7:19 مساءً / 9 مارس، 2026
آخر الاخبار

نخبة تحرس الظل: حين تتحول السمعة إلى درع يحمي الجريمة ، بقلم : مصعب صباريني

نخبة تحرس الظل: حين تتحول السمعة إلى درع يحمي الجريمة:

نخبة تحرس الظل: حين تتحول السمعة إلى درع يحمي الجريمة ، بقلم : مصعب صباريني

لم يكن اسم جيفري إبستاين ليحتل صدارة المشهد العالمي لو كان مجرد رجل يملك ثروة هائلة؛ فالعالم مليء بالمليارديرات، غير أن ما منحه تلك القوة الاستثنائية لم يكن المال وحده، بل شبكة العلاقات التي نسجها بعناية داخل قلب النظام العالمي للنخبة. في نيويورك، المدينة التي لم تعد مجرد جغرافيا بل مركزًا تتقاطع فيه السياسة والمال والنفوذ، وجد إبستاين البيئة المثالية لصناعة شرعيته الاجتماعية، وهناك، حيث تتجاور مقار الأمم المتحدة مع إمبراطوريات المال والثقافة، تتشكل دوائر مغلقة من النفوذ تُحسم داخلها الكثير من مصائر العالم بعيدًا عن أعين الجمهور.


في تلك البيئة، لم يكن إبستاين مجرد رجل ثري، بل وسيطًا بين العوالم المختلفة للنخبة الدولية، كان قادرًا على جمع جنرال متقاعد مع حائز جائزة نوبل، وعلى ترتيب لقاءات بين قادة سياسيين ونجوم مال وأعمال، في شبكة علاقات تبنى فيها المكانة بقدر ما تشترى، ومع مرور الوقت، تحولت تلك الشبكة إلى مظلة سمعة واسعة، جعلت من الصعب على كثيرين تخيل أن الرجل الذي يتنقل بين أروقة النفوذ ويشارك في حفلات الصفوة يمكن أن يخفي خلف صورته العامة عالمًا مظلمًا من الانتهاكات.


لم يكن السؤال الأهم فيما كشفته التحقيقات اللاحقة: من زار جزيرته؟ بل كيف استطاع أن يحيط نفسه بأسماء تعدّ في الوعي العام رموزًا للسلطة أو الأخلاق أو الفكر، فلقد عملت تلك الأسماء، من حيث تدري أو لا تدري، كدرع واقٍ يمنحه الشرعية ويضعف الشكوك. ففي مجتمعات النخبة، غالبًا ما يُستبدل التدقيق الأخلاقي بمعايير المكانة الاجتماعية: من يجلس على موائد الأثرياء ويظهر في مناسباتهم يُفترض تلقائيًا أنه جزء من الدائرة الموثوقة.


ضمن هذه الدائرة ظهرت شخصيات ذات وزن عالمي، فإيهود باراك، الجنرال الإسرائيلي السابق ورئيس الوزراء الأسبق، ارتبط بعلاقة طويلة مع إبستاين امتدت لسنوات، وفي الصورة العامة كان باراك يقدَّم بوصفه رجل دولة وقائدًا عسكريًا لامعًا، اعتاد التفكير الاستراتيجي ومواجهة الأخطار، غير أن هذه الصورة بدت متناقضة مع واقع علاقة استمرت سنوات مع رجل تحيط به شبهات خطيرة، والمفارقة أن القائد الذي بنيت سمعته على الحذر والقدرة على قراءة التهديدات لم يرَ الخطر في محيطه القريب، ربما لأن البيئة التي جمعتهما كانت بيئة نخبوية تُغري بتعليق الأسئلة الصعبة.

وفي السياق ذاته، يبرز اسم شمعون بيريز، السياسي الإسرائيلي المخضرم والحائز على جائزة نوبل للسلام، بيريز، الذي كرّس جزءًا كبيرًا من نشاطه بعد خروجه من السلطة للعمل في مشاريع الحوار والسلام، كان يبحث باستمرار عن داعمين لمؤسساته ومبادراته، وفي مدينة مثل نيويورك، التي تعد مركزًا عالميًا للعمل الخيري والتمويل السياسي، بدا إبستاين في نظر كثيرين مجرد مانح آخر ضمن شبكة واسعة من المتبرعين، غير أن هذه العلاقة تكشف مفارقة عميقة في عالم السياسة: حين يصبح المال عنصرًا حاسمًا في تمويل المبادرات الكبرى، قد تتراجع الأسئلة الأخلاقية حول مصدره، ويختزل الحكم في الأرقام لا في الأشخاص.


أما إيلي فيزل، الكاتب والناجي من المحرقة وأحد أبرز الأصوات الأخلاقية في العالم، فقد مثّل حضوره في تلك الدائرة رمزًا أكثر تعقيدًا، فالرجل الذي كرّس حياته للتذكير بمآسي التاريخ والدفاع عن الضحايا، وجد نفسه ضمن شبكة اجتماعية تضم رجلًا سيُكشف لاحقًا أنه ارتكب انتهاكات جسيمة، وجود شخصية بحجم فيزل في محيط إبستاين لم يكن دليلًا على معرفة مسبقة بما يجري، لكنه يعكس إلى أي حد يمكن للمكانة الاجتماعية أن تصنع وهم الثقة وتغلق الباب أمام الشك.
لم تكن هذه العلاقات صدفة عابرة، بل جزءًا من آلية أوسع في عالم النخب، فكل اسم كبير يرتبط بشخصية مثيرة للجدل يمنحها طبقة إضافية من الشرعية الاجتماعية، ومع تراكم هذه الطبقات، يصبح من الصعب على المجتمع أن يتصور أن شخصًا محاطًا بكل هذا البريق يمكن أن يكون مركزًا لفضيحة أخلاقية بهذا الحجم، وهكذا تتحول السمعة إلى مظلة حماية، ويصبح الضحايا غير مرئيين خلف الضجيج الاجتماعي الذي تصنعه المكانة والنفوذ.


تكشف هذه القصة خللًا أعمق في بنية النخبة العالمية. ففي مجتمعات تمنح فيها السلطة الأخلاقية لشخصيات عامة ذات تأثير واسع، يصبح سقوط تلك الشخصيات أو انخراطها غير المباشر في دوائر مشبوهة ضربة لفكرة المصداقية ذاتها، فعندما يجتمع قادة سياسيون ورموز فكرية وناشطون في فضاء واحد مع شخصية ستنكشف لاحقًا كمرتكب لانتهاكات خطيرة، فإن المسألة لا تتعلق بسمعة أفراد فقط، بل بقدرة النظام الاجتماعي كله على التمييز بين المكانة والأخلاق.


في هذا المعنى، لم تكن نيويورك مجرد مسرح للأحداث، بل نموذجًا لنظام عالمي تُقاس فيه القيمة الاجتماعية بالثروة والنفوذ بقدر ما تقاس بالمعايير الأخلاقية، مدينة تجمع أعلى الخطابات عن العدالة وحقوق الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تحتضن شبكات نفوذ قادرة على إعادة إنتاج الشرعية لمن يملكون المال والعلاقات.

قصة إبستاين، في جوهرها، ليست فقط قصة رجل استغل السلطة والمال لارتكاب جرائم، بل قصة منظومة اجتماعية سمحت بأن يتحول القرب من النخبة إلى شهادة حسن سلوك، إنها تذكير قاسٍ بأن السمعة، مهما بدت براقة، قد تتحول إلى ستار يحجب الحقيقة. والسؤال الذي يظل معلقًا بعد انكشاف كل شيء ليس فقط كيف حدث ذلك، بل إلى أي حد ما زالت تلك الآليات تعمل في صمت داخل عالم لا يزال يمنح النفوذ سلطة تعريف الأخلاق.

⦁ مصعب صباريني – كاتب وباحث فلسطيني مقيم في موسكو

شاهد أيضاً

وزير الخارجية الصيني، وانغ يي

وزير الخارجية الصيني يحث على وقف إطلاق النار ويدعو إلى العودة إلى الحوار من أجل السلام في الشرق الأوسط

شفا – قال وزير الخارجية الصيني وانغ يي اليوم الاثنين إن الأولوية القصوى هي الوقف …