
قراءة في رواية نسيم قبها ( جَنين في جِنين) ، بقلم : رفعت الصباح
في قراءتي للرواية ، لاحظت أنها ليست سرداً لأحداث، بل هي تأمل وجودي عميق في إشكاليات الوجود تحت وطأة المحنة. “جنين في جنين” تحول الصمود الفلسطيني من فعل سياسي إلى ظاهرة أنطولوجية، حيث يصير الوجود ذاته مقاومةً للعدم. العمل يقدم نموذجاً تربوياً فريداً: كيف تتحول المعاناة إلى منهج تعليمي، والذاكرة إلى منهج دراسي، والمقاومة إلى أخلاق يومية.
تتحول الأنقاض هنا إلى فضاء للوجود، والذاكرة إلى سلاح أنطولوجي. الشخصيات لا تسكن المكان فحسب، بل “تتواجد” فيه بحمولة وجودية تذكرنا بـ”الوجود-في-العالم” الهايدغري. كل شمعة تضيء في الظلام هي تمرّد على العدم، وكل حجر يُرفع من الركام هو إثبات لـ”إرادة الحياة” النيتشوية. ولكن الأعمق من ذلك، هو كيف تتحول هذه الأفعال اليومية إلى منهج تربوي: الطفل الذي يتعلم في الظلام، والمرأة التي تغرس البذور في الصناديق، والعجوز الذي يحيك السجاد بألوان العلم – كلها دروس في صنع المعنى من اللامعنى، وإنتاج الجمال من القبح.
رواية نسيم قبها هذه ، تطرح أسئلة تربوية جوهرية: كيف يخلق الإنسان معناه في مواجهة اللامعنى؟ وكيف تتحول المعاناة إلى مصدر للقوة؟ تجيب عبر حكاية إنسانية تذكرنا بأن الوجود الأصيل يولد من رحم الألم، وأن الجمال يمكن أن يزهر في أكثر التربة قسوة. لكنها تذهب أبعد من ذلك، لترسم منهجاً تربوياً متكاملاً: التربية هنا ليست في المدارس المدمّرة، بل في فعل الحياة المستمرة. تعليم الأطفال تحت الأنقاض يصبح درساً في “المقاومة بالتعلم”، والعناية بالمريض في الظلام يصبح درساً في “المقاومة بالرحمة”، وزراعة الخضرة بين الركام يصبح درساً في “المقاومة بالخلق”.
من خلال رموز عميقة كالمفتاح (الذاكرة الحاملة لوعد العودة) والشجرة (الجذور البيولوجية والفلسفية) والمرآة المتشققة (الهوية التي تحمل ندوبها كشهادات وجود)، تقدم الرواية منهجاً تربوياً في مقاومة المحو: التذكر كفعل خلاق، والعطاء في زمن الندرة كتمرّد، والحب كسلاح نهائي. إنها تعلّمنا أن التربية الحقيقية في ظل الاحتلال ليست في نقل المعلومات فقط، بل في صياغة وعي يستطيع أن يرى في التمزق فرصة للنسيج من جديد، وفي الظلمة إمكانية لإشعال شمعة، وفي الفقدان ذاكرةً لا تموت.
في النهاية، “جنين في جنين” هي قصيدة وجودية عن إنسان يرفض أن يكون رقماً في سجل التاريخ، ويصر على أن يكون قصيدة حب في زمن الكراهية، وضياءً في ليل الظلام. إنها رواية-مدرسة تدرّس أقسى الدروس: أن الإنسانية تُختبر ليس في أوقات الرخاء، بل في لحظات الانهيار؛ وأن التربية الحقة هي تلك التي تصنع من ألم الطفل رجلاً لا يكسر، ومن حزن المرأة منبع عطاء، ومن دمار الوطن وطناً أكبر يحمله الإنسان في قلبه أينما رحل. هنا، في هذه الصفحات، يصير الصمود فلسفةً للعيش، والذاكرة منهجاً للتعلم، والحب مشروعاً تربوياً يقاوم محاولات تجريد الإنسان من إنسانيته.
رفعت الصباح / رئيس الحملة العالمية للتعليم
سكرتير الحملة العربية للتعليم للجميع
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .