
المدرسة ، بين المعلم الملهم والمعلم الملجم ، بقلم : د. فواز عقل
تبدأ هذه المقالة بسؤال: إذا كان المعلم يتحدث 90% من وقت الدرس فمن الذي يتعلم؟
اطلعت على مقالات بعناوين مختلفة مثل: موت المدرسة-فشل المدرسة-المدرسة أكبر كذبة في التاريخ-مجتمع بلا مدارس-كراهية الطلاب للمدارس-مدارس بلا روح-مدارس بلا جدران-مدارس وحشية-مدارس روتينية-مدارس تلقن ولا تعلم.
وقد ذهب ميشيل فوكييه الفرنسي إلى تشبيه المدرسة بالسجن والمعلم بالسجان والطالب بالسجين وشبه الحافلة (باص) المدرسة الذي ينقل الطلاب إلى المدرسة بالسيارة التي تنقل المساجين إلى السجن
ومع ذلك لم يطلب أحد إلغاء المدارس أو إغلاق المدارس، بل كلها تتفق على أن المدرسة بحاجة إلى تغيير نوعي لكل ما يتعلق بها من أجل مواكبة العصر
وأنا تراودني أسئلة كثيرة بهذا الخصوص:
هل فشلت المدرسة أم أفشلت من خلال ممارسات غير تربوية؟
هل دور المدرسة دور خدماتي؟
هل دور المدرسة ينحصر في نقل المعلومة والتلقين؟
هل كل من دخل المدرسة طالب وكل من دخل الصف معلم؟
ماذا يقول الخبراء والمهتمين عن المدرسة؟
هل أصبحت المدرسة مجرد تجميع أجساد وليس تجميع عقول؟
هل من المعقول أن يكون مستوى طالب عاشر في بلاد العالم الثالث بمستوى صف سادس في سنغافورة أو فنلندا أو موريشيوس أو كوريا؟
لماذا تركز المدرسة على العلامات والامتحانات؟
هل نجحت المدرسة في غرس القيم الأخلاقية؟
لماذا تركز المدرسة على إنهاء المقرر الدراسي؟
لماذا لا تحارب المدرسة ثقافة الصمت الصفي؟
هل المدرسة الخاصة أفضل من المدرسة الحكومية؟
لماذا يطالب الكثيرين بمدارس بلا جدران؟
لماذا يرى البعض أن المدرسة هي إرث استعماري وأكبر كذبة في التاريخ؟
هل تستطيع المدرسة أن تنافس ما يتعرض له طلاب الشاشات بشكل يومي؟
لماذا منعت كثير من دول العالم استعمال وسائل التواصل في المدارس مثل سنغافورة استراليا هولندا؟
هل مشكلة المدرسة هي في المعلم أم في الطالب أم المنهج أم الممارسات غير التربوية؟
هل تستطيع المدرسة أن تجاري التحولات في العملية التعليمية في هذا العصر؟
هل أنتجت المدرسة ذهنية جديدة عند الطلاب؟
أي تعليم نريد؟
هل هوس الأهل بالعلامات المرتفعة أضاع متعة التعلم عند الطالب؟
وهنالك من يقول إن المدرسة أسوأ اختراع في التاريخ لأنها:
1-قائمة على التنميط في المنهج، تنميط في الامتحانات، تنميط في طريقة الجلوس، تنميط في كل شيء، مع العلم أن النمطية هي العدو الأول للمدرسة
2-لأنها تفرض على الطالب أن يأتي للمدرسة الساعة الثامنة حتى التاسعة الواحدة ولكنها لا تستطيع أن تفرض عليه أن يتعلم ونتج عن ذلك مقاومة التعلم
3-لأنها ركزت على المهارات الأكاديمية وتجاهلت المهارات الحياتية
وأقول كما يقال بالعامية: صندوق العدة القديم لا يناسب هذا العصر، نحن بحاجة إلى صندوق عدة جديد.
وهذا ما أشار إليه جان جاك روسو الفرنسي الذي دعا إلى إعادة التفكير بالمدرسة لأنها تعاني من كثافة المواد الدراسية و تركز على العلامات المرتفعة إلى أنها تعلم من أجل النجاح في الامتحان و تطيل ساعات الدوام اليومية، مما يؤدي إلى صعف التركيز عند الطالب و لأنها تقدم معرفة منعزلة عن حياة الطالب و تركز على الواجبات البيتية و تقتل الفضول عند الطالب.
وأقول إن الطالب لا يستوعب في ألف ساعة محاضرات أي شيء ما يلم يعيشه بنفسه.
وفي هذا العصر مع جيل الشاشات يستطيع الطالب أن يجلس ساعة كاملة على الشاشة ولا يستطيع أن يسمع 10 دقائق من المعلم، والمدرسة الحالية فيها المعلم يلقن والطالب يحفظ وامتحان يقيس، تعلم فقط بلا فهم.
وفي هذا العصر، لم يعد ممكنا إدارة العملية التعليمية بعقلية الإملاء، طالب يحفظ امتحان يقيس، مع العلم أن التعليم يجب أن يقوم على إطلاق العنان لقدرات الطالب وفتح نوافذ جديدة أمام الطالب وتمكن الطالب من توليد أشياء جديدة تختلف مما عمله السابقون لأن طرق تلقي المعلومة أصبحت مفتوحة متنوعة سريعة ولا يجوز أن يبقى الطالب حبيس الكتاب من الألف إلى الياء مع أن الكتاب الذي لا يناقش يفقد قيمته.
وفي بداية شهر شباط 2026 طالب الرئيس الفرنسي ماكارون بجعل أيام الدراسة المدرسية أقصر و العطل المدرسية أقصر لتخفيف إرهاق الطالب خلال اليوم الدراسي الطويل و توزيع وقت التعلم بشكل أفضل على مدار السنة بدل الضغط على الطالب في أيام قليلة مما يحسن التركيز عند الطلاب و صحتهم النفسية، و كانت فرنسا في ستينات القرن الماضي قد ألغت تعليم الأخلاق و في عام 2016 أرجعت تعليم الأخلاق في المدارس الفرنسية، وهذا يذكرني برئيس فرنسا ديغول الذي سأل وزير التعليم كيف هي المدرسة الفرنسية؟ فأجاب الوزير المدرسة بخير، فقال ديغول إذن فرنسا بخير.
ولكي تؤدي المدرسة دورها العلاجي لا بد من أن تتحرر من ضغط العلامات والامتحانات والتركيز على تراكم المعلومات إلى حضن إنساني، من خلال معلم صانع رغبة التعلم عن الطالب.
واعلموا أنه لا يوجد سبب أن يبكي طالب ما من نتيجة الامتحان أو من الواجب البيتي، التعلم لا يولد مع الخوف بل بالشعور بالأمان لأنه عندما يكون عقل الطفل تحت الضغط، يتراجع التركيز والتذكر والرغبة في التعلم.
وهنا أقتبس بعض الأقوال والحكم والاقتباسات عن المدرسة:
-المدرسة ليست مكان لتلقين المعلومة بل بيئة لنمو العقل والقلب، جون ديوي
يقول دون ديوي: إذا علمنا طلاب اليوم بأساليب الأمس فسنسرق منهم مستقبلهم
-معايير النجاح في المدرسة ليس تحصيل الطلاب فقط بل رغبتهم في العودة إليها.
-المدرسة التي لا تفتح عقول طلابها تجعلهم يظنون أن الجدار هو العالم، خليل السكاكيني.
-أخطر سجن هو سجن الفكرة الواحدة، كارل بوبر
-المعرفة تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن تكرار ما يقال، سقراط
-الحرية ليست أن تفتح الباب بل أن تدرك أنه لم يكن مغلقا، باولو فريرو
-التعليم المدرسي هو صناعة الرغبة في التعلم وزرع الفكرة في عقل الطالب.
-المدرسة هي بيتنا الثاني فيها نصنع أحلامنا ونبني مستقبلنا.
-المدرسة ليست مكان للدراسة فقط بل مصنع للأخلاق والعقول.
-طابور المدرسة يعني بداية يوم جديد من الأمل والمعرفة.
-في المدرسة نتعلم كيف نفكر قبل أن نتعلم لماذا نفكر
-من دخل المدرسة غير نفسه ومن أحبها غير مجتمعه.
-المدرسة تبني العقول والعقول تبني الأوطان.
-المدرسة ليست مكانا للحفظ بل مصنعا للعقول والأحلام.
-المدرسة ليست تجميع أجساد بل تجميع عقول.
-هدف المدرسة إغراء الطالب برؤية المستقبل.
-التعلم تحويل النوايا إلى أفعال.
-التعلم ليس بالسرعة بل بالإنسانية.
-المدرسة التي لا تمنح الطالب معنى لحياته ستفقده الرغبة في التعلم، جون ديوي
ويرى أن كراهية المدرسة ليست مشكلة في الطالب بل في بيئة تعليمية بلا صلة بحياته واهتماماته.
-حين تتحول المدرسة إلى مؤسسة للقمع بدل التحرر يبدأ الطالب في كراهيتها، باولو فيرو
-الطفل يكره المدرسة حين تجبر فطرته على ما لا يناسبها، جان جاك روسو
-المدرسة التي تصر على تعليم الطلاب عن الأمس هي من تصنع كراهية الطلاب اليوم.
-العزلة التعليمية تولد النفور والتعلم يحدث في العلاقات لا في التلقين، ليف فيغوتسكي
-الصف ليس مكان للشرح فقط بل فضاء لاكتشاف النمو
-الطفل لا ينمو داخل القالب الذي صنعه المجتمع له بل حين يسكره
-المدرسة التي تقود الإنسان تنجح والمدرسة التي تهمله تفشل مهما كانت تملك من موارد.
-التربية ليست تلقين عقول بل لمس قلوب.
-المعلم الذكي هو من يجعل الطالب يرى خطأه بعينه لا بعين المعلم.
-أسهل على المعلم أن يأمر من أن يعلم.
-المعلم الذي يؤمن أن خلف كل طالب حلم ينتظر أن يفتح له الطريق.
ومن خلال الجمع بين الدراسات و المقولات و الاقتباسات و الحكم يمكن القول أن المدرسة تفشل عندما تهمل إنسانيتها، تفشل عندما لا تستمع لمعلميها و عندما لا تحترم تعبهم و عندما تتجاهل طلابها و عندما لا تواكب العصر و كما قالت العرب : من لا يتجدد يتبدد، تفشل عندما تتعامل مع التعليم كإدارة وقت لا كإدارة حياة، تفشل عندما تطفئ الشغف عند الطالب بدل إشعاله، تفشل عندما تركز على الاختبارات، تفشل عندما تتعامل مع الطلاب كأجساد، تفشل عندما ينظر إليها الطالب كسجن، الفشل لا يكمن فقط في البنية التعليمية بل في فهم الانسان المتعلم، فحين يغيب البعد النفسي و الاجتماعي لا تنفع الاستراتيجيات ولا تنفع المناهج.
مشكلتنا أننا ربطنا العلم والتعليم بالمدرسة وأنه بدونها لا يمكن أن يتعلم الإنسان وهنا تكمن المغالطة التي وقعنا فيها لعدة قرون، لأن أي عملية تعليم هي عملية تعليم ذاتي ولا توجب أي مدرسة مهما كانت قادرة على إعطائك تعليما حقيقيا.
المدرسة في شكلها التقليدي ما زالت تدار وفق نموذج الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر بينما يحتاج القرن الواحد والعشرين إلى مدرسة إبداعية مرنة والتحول إلى التعليم المتمركز حول المتعلم وهذا يقتضي إعادة تعريف دور المعلم من ناقل للمعرفة إلى ميسر ومحفز.
المعلم الملهم هو الذي يرى أن المدرسة لم تكن مكانا للتعلم إلا إذا علمت الطالب أن يقول لا وأن يبحث عن الحقيقة وأن يستعمل عقله
و يرى أن دور المدرسة أكبر من أن تحكم على الطالب من خلال ورقة و قلم ، يرى أن المدرسة تجمع عقول ،هو معلم يصنع الرغبة عند الطالب ، هو معلم يؤمن بما قاله جبران خليل جبران : على المعلم أن يكون جسرا يعبر عليه الطلاب ثم يدمر الجسر حتى يقوم الطلاب ببناء جسورهم الخاصة، معلم يراعي أنماط التعلم، معلم يكتشف مواهب الطلاب و ينميها و يوجهها، معلم يستعمل أساليب تعليم تقوم على التحفيز و التنوع و المرونة ،يؤمن بأن من لا يتعلم شيئا جديدا كل يوم يزداد جهلا يوما بعد يوم، معلم يدخل إلى الصف كل يوم بإنسان جديد، معلم يحارب الروتين الصفي و ثقافة الصمت الصفي، معلم يؤمن أن كثرة الاختبارات و الامتحانات و الواجبات و إطالة وقت الدوام الرسمي و الدروس الخصوصية هي ممارسات غير تربوية، ترهق الطالب و المعلم، و لذلك نحن بحاجة لبدائل جديدة تلائم العصر بحاجة لنظام تعليم نوعي لإنتاج طلاب يقودون المجتمع إلى مستقبل أفضل ولا يخنق مهارة التفكير و النقد عند الطالب و يسمح بإبداء الرأي و المبادرة و المخاطرة و التحدي لأنها ضرورية لخلق جيل جديد يفكر.
أما المعلم الملجم فيكفي ما جاء في المقالات عن وحشية المدرسة وروتين المدرسة وموت المدرسة وفشل المدرسة.
معلم لا يؤمن بالتنوع ولا المرونة ولا يواكب العصر ولا يؤمن بالحوار و يركز على إنهاء المقرر الدراسي
وأقول نحن التربويون المحاورون الذين عرفنا كل شيء أصحاب اليقظة أصحاب البوصلة نصنع البوصلة لليوم التالي ولا ننتظرها.
- – د. فواز عقل-باحث في شؤون التعليم والتعلم
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .