
انتخابات المجالس المحلية 2026: فرصة للإصلاح الحقيقي والتغيير الجذري أم مضاعفة الأزمات؟ ، بقلم : سهى جدعون
مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية المقرر في الخامس والعشرين من نيسان 2026، تتجدد التساؤلات في الشارع الفلسطيني: هل ستشاركون في الانتخابات؟ ومن ستنتخبون؟
بالرغم من أهمية هذه الأسئلة، إلا أنها فقدت قيمتها أمام تساؤلات جوهرية أكبر وأعمق: كيف سنخوض هذه الانتخابات؟ وبأي وعي؟ وبأي قدر من المسؤولية؟
فالتجربة السابقة في العديد من المجالس المحلية لم تخلُ من مظاهر الخلافات والانقسامات الداخلية، وتصفية الحسابات، والمنافسة على المناصب واللجان، وغياب التوافق والعمل الجماعي، إلى جانب تعدد الرؤساء خلال الدورة الانتخابية الواحدة. هذه المظاهر لم تؤدِ إلى عرقلة سير العمل وإضعاف الأداء الإداري فقط، بل أثرت أيضا في استقرار المجالس وقدرتها على تنفيذ خططها وبرامجها التنموية واستنزفت الطاقات وهزّت ثقة المواطنين بمن ائتمنوهم على إدارة الشأن العام. فنحن اليوم أمام مرحلة تحتاج إلى مراجعة شاملة وتقييم موضوعي لما حدث سابقاً، قبل المضي قدماً نحو استحقاق انتخابي جديد.
المجالس المحلية ليست مواقع للتشريف والوجاهة، ولا لإثبات النفوذ، ولا للامتيازات الشخصية، ولا لتصفية الحسابات ولا للصراعات والانقسامات. إنها واجب ومسؤولية أخلاقية واجتماعية ووطنية. فالمؤسسات المحلية هي مؤسسات خدمية وتنموية يقع على عاتقها مسؤولية إدارة المدن والبلدات والقرى وتمس حياة الناس بشكل مباشر ويومي، من تخطيط ورخص بناء ومياه وكهرباء إلى تنظيم الأسواق العامة والحرف والصناعات والنظافة والصحة العامة وصولاً إلى تنظيم الباعة المتجولين والحمالين والبسطات والمظلات وغيرها الكثير، كما أنها محطة هامة في صنع القرار المحلي لما تمتلكه من صلاحيات، وهذا يقتضي تقديم المصلحة العامة على أي اعتبار مهما كان.
إن الإصلاح والتغيير الحقيقي لا يتحقق بتغيير الأسماء والوجوه والشخصيات فقط، بل بتغيير الثقافة. ثقافة ترسّخ من قيم العمل الجماعي والشراكة، وتحترم التخصص، وتطبق القوانين والأنظمة، وتُقدم المصلحة العامة على أي اعتبار.
وفي هذا الإطار، فإن ما قامت به بلدية رام الله بالتوافق على تشكيل قائمة موحدة لخوض الانتخابات، ما هو إلا خطوة تعكس وعياً بأهمية تكاتف الجهود وتوحيدها وتقديم نموذج يقوم على التعاون والعمل الجماعي، بعيداً عن التنافس الذي قد يتحول إلى صراع أو انقسام ينعكس سلباً على أداء هذه المؤسسات وجودة الخدمات المقدمة إلى المواطن الفلسطيني، مع أن التنافس الديمقراطي حق، إلا أنه يفقد قيمته حين يتحول إلى صراع داخلي.
ومع اكتمال تشكيل القوائم الانتخابية، تبقى اليوم مسؤولية التصويت وحسن الاختيار في يد الناخبين، فأصواتهم ستحدد من سيمثلهم في المجالس المحلية خلال السنوات المقبلة. لذلك كلنا أمل في الاستفادة من تجربة الانتخابات المحلية السابقة، وأن يكون التصويت تصويتاً واعياً وعادلاً، يأخذ في الاعتبار الخبرات والكفاءات والقدرة على تحمل المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية والوطنية بعيداً عن الاستجابة لصلة القرابة والصداقة والعلاقات الشخصية والمحسوبيات، بما يضمن تشكيل مجالس قادرة على تنفيذ مشاريع تنموية تخدم البنية التحتية وتستجيب لاحتياجات المواطنين وتساهم في تحقيق التنمية المستدامة التي يحتاجها المجتمع الفلسطيني. فالصوت الانتخابي أمانه وليس مجاملة ونتيجته ستنعكس مباشرة على جودة الخدمات ومستقبل التنمية في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية.
وفي هذا السياق تبرز أهمية تعزيز الوعي والتثقيف الانتخابي من خلال وسائل الإعلام عبر التعريف بالمرشحين وبرامجهم ورؤاهم وخبراتهم ومؤهلاتهم، وما قدموه سابقاً وما سيقدومه خلال فترة توليهم هذه المسؤولية، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الالتزام بأخلاقيات المهنة من خلال التحقق من صحة ودقة المعلومات لضمان مصداقيتها لكي تبقى حيادية ومتوازنة تحمي نزاهة العملية الانتخابية. كل ذلك من شأنه مساعدة الناخبين بالتصويت لاختيار ممثليهم بمسؤولية وعلى أسس موضوعية قائمة على الكفاءة والقدرات، وبما يخدم المصلحة العامة للوطن والمواطن.
إن المجتمع الفلسطيني اليوم وفي ظل حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي بحاجة إلى مجالس كفؤة، قوية وشجاعة وجريئة في تطبيق القوانين والأنظمة، وتمتلك القدرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها على أرض الواقع، والعمل أيضا بنزاهة ومصداقية وشفافية ومسؤولية وبروح الفريق الواحد تضع المصلحة العامة فوق أي اعتبار.
فهذه محطة اختبار حقيقي، فإما أن نرتقي بالتجربة السابقة، أو نعيد السيناريوهات ذاتها بأسماء ووجوه وشخصيات جديدة. فكفى وعوداً لا يمكن تطبيقها.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .