6:05 مساءً / 12 فبراير، 2026
آخر الاخبار

الكلمة التي لا تهزم .. أربعة عشر عامًا من حراسة الحقيقة ، “ الدكتور عادل جوده ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

الكلمة التي لا تهزم .. أربعة عشر عامًا من حراسة الحقيقة ، “ الدكتور عادل جوده ” يكتب في الذكرى الـ14 لانطلاقة “ وكالة شفا “

تُطلّ علينا الذكرى الرابعة عشرة لانطلاقة شبكة فلسطين للأنباء (شفا)، لا كأرقامٍ عابرة في تقويم الزمن، بل كشواهدَ حيّة على معركةِ وعيٍ لم تتوقف يوماً. ففي فلسطين، لا تُقاسُ الأعمارُ بالسنين، بل بحجمِ الحقائق التي استطعنا انتشالها من ركام التزييف، وبعدد الكلمات التي صيغت لتكون دروعاً تحمي الرواية الأصلية من رياح المحو والنسيان.

إنّ الكتابة لفلسطين وعنها ليست ترفاً فكرياً ولا ممارسةً أدبيةً مجردة، بل هي فعلُ مقاومةٍ بالمعنى العميق والوجودي. هي محاولةٌ دائمة لإعادة ترتيب العالم الذي يحاول الاحتلالُ بعثرته، وهي الإصرارُ على أن يظل “الحبرُ” رفيقاً لـ “الدم”، يوثّق تضحياته، ويحوّل الأنين إلى صوتٍ يسمعه الأصمّ في أقاصي الأرض.
وعلى مدار أربعة عشر عاماً، كانت “شفا” هي ذلك المنبر الذي لم يساوم على الحرف، وظلّ وفيّاً لهوية الأرض وإنسانها.

اليوم، ونحن نعيشُ في زمنٍ تشرس فيه محاولات طمس الحقيقة، ندركُ أن الكلمة الفلسطينية هي “خط الدفاع الأخير”. إن السياسيّ قد يفاوض، والمحارب قد يستريح، لكن “الكلمة” هي التي تخلّد الذاكرة وتمنح الحقّ صفة الأبدية. حين نكتب عن فلسطين، نحن لا نكتب عن “قضية” جغرافية فحسب، بل نكتب عن “المعنى” في هذا العالم؛ عن العدالة في مواجهة الظلم، وعن الصمود الأسطوري الذي يحوّل الحجارة إلى قناديل، والبيوت المهدومة إلى حكاياتٍ تأبى الموت.

تمرّ هذه الذكرى بعبقها الوطني، لتذكّرنا بأنّ المثقف والإعلامي والأكاديمي هم حراس الحلم. إن مشاركة هذه النخبة من الأساتذة والكتّاب في هذا الفضاء الإعلامي تؤكد على وحدة العقل الفلسطيني والعربي في مواجهة التحديات. فالثقافة هي الحاضنة الكبرى للهوية، وهي التي تجعل من الحق الفلسطيني حقاً “غير قابل للتصرف” لا في القانون الدولي فحسب، بل في الوجدان الإنساني العام.

إن ما يميز مسيرة “شفا” هو انحيازها للإنسان الفلسطيني في كل أماكن تواجده؛ من أزقة القدس العتيقة التي تنطق جدرانها بالعربية، إلى غزة الصامدة التي تبتكر الحياة من قلب الموت، وصولاً إلى الشتات الذي يحمل مفاتيح العودة في قلبه قبل جيوبه. لقد نجحت هذه المنصة في أن تكون “بوصلة” تشير دوماً نحو القدس، متجاوزةً كل الخلافات الضيقة، لتصُبّ في مجرى النهر الكبير: “فلسطين وحريتها”.

لكن، ماذا يعني أن نكون كتّاباً في حضرة فلسطين؟ إنه يعني أن نحمل أمانةً ثقيلة. فالحرف الفلسطيني يجب أن يكون نقياً كزيت الزيتون، حاداً كحد السيف، ودافئاً كحضن الأم التي تودع شهيداً وتستقبل وليداً في ذات اللحظة. الكلمة هي التي تجعل من تضحيات شعبنا ملحمةً إنسانية كبرى، وهي التي تكسر جدران العزلة التي يحاول العالم فرضها علينا.

في هذه المناسبة الغالية، نجدد العهد بأن تظل أقلامنا سيوفاً قاطعة في وجه الزيف، وأن تبقى مداداً لا ينضب لرسم خارطة الوطن من النهر إلى البحر. إن الـ (14) عاماً الماضية كانت مجرد تمهيدٍ لفصولٍ قادمة من الحضور والتأثير، فالمستقبل ينحاز لمن يملك الرواية الأصدق، ونحن أصحاب الأرض، وأصحاب القصة، وأصحاب الحق التاريخي والمستقبلي.

إننا إذ نحتفي بـ “شفا”، نحتفي بالصمود الفلسطيني في أبهى صوره الثقافية. نحتفي بكل كاتب خطّ حرفاً دفاعاً عن طفلٍ سُلب حلمه، وبكل صحفي خاطر بحياته لينقل صورة الحقيقة عاريةً من تجميل المعتدي. أنتم يا رفاق الكلمة، تشكلون اليوم “جيش العقول” الذي لا يقل أهميةً عن أي مظهر آخر من مظاهر الكفاح الوطني.

ختاماً، تحية إكبار لشبكة فلسطين للأنباء (شفا) في عيدها الرابع عشر. تحية لكل القائمين عليها، ولكل من ساهم بقطرة حبر في بناء هذا الصرح الإعلامي. ستظل فلسطين هي المبتدأ والخبر، وستظل “شفا” صوتها الذي لا ينقطع، وصدى جرحها الذي سيتحول يوماً – لا محالة – إلى نشيد للحرية والنصر المبين.

كل عام وفلسطين بخير،
وكل عام وكلمتنا هي العليا.

شاهد أيضاً

اتحاد نضال العمال الفلسطيني يبحث مع الأممية الرابعة تعزيز التنسيق الأممي وإسناد نضال شعبنا وإعلاء راية الطبقة العاملة

اتحاد نضال العمال الفلسطيني يبحث مع الأممية الرابعة تعزيز التنسيق الأممي وإسناد نضال شعبنا وإعلاء راية الطبقة العاملة

شفا – عقد اتحاد نضال العمال الفلسطيني لقاءً ثنائياً عبر تقنية “الزوم” مع المكتب التنفيذي …