
حين تلتقي الأرواح لتتشافى… ليست بالمدة بل بالمودة ، بقلم : د. تهاني رفعت بشارات
في دروب الحياة المزدحمة بالوجوه والاحتمالات، لا يحدث شيء على سبيل الصدفة كما نظن، بل تسير اللقاءات على خيطٍ خفيّ من الحكمة الإلهية، حيث يضع الله في طريقنا أشخاصاً لم نكن نخطط للقائهم، لكن أرواحنا كانت في حاجةٍ إليهم. هناك من يعبرون حياتنا كنسمةٍ عابرة، وهناك من يدخلونها كدواءٍ خفيّ، يُرمّم ما تصدّع في الداخل دون ضجيج. أحياناً نكون نحن البلسم في حياة أحدهم، نمنحه كلمةً تُعيد ترتيب فوضاه، أو حضوراً يخفّف من وطأة أيامه، وأحياناً أخرى يكون الآخر هو اليد التي تمتد إلينا في لحظة انكسار، فتعلّمنا كيف نلتئم من جديد. وفي أبهى صور القدر، يجمع الله بين روحين جريحتين، لا ليُثقِل إحداهما بالأخرى، بل ليكون كلٌّ منهما مرآة شفاءٍ للآخر، يتبادلان الألم كما يتبادلان الأمل، فيولد من بينهما ضوءٌ لم يكن ليُولد في العزلة.
ليست كل اللقاءات عابرة، وليست كل العلاقات محكومة بزمنها؛ فبعضها كُتب ليكون محطة ترميم، لا مجرد مرور. هناك أشخاص لا يطيلون البقاء، لكن أثرهم يمتد فينا كجذورٍ عميقة، يعيدون ترتيب مفاهيمنا عن القرب، ويعيدون تعريف معنى الطمأنينة. إنهم أولئك الذين حين نجالسهم، نشعر أن قلوبنا أخف، وأن العالم أقل قسوة، وأننا ولو للحظة في مكانٍ آمن. هم لا يأتون ليملأوا فراغ الوقت، بل ليملأوا فراغ الروح، ولذلك تبقى ذكراهم حيّة فينا حتى بعد الرحيل، كأنهم مرّوا ليقولوا: “يمكن للحياة أن تكون ألطف مما تظن”.
وليست العلاقات تُقاس بطول مدتها، بل بعمق مودتها. كم من سنواتٍ قضيناها إلى جانب أشخاصٍ لم يتركوا فينا إلا أسماءً عابرة، وكم من ساعاتٍ قليلة جمعَتنا بآخرين، ففتحنا لهم مغاليق أرواحنا دون تردد. فالقلب لا يعترف بالتقويم، ولا يخضع لحسابات الأيام، بل ينحاز حيث يجد صدق الشعور، ودفء القرب، وراحة البوح. المودة الصادقة قادرة على أن تختصر المسافات، وأن تجعل من لحظةٍ واحدة عمراً كاملاً من الألفة، لأن ما يُقاس بالروح لا يخضع لمقاييس الزمن.
العلاقات الحقيقية لا تُقاس بعقارب الساعة، بل برجفة الأمان التي تسكننا ونحن بقربهم. هي تلك الطمأنينة التي تتسلل إلى صدورنا دون استئذان، فنشعر أن الأرض أكثر ثباتاً تحت أقدامنا، وأن القلب أقل ارتباكاً. كم من غريبٍ مرّ في حياتنا مروراً خاطفاً، لكنه ترك خلفه من النور ما لم يتركه رفيق سنوات، وكم من معرفةٍ طويلةٍ بقيت باردةً لا حياة فيها، لأن المودة لم تجد طريقها إليها. فالمسألة ليست في من مكث أطول، بل في من منحنا شعوراً بالاحتواء، ومن جعلنا نكون على سجيتنا دون خوفٍ أو تكلّف.
العبرة، إذاً، ليست بمن حضر، بل بمن استقرّ؛ ليست بمن تحدّث كثيراً، بل بمن فهم بصمت؛ ليست بمن شاركنا الوقت، بل بمن شاركنا الوجع والفرح بصدق. أولئك الذين يلمسون الروح دون أن يجرحوها، ويقتربون دون أن يثقلوا، ويمنحون دون أن ينتظروا، هم الذين يستحقون أن نسمّيهم “وطنًا” لا مجرد عابرين. فبعض الأشخاص لا يكونون مجرد علاقات، بل يصبحون بيوتاً نسكنها حين تضيق بنا الحياة.
وفي النهاية، تبقى البدايات متاحةً للجميع، لكن النهايات لا يكتبها إلا من امتلك صدق الاستمرار. فكم من علاقةٍ بدأت ببريقٍ خاطف، وانطفأت لأنها افتقرت إلى المودة، وكم من علاقةٍ وُلدت بهدوء، ثم نمت كالشجرة الطيبة، جذورها في الصدق، وأغصانها في الوفاء. إن المودة ليست كلمة تُقال، بل أثر يُشعر، وحضور يُطمئن، ويدٌ تمتد حين تتراجع كل الأيدي.
فاختر علاقاتك بما يملأ قلبك لا وقتك، وامنح روحك لمن يراها بوضوح، لا لمن يمرّ بها مروراً عابراً. فليست الحياة بعدد من التقيناهم، بل بمن جعلوا اللقاء حياة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.