رحلة الإنسان ـ يُدفن الجميع؛ المرشح، والمنتخب، والمصوّت، ومن اختار أن يبقى بعيداً عن كل المشهد. هناك، تسقط كل الألقاب، وتتلاشى ضوضاء المناصب، ولا يبقى سوى السؤال الحقيقي: ماذا قدّم الإنسان لمكانه؟ وما الأثر الذي تركه في حياة الناس؟


لكن المؤلم أن كثيراً من هذا المعنى العميق يغيب كلما اقترب موسم الانتخابات المحلية. فجأة تتحول بعض المدن والقرى من فضاءات خدمة عامة إلى ساحات استقطاب، ومن مشاريع تنمية إلى خرائط نفوذ، ومن مؤسسات يفترض أن تُدار بالكفاءة والرؤية إلى ساحات صراع على المواقع والمقاعد. يدخل البعض المعركة الانتخابية وكأنها معركة إثبات وجود شخصي، أو مناسبة لتصفية حسابات، أو بوابة لمكاسب سياسية واجتماعية، بينما تتراجع الأسئلة الجوهرية إلى الخلف: ما البرنامج؟ ما الرؤية؟ ما الخطة؟ كيف سنعالج أزمة المياه؟ كيف سنرفع كفاءة البنية التحتية؟ كيف سنخلق فرصاً للشباب؟ كيف سنبني اقتصاداً محلياً أكثر صموداً؟


وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: حين يصبح السؤال: “من يفوز؟” أهم من السؤال: “ماذا سينجز؟”
إن الحكم المحلي في فلسطين ليس تفصيلاً إدارياً، بل هو في كثير من المناطق الوجه المباشر للمؤسسة العامة في حياة المواطن؛ هو الذي يتعامل مع الماء، والطرق، والنفايات، والتنظيم العمراني، والإنارة، والأسواق، والصحة البيئية، والخدمات الأساسية التي تمس كرامة الإنسان اليومية. وحين يُدار هذا القطاع بعقلية الغنيمة لا بعقلية الخدمة، وبمنطق الولاء لا بمنطق الكفاءة، وبثقافة الاستعراض لا بثقافة الإنجاز، فإن الخاسر الحقيقي ليس المنافس السياسي، بل المدينة نفسها، والقرية نفسها، والمواطن نفسه.


إن المدينة لا تحتاج إلى خطابات مرتفعة السقف بقدر ما تحتاج إلى إدارة رشيدة، وحوكمة شفافة، وتخطيط حضري حديث، ورؤية تنموية قابلة للتنفيذ، واستثمار ذكي للموارد المحدودة. تحتاج إلى بلديات تفكر بالتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والطاقة البديلة، والنقل الحضري، وإدارة المياه، وإعادة التدوير، وتمكين الشباب، وتحويل الثقافة والرياضة والابتكار إلى أدوات تنمية لا كماليات مؤجلة.


والقرية لا تحتاج إلى وعود موسمية تختفي بعد انتهاء الصناديق، بل تحتاج إلى إحياء دورها الإنتاجي؛ إلى إعادة الاعتبار للزراعة، ودعم الصناعات الريفية، وتمكين النساء اقتصادياً، وتحفيز المشاريع الصغيرة، وتطوير البنية الأساسية، وربطها ببرامج تنموية عادلة، وحمايتها من التهميش، ومن نزيف الهجرة الداخلية، ومن التحول التدريجي إلى مساحة مستهلكة فاقدة لدورها الاقتصادي والاجتماعي.


الأخطر من ذلك أن بعض المجالس المحلية تُدار أحياناً وكأنها مجالس وجاهة اجتماعية لا مؤسسات عامة، أو منصات نفوذ، أو ساحات محاصصة، بينما الأصل أن تكون مؤسسات وطنية خدمية تنموية تُدار بعقل الدولة، لا بعقل الجماعة؛ بمنطق الصالح العام، لا بمنطق الحصة والنصيب؛ بروح المؤسسة، لا بروح الفرد.


إن فلسطين، وهي تواجه تحديات وجودية كبرى؛ احتلالاً يتمدد، واقتصاداً يئن، وبطالةً تتسع، وهجرةً صامتة تستنزف الطاقات، وتراجعاً في الثقة العامة بالمؤسسات، لا تملك ترف تحويل الانتخابات المحلية إلى معارك كراسي. ما تحتاجه اليوم هو ثورة أخلاقية وإدارية في مفهوم القيادة المحلية؛ قيادة ترى في المنصب تكليفاً لا امتيازاً، وفي المسؤولية حملاً لا مكسباً، وفي الخدمة العامة شرفاً عملياً لا لقباً اجتماعياً.


ارحموا المدينة…
لا تجعلوا شوارعها ضحية خلافاتكم، ولا مؤسساتها رهينة مناكفاتكم، ولا مواردها المحدودة وقوداً للاستعراض والمحسوبية، ولا مستقبل شبابها رهينة الحسابات الضيقة.
وارحموا القرية…
فهي التي حفظت الأرض، وصانت الهوية، وأطعمت الناس حين اشتدت الأزمات، وكانت دائماً أقل شكوى وأكثر عطاءً.
وارحموا فلسطين…
فالوطن الذي يقاتل من أجل وجوده، يحتاج إلى بناةٍ في المدن، ومصلحين في القرى، وحكماء في القرار المحلي، لا إلى متصارعين على مقاعد مؤقتة.
تنافسوا… ولكن على من يخدم أكثر.
على من ينجز أكثر.
على من يبتكر أكثر.
على من يفتح أبواباً جديدة للتنمية.
على من يعيد ثقة الناس بالمؤسسات.
على من يغادر موقعه وقد ترك مدينة أجمل، وقرية أقوى، وخدمة أفضل، وذكراً حسناً في قلوب الناس.
فالمناصب زائلة، والكراسي عابرة، والتحالفات تتبدل، والأسماء تُنسى، لكن أثر الإنسان في مكانه لا يُنسى.
ومن أحب مدينته وقريته ووطنه حقاً، لا يسأل:
ماذا سأأخذ؟
بل يسأل:
ماذا سأترك للأجيال القادمة؟

  • – الدكتور عماد سالم – باحث وكاتب في قضايا التعليم والتنمية والسياسات العامة

شاهد أيضاً

المكتبة الوطنية وفلسطين الأهلية توقّعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون وحفظ الذاكرة الوطنية

شفا – وقّعت المكتبة الوطنية الفلسطينية وجامعة فلسطين الأهلية مذكرة تفاهم مشترك، تهدف إلى تعزيز …