7:00 مساءً / 26 مارس، 2026
آخر الاخبار

الحلم المؤجل وأصداؤه: قراءة في النبطي المنشود ، بقلم : بلقيس عثامنه

الحلم المؤجل وأصداؤه: قراءة في النبطي المنشود ، بقلم : بلقيس عثامنه


يضع الأديب جزءًا من ذاته داخل النص، روح ترفرف بين أسطره وتلامس شوق المتلقي الذي يشعر نبض الكلمة، وتدفق الوجدان، وهنا تأتي رواية “النبطي المنشود” التي تنبض بروح خفية تسعى لتخليد أرض الأنباط، وحضارة الأجداد، وتسلط الضوء على وطننا العامر وماضيه الممتد في عمق التاريخ، وعطره الشذي يفوح من صخور أرضه الوردية.


توجه الرواية الأضواء على جانب مهم من جوانب الحضارة النبطية، الجانب العلمي المغمور والذي يفتقد للدراسة والبحث، فهؤلاء الأجداد سطروا مجدهم، وتوسعت حضارتهم لتمتد بالتجارة إلى أنحاء العالم وعلم الفلك ليصف الفضاء ويساعدهم في فهم العالم من حولهم وهندستهم التي روت ظمأ الصحراء، إنهم بناة حضارة نجهلها إلى اليوم، وما زلنا بحاجة لفهم عقولهم وعلمهم، فأرضنا غنية ثرية بالماضي الذي خلدته بالإرث المعرفي والمنجز الحضاري.


من وجهة نظري، الحضارات التي مرت على أرضنا الأردنية لم تزل بحاجة إلى التمحيص والبحث والاستكشاف، وهنا يأتي دور الأدب، إذ تتحد الجهود بين لبنات المجتمع لتشكيل خارطة عامة، وحضورا خاصا، وحظوة علمية وحضارية لأرض عاشت عليها ثقافات تقاطعت مع غيرها وأفادت منها قبل هدمها ومحاصرتها.


في سياق متصل، إن الرواية، رغم قصرها وبساطتها، تحمل هم الثقافة والعلم، وتضيء على سرقة العلم، وقصور البحث العلمي ومحاربته، فهذه قضايا تحتاج وقفة وتمحيصا، وتجعل العمل الروائي عملا يحمل سمو الهوية والبنية الفكرية المتجذرة في الماضي، فإن عرفنا ماضينا فهمنا أنفسنا وازددنا صلابة تاريخية، إلا أن “معمر” الباحث في تاريخ الأرض وعلمها يبحث وحيدا ساعيا لتثبيت الصلة العلمية بجذورها الصحيحة، محاربًا بغية تضليل الحقيقة.


ولا تقف الرواية عند حدود استحضار الماضي بوصفه حنينا عابرا إنها تتجاوزه لتجعله أداة مساءلة للحاضر، إذ يتقاطع الزمنان داخل النص ليكشفا فجوة الوعي بين ما كان عليه الأنباط من تقدم علمي وتنظيم معرفي، وبين ما نعيشه اليوم من قصور في استثمار هذا الإرث وقراءته، وهنا نقطة تحتسب للعمل، في تحويل التاريخ من مادة جامدة إلى كيان حي، يحرض القارئ على إعادة التفكير في مفهوم الحضارة ذاته، بوصفها منظومة عقل وإنتاج ومعرفة قابلة للامتداد والاستئناف لا بقايا صامتة لقوم غبروا.


ومن زاوية أعمق، يمكن قراءة الرواية بوصفها خطابا ضمنيا عن العزلة التي يعيشها الباحث الحقيقي، ذلك الذي ينقب في طبقات المعرفة العميقة مبتعدا عن ضجيج السطح، فيصطدم بواقع لا ينصف العلم ولا يحتفي به، فالشخصية الباحثة في النص لا تمثل حالات فردية، تعرضها الرواية، بقدر ما تجسد حالة معرفية مأزومة، تحاصرها اللامبالاة وتثقلها معيقات الواقع، لتغدو رحلتها أقرب إلى مقاومة صامتة في سبيل تثبيت الصلة العلمية بجذورها الأصيلة. وبهذا، تنجح الرواية في أن تمنح صوتًا لذلك الجهد الخفي، وتعيد الاعتبار لقيمة البحث بوصفه فعلًا وجوديًا يرتبط بالحضارة، ويحث على الدراسة العلمية للبحث عن الأكاديمية الصارمة ويرتبط بوجدان الباحث وجذوره، فيتسم بالسمو والعلمية والحياة.

شاهد أيضاً

دولة فلسطين تشارك في الاجتماع التحضيري (43) لمجلس وزراء الداخلية العرب

دولة فلسطين تشارك في الاجتماع التحضيري (43) لمجلس وزراء الداخلية العرب

شفا – شاركت دولة فلسطين، اليوم الخميس، في أعمال الاجتماع التحضيري الثالث والأربعين لمجلس وزراء …