2:39 مساءً / 4 أبريل، 2026
آخر الاخبار

غزة في الظل: خروقات وقف إطلاق النار في زمن انشغال العالم ، بقلم : د. عبدالرحيم جاموس

غزة في الظل: خروقات وقف إطلاق النار في زمن انشغال العالم ، بقلم : د. عبدالرحيم جاموس


في لحظات التحولات الكبرى، لا تختفي الحروب الصغيرة، بل تُدفع إلى الظل. هناك، بعيدًا عن مركز الضوء، تستمر الوقائع الأكثر قسوة. هكذا تبدو غزة اليوم؛ ليست جبهة هادئة كما يوحي خطاب “وقف إطلاق النار”، بل مساحة مفتوحة على انتهاكات متكررة، تتراكم بصمت فيما ينشغل العالم بصراعات أخرى أكثر حضورًا.


ما يجعل هذا الواقع أكثر إلحاحًا ليس فقط استمرار الخروقات، بل الأرقام التي تكشف حجمها. فمنذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في أكتوبر 2025، تشير بيانات ميدانية وتقارير أممية إلى مقتل مئات الفلسطينيين وإصابة آلاف آخرين. بعض التقديرات تتحدث عن أكثر من 600 إلى 700 قتيل خلال فترة “التهدئة”، فضلًا عن ما يزيد على 1,500 جريح، في دلالة واضحة على أن الهدوء المعلن لا يعكس حقيقة ما يجري على الأرض ؟.


وفي توصيف لافت، أشار تقرير إنساني إلى أن العنف “لم يتوقف رغم الهدنة”، وأن الغارات والقصف ما زالت تحصد أرواحًا بشكل متكرر، حتى في الفترات التي يُفترض أنها خارج نطاق العمليات العسكرية ؟. بل إن تقارير حديثة تتحدث عن مقتل أكثر من 680 فلسطينيًا منذ بدء وقف إطلاق النار، وهو رقم يكفي وحده لطرح سؤال جوهري: أي معنى يبقى لاتفاق لا يوقف الموت؟


ليست المشكلة فقط في الأرقام، بل في دلالتها. حين يتحول سقوط هذا العدد من الضحايا خلال “فترة تهدئة” إلى أمر يمكن استيعابه ضمن الأخبار اليومية، فإننا نكون أمام تحول أخطر: تطبيع الانتهاك. يصبح القصف “محدودًا”، والقتل “موضعيًا”، والضحايا مجرد أرقام تُضاف إلى سجل طويل من الخسائر التي لم تعد تثير ما يكفي من الصدمة.
في هذا السياق، تبدو القواعد التي يفترض أن تحكم النزاعات، بما في ذلك ما نصت عليه اتفاقيات جنيف، وكأنها تفقد فعاليتها تدريجيًا، ليس لأنها غير موجودة، بل لأنها تُطبّق انتقائيًا. فالقانون الدولي لا يعمل بذاته، بل بإرادة من يملك القدرة على فرضه، وهذه الإرادة تبدو اليوم منشغلة بملفات أخرى.


الرواية الإسرائيلية، من جانبها، لا تغيب عن المشهد، إذ تُقدَّم هذه العمليات في إطار “الرد على تهديدات” أو “إحباط هجمات”. لكن حتى ضمن هذا الطرح، تبقى الأسئلة قائمة حول التناسب، وحول طبيعة الأهداف، وحول الكلفة الإنسانية المتكررة. وهي أسئلة لم تجد بعد طريقها إلى مساءلة حقيقية، رغم وجود مؤسسات مثل المحكمة الجنائية الدولية.


غير أن البعد الأكثر دلالة لا يكمن فقط في الفعل، بل في توقيته. فالتصعيد المتزامن مع انشغال العالم بحرب إيران ليس تفصيلًا عابرًا. في لحظات ازدحام الأزمات، تتراجع بعض القضايا تلقائيًا إلى الخلف، ليس لأنها انتهت، بل لأنها لم تعد أولوية. وهنا تحديدًا تتسع مساحة الفعل دون رقابة كافية، ويصبح الصمت الدولي عاملًا غير مباشر في استمرار الواقع القائم.


حتى على مستوى المؤسسات الدولية، يبدو أن الحضور خافت. فدور مجلس الأمن الدولي، على سبيل المثال، يتأثر بإيقاع التوازنات السياسية، فيتحول أحيانًا من منصة ضغط إلى مساحة نقاش غير حاسم، خصوصًا في ظل تعدد الأزمات وتضارب المصالح.


غزة، في هذا المشهد، ليست فقط ضحية قصف متكرر، بل ضحية غياب مستمر للانتباه. فحين يغيب الضوء، لا تتوقف الوقائع، بل تتكثف في العتمة. وحين تتراجع المتابعة، تتآكل الحدود بين ما هو استثنائي وما يصبح اعتياديًا.
قد لا تكون هذه الأرقام مجرد إحصاءات عابرة، بل مؤشرات على خلل أعمق في كيفية إدارة العالم لأزماته. فحين يُقتل المئات في ظل اتفاق يفترض أنه وُجد لحمايتهم، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بغزة وحدها، بل بجدوى النظام الدولي ذاته.


في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بانتهاكات مستمرة، بل بمعنى أن يحدث ذلك دون أن يثير ما يكفي من الانتباه. وربما هنا تكمن المأساة الأكبر: ليس في استمرار الألم، بل في تراجع القدرة على رؤيته.


د. عبدالرحيم جاموس
الرياض

شاهد أيضاً

إنعقاد المؤتمر الصحفي لمهرجان الثقافة السينمائية التابع لمجموعة الصين للإعلام

إنعقاد المؤتمر الصحفي لمهرجان الثقافة السينمائية التابع لمجموعة الصين للإعلام

شفا – سيقام مهرجان الثقافة السينمائية التابع لمجموعة الصين للإعلام خلال الفترة من 15 إلى …