
على مائدة الخبيزة تنتصر البركة على سنة الجوع ، بقلم : غدير حميدان الزبون
في البلادِ التي تعلّمت أنْ تحفظ مواسمها في الذاكرة قبل الدفاتر يطلّ الشتاء كتابًا مفتوحًا على سيرة الأرض وأهلها، فيكتب اسمه بالمطر على ذرات التراب.
تحت قطراته حفظَت النساء وصفات النجاة بحكمةٍ ودهاء مثلما يُحفظ الدعاء في الصدر.
ومع كلّ شتاء كانت الحكايات تنبت مع الخبيزة خضراء متواضعة، وعنيدة تشبه النساء اللواتي علّمنها سرّ البقاء.
كانت أقصى الأماني آنذاك روحٌ تتعلّم أنْ تضحك وهي تمسح دمعتها، وأنْ تجد في ورقةٍ صغيرة وعدًا بالحياة.
كان ذلك في صباحٍ شتويّ أعقب المطر بأيامٍ قليلة عندما عدتُ إلى المقبرة التي تضمّ جسدي الفاطمتين أمّي وجدّتي رحمهما الله.
تحسّستُ التراب ويداي ترتجفان فما زال رطبًا، وما زال يلمع تحت شمسٍ خجولة، والهواء مشبعًا برائحة الأرض التي ترتوي بعد طول انتظار.
قرأتُ الفاتحة، ثم حاولتُ أنْ أستعيد ملامحهما من تفاصيل الغياب المحفور بصمت الشاهدَين، ومن تشقّقات التراب.
كان أوّل ما لفت نظري ذلك الاخضرار الغضّ الذي شقّ الأرض فوق القبرين بأوراقه المستديرة الناعمة كأنها كفوفٌ صغيرة تلوّح لي من باطن الغياب.
ابتسمتُ رغم الغصّة، وهمستُ:
إنّها الخبيزة…
بدأ الاسترجاع ينسلّ إلى صدري كانسياب الزيت على وجه الخبيزة الساخنة في دفء يعرف طريقه إلى القلب.
سمعتُ صوت جدّتي يسبق الريح، وصوت أمّي يتبعه كأنهما تتناوبان الحكاية على لسانٍ واحد: يا بنيّتي، الأرض تحفظ أسماء سنواتها، وإذا غضبت نادت سنة الجوع.
تحكيان ما كان يُحكى لهما عن تلك السنوات العصيبة في بلاد الشام إبّان الحرب العالمية الأولى عن سنة الجوع المرتبطة بذكريات سفر برلك، والتي أُخذ فيها الرجال من الحقول عنوة، وبقيت النساء يحدّقن في سماءٍ شحيحة لا تمطر إلا القلق والعناء.
تقول جدّتي: كنّا نعدّ الأيام كما نعدّ الأرغفة، ونقتسم اللقمة كما يُقتسم الدعاء.
وجاءت “المستقرضات” أربعةٌ من شباط، وثلاثةٌ من آذار في برد يلسع العظم ويختبر الصبر.
وبعد “سعد السعود” كان الناس يظنون أنّ الدفء اقترب فتعود الريح لتذكّرهم أنّ الفرح في هذه البلاد لا يكتمل إلا بالنقص.
تحكيان عن سنة “المحوّلة”، وعن المثل الذي كان يُقال: “سنة الفحولة محوّلة، وسنة البنات نبات”.
وعن النسوة اللواتي خرجن بطقس “أم الغيث” وهنّ يحملن دميةً صغيرة ويجُبن الأزقّة يغنين للسماء علّها ترقّ، لكنّ السماء كما قالت جدّتي لا ترقّ دائمًا؛ فتعلّمت النساء أنْ يبحثن عن الرحمة في الأرض.
كانت أمّي تخفض صوتها وتبتسم، ثم تقول: في سنة الجوع صارت الخبيزة سيّدة المائدة.
وأتذكّر مواسم الشتاء في بيتنا وكيف كانت العائلة الممتدّة تجتمع كبارًا وصغارًا حول صحنٍ أخضر يشبه الحقل.
كانت أمّي تفرم الخبيزة بحنانٍ يشبه الصلاة، وجدّتي تراقب النار بجدّيةٍ عسكرية كأنها تدير معركةً مصيرية، ثم تسكبان فوقها زيت الزيتون البكر بسخاء، وتعصران الليمون العطري، وتضعان حبّات الزيتون الرصيص مثل عيونٍ تحرس الطبق.
كانتا تقولان معًا في تعويذة نجاة: هيك بتصير بركة، فنضحك ونحن نأكل، ويعلو صوت إحدى العمّات: لو تعرف الخبيزة شو مسوية فينا، كان طلبت مهر.
فتضحك الجدّة وتردّ:المهر زيت وليمون، والباقي على الله يا بنات.
في عزّ الحكايات عن الجوع كان الضحك يجد مكانه بين اللقمات، فهو الوجه الآخر للصبر، وطريقته السرّية في المقاومة.
أفتح عينيّ في المقبرة مجدّدا فأرى الخبيزة الممتدة عبر الحكايا تنبت فوق القبرين كما لو أنها تعرف الطريق إليهما.
لا زلتُ أعرف أنّ أوّل ما ينبت بعد المطر لم يكن صدفة، فالأرض تعرف صوتها، والحكاية لم تنتهِ.
ومهما اشتدّت سنة الجوع ستبقى هناك ورقةٌ خضراء صغيرة تشقّ التراب، وتعيد العائلة إلى المائدة ولو في الذاكرة.
أمدّ يدي فألمس الورق الطريّ، وأهمس: لا تقلقا أيتها الفاطمتان، فما زلنا نطبخها بالطُّقوس نفسها.
وأنا أغادر المقبرة التفتُّ مرّةً أخيرة، وتخيّلتُ ما سيحدث لو أنّ المطر هطل الليلة أيضًا.
كم ورقةً أخرى ستنبت؟ وكم حكايةً أخرى ستخرج من بين التراب؟
ربما في الشتاء القادم سأعود؛ لأجد الخبيزة أكثر اخضرارًا، وربما سأجلس قرب القبرين وأضحك مجدّدا، لأنني سأسمع جدّتي تقول لأمّي: شايفة يا فاطمة، لسّه البنات بيعرفن طريق البركة.
وربما سيعاد المشهد مع بناتي لأخرج بنفس الحكمة.
كبرتُ فجأة دون استئذان لطفولتي المختبئة بين حقول الخبيزة وشقائق النعمان، وأدركتُ متأخّرةً أنّ سنة الجوع اختبار في الذاكرة، فالجدّات صنعن صحن الخبيزة بحبٍّ وحكمة كي لا نجوع إذا انطفأت المواسم.
في طريق عودتي من المقبرة شعرتُ أنّني لم أترك شيئًا خلفي، ويكأنّ الفاطمتين عادتا معي مختبئتَين في رائحة المطر، وفي نضارة الورق الأخضر، فالقبر تربة الحكاية، وكلّ غيابٍ يحتاج شتاءً ليورق.
ربما سيأتي زمنٌ آخر يُسمّونه سنةً جديدةً للجوع، لكنني أعرف الآن أنّ تحت كلّ ترابٍ حزين ثمّة ورقة صغيرة تستعدّ للظهور، وأنّ البركة مثل الخبيزة لا تموت.
إنها فقط تنتظر المطر.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .