
غزة خارج الحسابات .. هل فضحت هدنة أمريكا وإيران حقيقة محور الممانعة؟ بقلم : الصحفي سامح الجدي
بين الشعارات المرفوعة والوقائع السياسية، تبرز تساؤلات فلسطينية وعربية حول مكانة غزة في أولويات القوى التي طالما قدمت نفسها بوصفها حامية للقضية الفلسطينية.
فجر اليوم، تابع العالم باهتمام إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران بعد أيام من التصعيد العسكري الذي أثار مخاوف جدية من اندلاع حرب إقليمية واسعة قد تغير وجه المنطقة. وبينما تنفست عواصم العالم الصعداء خشية اتساع دائرة المواجهة، كان الفلسطينيون في قطاع غزة يتابعون المشهد بعين مختلفة، ويتساءلون: أين غزة من كل ما جرى؟
لقد رفعت إيران وحلفاؤها على مدار عقود طويلة شعارات المقاومة والمواجهة، وقدمت نفسها باعتبارها رأس حربة المشروع المناهض للولايات المتحدة وإسرائيل، واعتبرت القضية الفلسطينية جوهر مشروعها السياسي والإعلامي. كما روّج ما يعرف بمحور الممانعة لفكرة أن فلسطين تمثل البوصلة المركزية للصراع في المنطقة، وأن غزة تقع في قلب معركة الأمة.
لكن الأحداث الأخيرة أعادت طرح أسئلة صعبة لا يمكن تجاهلها.
فعندما وصلت المواجهة إلى مستوى يهدد المصالح الإيرانية المباشرة، ظهرت لغة التفاهمات والحسابات السياسية، وسرعان ما تم الإعلان عن وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تضمن تجنب حرب شاملة. غير أن اللافت في كل ذلك أن غزة لم تكن حاضرة في المشهد، ولم يظهر أن وقف الحرب عليها أو رفع المعاناة عن أهلها كان شرطاً أساسياً ضمن الأولويات المطروحة.
وهنا لا يتعلق الأمر بانتقاد سعي إيران إلى حماية مصالحها الوطنية، فذلك حق طبيعي تمارسه جميع الدول دون استثناء. لكن القضية تكمن في حجم التناقض بين الخطاب الذي تم تسويقه لسنوات طويلة وبين الوقائع التي ظهرت عند لحظة الاختبار الحقيقي.
فإذا كانت غزة تمثل بالفعل عنوان المشروع السياسي لمحور الممانعة، فلماذا بقيت خارج دائرة الاهتمام المباشر في هذه اللحظة المفصلية؟ وإذا كانت فلسطين هي القضية المركزية كما يقال، فلماذا أمكن التوصل إلى تفاهمات عاجلة بشأن المصالح الإقليمية بينما ما زالت غزة تعيش تحت وطأة الحرب والجوع والنزوح والدمار؟
لقد كشفت التطورات الأخيرة حقيقة يعرفها كثير من المراقبين، وهي أن الدول لا تُدار بالشعارات، بل بالمصالح. وعندما تتعارض الشعارات مع المصالح الاستراتيجية، تكون الغلبة في الغالب للمصالح. وهذا ما حدث مراراً في تجارب سياسية عديدة عبر العالم، وما يبدو أنه يتكرر اليوم في الشرق الأوسط.
لقد استثمرت قوى إقليمية مختلفة القضية الفلسطينية في خطاباتها السياسية والإعلامية، واستخدمتها أحياناً لتعزيز نفوذها الإقليمي أو لتحسين موقعها التفاوضي. لكن الفلسطينيين ظلوا في كثير من الأحيان يدفعون الثمن وحدهم، فيما كانت الأطراف الأخرى تبحث عن تسويات تحفظ مصالحها وأمنها واستقرارها.
واليوم، بينما تستمر معاناة سكان غزة وسط ظروف إنسانية قاسية وغير مسبوقة، يجد الفلسطيني نفسه أمام سؤال مؤلم: هل كانت فلسطين بالفعل أولوية لدى هذه المحاور، أم أنها كانت جزءاً من أدوات الصراع السياسي والإقليمي أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً للتحرير والإنقاذ؟
إن ما جرى لا يعني بالضرورة نهاية دور إيران أو حلفائها في الملف الفلسطيني، لكنه يفرض مراجعة جادة للمسلمات التي تم الترويج لها طوال السنوات الماضية. فالمواقف لا تُقاس بالشعارات والخطابات، بل بالنتائج والوقائع والسياسات العملية.
لقد أثبتت الأحداث مرة أخرى أن الفلسطينيين لا يستطيعون بناء مستقبلهم على رهانات خارجية مهما كانت الشعارات براقة. فالضمانة الحقيقية للقضية الفلسطينية تكمن في الوحدة الوطنية، وبناء المؤسسات القوية، وتعزيز الصمود الشعبي، واستعادة القرار الوطني المستقل بعيداً عن حسابات المحاور المتصارعة.
لقد توقفت المواجهة بين أمريكا وإيران، ولو مؤقتاً، وعادت لغة المصالح والتفاهمات إلى الواجهة. أما غزة فما زالت تنتظر وقفاً لحربها الخاصة، وتنتظر من العالم أن يتذكر أن هناك شعباً كاملاً ما زال يدفع ثمن الصراعات والحسابات التي تُدار فوق أرضه ومن حوله.
ويبقى السؤال الذي تطرحه غزة اليوم على الجميع: إذا كانت المصالح قادرة على إيقاف الحروب عندما يتعلق الأمر بالدول الكبرى والقوى الإقليمية، فلماذا لا تكون حياة الفلسطينيين وكرامتهم وأمنهم سبباً كافياً لإنهاء مأساتهم المستمرة؟
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة إخبارية فلسطينية مستقلة تنقل الحدث من قلب فلسطين والعالم العربي على مدار الساعة.