
عشقٌ بين حارتين… في سلفيت حيث تبدأ الحكاية ولا تنتهي ، لوحة الفنان محمد الدغليس ، كلمات: د. وليد العريض
في تلكَ اللّوحةِ التي لا تُرى بالعينِ وحدها، بل تُحَسُّ بالقلب، حيثُ لا يكونُ الرسمُ إلا ذريعةً لفتحِ بابٍ خفيٍّ نحو الأزمنةِ التي ما زالت تنبضُ فينا… لا يقفُ المشهدُ عند بيتٍ حجريٍّ أو زُقاقٍ ضيّق، بل يمتدُّ ليحتضنَ سلفيت، زهرةَ فلسطين.
تلكَ المدينةُ التي لا تُقاسُ بجغرافيتها، بل بما تختزنُه من ذاكرةٍ سائلةٍ كينابيعِها التِّسعةِ والتسعين؛ حيثُ الماءُ ليس ماءً فقط، بل حكاية… وحيثُ كلُّ نَبعةٍ لسانٌ من أصواتِ الأرض، تُهمِسُ لأبنائها:
هنا بدأتم… وهنا تعودون.
وفي تلكَ الحاراتِ التي تتشابكُ كأصابعِ يدٍ واحدة، حيثُ البيوتُ تتكئُ على بعضها كأنها تتواصى بالصبر، وحيثُ غاباتُ الزيتون تمتدُّ كبحرٍ أخضرَ لا نهاية له… تكتبُ الأرضُ سيرتَها بلا حبر.
تُعلِّمُ أبناءها أنَّ الزيتَ ليس عصارةَ ثمرٍ فقط، بل عصارةُ عُمرٍ وصمود،
وأنَّ العنبَ الذي يفيضُ من كرومها ليس غذاءً للجسد فحسب، بل نشيدُ فرحٍ قديم،
وأنَّ النبيذَ الذي وُلدَ من تعبِ الفلاحين لم يكن هروبًا من الحياة، بل احتفالًا بها.
فتغدو سلفيت…
سلةَ العنب، وسلةَ الزيت، و”موسكو الصغرى”… لا لقبًا، بل شهادةً على أنَّ الفكرَ يمكن أن ينبتَ كما ينبتُ القمح، وأنَّ الثقافةَ يمكن أن تكونَ ظلًّا للشجرة، كما هي ظلٌّ للإنسان.
وهناك… بين الحارةِ الغربيةِ والحارةِ الشرقية، حيثُ لا تفصلُ المسافاتُ بل تصلُها القلوب، يبدأُ العشقُ الذي لا يُعلنُ عن نفسه، بل يتسلّلُ كالماءِ بين الحجارة.
عشقٌ لا يُقال، لأنَّه أكبرُ من القول،
ولا يُفهم، لأنَّه أعمقُ من الفهم.
في ذلكَ الزمان، حين كان الحليبُ لغةً تُشرَب ولا تُقال،
وكان الرعيُ صلاةً يوميّةً يرفعها الضوءُ ويختمُها الغروب…
كان الطفلُ يسيرُ لا كعابرٍ بين مكانين، بل كجسرٍ حيٍّ بين روحين؛
يحملُ كاساتِ اللبنِ بيدٍ صغيرة، لكنَّه يحملُ في داخله عالمًا كاملًا من الطمأنينة.
يأخذُ بقرشٍ واحد…
ويعودُ بثروةٍ من الحنان لا تُحصى.
يمرُّ من الأزقّةِ التي تحفظُ خطواته، كما تحفظُ الأمُّ أسماءَ أبنائها…
ولا يدركُ أنَّه في كلِّ خطوةٍ كان يكتبُ سطرًا من سيرةٍ لن تُروى إلا بعد زمن،
ولا يعلمُ أنَّ المِغطاسَ الذي يحمله ليس وعاءً للبن فقط… بل وعاءُ ذاكرةٍ ستفيضُ يومًا بما لا يُحتملُ من الشوق.
وكانت العيونُ تقولُ ما تعجزُ عنه الكلمات،
وكانت الخطواتُ تعرفُ طريقها، كما تعرفُ القلوبُ وجهتها.
بين وليدَ ومحمد…
لغةٌ لا تحتاجُ إلى حروف،
وصمتٌ ليس فراغًا، بل امتلاءٌ يشبهُ الدعاء.
يشبهُ تلكَ اللحظات التي يقفُ فيها الإنسانُ أمام نفسه،
فيدركُ أنَّ ما يسكنُه ليس مجرّدَ ذكريات، بل جذورٌ تمتدُّ في عمق الأرض.
وكلّما ابتعدَ عنها… عادَ إليها،
وكأنَّ سلفيت لم تكن مكانًا وُلدا فيه فقط،
بل كانت شيئًا وُلِدَ فيهما…
شيئًا لا يُغادر.
وهنا تتجلّى المفارقة:
فاللوحةُ تُجمِّدُ الزمن لتقول إنَّ ما كان قد مضى،
لكنَّ الكلمات تُحرِّكه لتُعلن أنَّ ما مضى… لم يغِب.
بل تحوّل إلى حياةٍ أخرى داخلنا.
فالريشةُ ترسمُ الأغنام وتُخفي الجدّ،
أمّا الكلمةُ فتُعيده حيًّا… يمشي بيننا،
يربّتُ على الرؤوس البيضاء، كأنَّه يربّتُ على الزمن ذاته.
اللوحةُ تُضيء الجدران…
لكنَّ النصَّ يُضيء القلوب التي سكنتها.
فتلتقي الريشةُ والقلم…
لا كفنين منفصلين، بل كروحٍ واحدة،
تعرفُ أنَّ الحكاية لا تُكتبُ إلا إذا عُشِقَت،
ولا تُخلَّدُ إلا إذا سُكِنَت.
وهُنا، حيثُ تمتدُّ سلفيتُ كذاكرةٍ مفتوحة، بحاراتها، بنبعاتها، بزيتها وعنبها، بفكرها الذي جعلها مدينةً لا تُقاسُ بعدد بيوتها بل بعدد أحلامها… يعلو الدعاءُ صامتًا، كما تعلو ينابيعها دون ضجيج:
رَحِمَ اللهُ الجَدَّ،
ورَحِمَ اللهُ أُمَّ عليٍّ، حبيبةَ الفنان ورفيقةَ دربه منذُ الشبابِ الأوّل،
وحَفِظَ اللهُ أُمَّ خُلْدون، حبيبةَ الكاتب ورفيقةَ روحِه، وأدامَ عليها الصحّةَ والعافيةَ وطولَ العُمر،
ورَحِمَ اللهُ كلَّ الذين مرّوا من هنا، وتركوا في الحَجَرِ روحًا،
وفي الشجرِ حنينًا،
وفي القلوبِ وطنًا لا يُغادر.
لأنَّ الحكايةَ لم تُكتبْ يوم عاشوها… بل كُتبت الآن،
لا بالحِبر… بل بالوفاءِ،
ولا على الورق… بل في القلب.
وهُنا تنتهي الحكاية… لِتبدأ من جديد،
لأنَّ هذا النصَّ ليس عن لوحةٍ، ولا عن طفولةٍ، ولا عن حارتين فقط…
بل عن عشقٍ لا ينتهي،
عشقٍ لمكانٍ صار روحًا،
ولروحٍ صارت مكانًا.
عشقٍ لمدينةٍ اسمها سلفيت…
لكنّها، في الحقيقة، اسمٌ آخرُ للقلب حين يتذكّر،
وللروح حين تُحبّ،
وللإنسان حين يعود… دون أن يُغادر.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .