
شفا – وصال أبو عليا ، صادقت الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي على قانون يمنع تشغيل أي شخص يحمل شهادة أكاديمية صادرة عن مؤسسة تعليم عالٍ فلسطينية في جهاز التعليم الإسرائيلي، في تشريع إقصائي يستهدف الأكاديميين الفلسطينيين داخل أراضي الـ48، ولا سيما المعلمين الذين تلقّوا تعليمهم الجامعي في جامعات الضفة الغربية.
ووفق الإجراءات القانونية الإسرائيلية، دخل القانون حيّز التنفيذ بعد مرور تسعين يومًا على المصادقة عليه ونشره في الجريدة الرسمية، إذ أُقِرّ في الثاني من تموز/يوليو 2025 من قبل لجنة الثقافة والرياضة في الكنيست، وبدأ تطبيقه فعليًا في شهر تشرين الأول/أكتوبر بحق المعلمين الفلسطينيين في القدس المحتلة والداخل.
تأثير القرار على التعليم في الجامعات الفلسطينية
ترى المستشارة القانونية في دائرة شؤون القدس في منظمة التحرير الفلسطينية، د. ولاء أبو عصب، أنّ هذا القانون يشكّل ضربة مباشرة للجامعات الفلسطينية، خصوصًا كليات التربية، لأنّه يقطع الصلة الطبيعية بين هذه المؤسسات التعليمية وسوق العمل في القدس والداخل الفلسطيني.
وتشير إلى أنّ منع الاعتراف بالشهادات الجامعية الفلسطينية سيؤدي إلى تراجع الإقبال على الدراسة في الجامعات الفلسطينية من قبل طلبة القدس وأراضي الـ48، ما يضعف هذه الجامعات أكاديميًا وماليًا، ويعزلها عن محيطها الطبيعي. وتضيف أنّ هذا الإجراء يندرج في إطار ضم فعلي واحتلال فكري، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض منظومتها التعليمية ومناهجها على حساب التعليم الوطني الفلسطيني، في محاولة لمحو الهوية الثقافية والتاريخية من خلال بوابة التعليم.
من جانبه، يؤكد المحلل المختص في الشأن الإسرائيلي محمد عواودة أنّ الادعاءات الإسرائيلية حول “تحريض” الجامعات الفلسطينية، وخصوصًا كليات التربية، ليست سوى غطاء سياسي للاستهلاك الخارجي، بينما الهدف الحقيقي هو سلخ الفلسطيني في الداخل عن جذوره الوطنية والثقافية والدينية.
ويرى عواودة أنّ إسرائيل عملت منذ عام 1948 على عزل الفلسطينيين داخلها عن امتدادهم الطبيعي في الضفة الغربية، ويأتي هذا القانون ليضيف بعدًا جديدًا لهذا العزل عبر بوابة التعليم، محذرًا من أنّ هذه الخطوة قد تكون بداية لمسار أوسع يتم فيه لاحقًا توسيع دائرة المنع لتشمل كليات وتخصصات أخرى، وربما فرض قيود على دخول الطلبة الفلسطينيين من الداخل إلى الضفة الغربية للدراسة في جامعاتها.
أما النائب السابق عن القائمة المشتركة د. يوسف جبارين، فيشدد على أنّ الجامعات الفلسطينية لعبت دورًا محوريًا في توفير فرص تعليمية حقيقية لآلاف الطلبة الفلسطينيين في الداخل، خاصة في تخصصات حيوية مثل الطب والمهن المساندة له، والعلاج بالنطق، وعلم النفس، وهي مجالات يعاني المجتمع الفلسطيني من نقص حاد فيها. ويعتبر أنّ المساس بهذه الجامعات هو مساس مباشر بحق التعليم وبالحرية الأكاديمية، ومحاولة متعمدة لمنع تطور العلاقات الاجتماعية والوطنية بين الفلسطينيين في الداخل والضفة الغربية.
تأثير القرار على وظيفة المعلم وعدد المعلمين في ظل النقص القائم
توضح د. ولاء أبو عصب أنّ القانون يضع المعلم الفلسطيني أمام أزمة مهنية ومعيشية حقيقية، إذ يهدد أمنه الوظيفي بشكل مباشر. فالمعلم الذي يحمل شهادة جامعية فلسطينية يجد نفسه مضطرًا إما لترك مهنة التعليم، بما يترتب على ذلك من ارتفاع في معدلات البطالة والفقر، أو لاستكمال تعليمه في الجامعات الإسرائيلية، وهو خيار يفرض عليه أعباء مالية إضافية وضغوطًا سياسية وثقافية للحفاظ على مصدر رزقه.
وتشير إلى أنّ هذا الواقع يعكس سياسة ابتزاز ممنهجة بحق المعلمين الفلسطينيين، لا تستند إلى معايير مهنية أو تربوية، بل إلى اعتبارات سياسية وأمنية.
وتتضح خطورة هذا التأثير في ضوء المعطيات الرسمية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية، إذ صرّحت مفتشة لواء القدس رونيت حين، أنّ عدد العاملين في مجال التربية والتعليم في شرقي القدس يبلغ نحو 6,700 معلم، من بينهم ما يقارب 90%، أي حوالي 6,000 معلم، قد تلقّوا تعليمهم الجامعي في مناطق السلطة الفلسطينية. وتكشف هذه الأرقام أنّ تطبيق القانون سيؤدي عمليًا إلى إفراغ جهاز التعليم في القدس من عموده الفقري، ويعمّق النقص الحاد في أعداد المعلمين بدل معالجته.
وفي هذا السياق، يؤكد د. يوسف جبارين أنّ الادّعاء المتكرر بضرورة إتقان اللغة العبرية للاندماج في سوق العمل لا ينطبق على جهاز التعليم العربي، لأنّ خريجي الجامعات الفلسطينية يعملون في مدارس عربية ويملكون كفاءة لغوية عربية عالية، ما يسهم في تحسين جودة التعليم. ويرى أنّ هذا القانون لا يضر بالمعلمين وحدهم، بل ينعكس سلبًا على الطلبة والأهالي والمجتمع الفلسطيني ككل.
مستقبل التعليم في ظلّ هذا القرار
تحذر د. ولاء أبو عصب من أنّ استمرار تطبيق هذا القانون سيؤدي إلى فقدان تدريجي للهوية الفلسطينية داخل المدارس، وإلى تكبيل المعلم سياسيًا وفكريًا، بما ينعكس على مضمون التعليم ورسائله التربوية. كما تتوقّع ارتفاعًا في معدلات البطالة والفقر بين المعلمين، وتراجعًا ملحوظًا في جودة التعليم في مدينة القدس، إضافة إلى إضعاف الجامعات الفلسطينية وقطع التواصل الأكاديمي بينها وبين سكان القدس، ما يعمّق عزل المدينة عن محيطها الفلسطيني.
ويعتبر محمد عواودة أنّ هذه السياسة تمثل محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل وعي الفلسطينيين في الداخل، من خلال التحكم بمصادر التعليم ومضامينه، معتبرًا أنّ إسرائيل تبني جدارًا ثقافيًا واجتماعيًا موازٍ للجدار الجغرافي، يهدف إلى فصل الفلسطيني عن تاريخه وهويته.
ويتفق معه جبارين، الذي يحذر من أنّ هذا القانون قد يكون مقدمة لتشريعات أكثر تشدّدًا تطال مجالات تعليمية وأكاديمية أخرى، وربما جامعات عربية خارج فلسطين، ما يشكّل خطرًا طويل الأمد على حرية التعليم والتطور الأكاديمي للفلسطينيين في الداخل.
الرأي العام والموقف من القرار
على مستوى الرأي العام، قوبل القانون باعتراض واضح من النّواب العرب ومؤسسات حقوق الإنسان، التي اعتبرته مخالفًا للقانون الدولي وللقوانين الأساسية الإسرائيلية، وينطوي على تمييز مباشر يستهدف الفلسطينيين داخل إسرائيل ويقوّض الحق في العمل والتعليم. في المقابل، حظي القانون بتأييد واسع من أحزاب الائتلاف الحاكم في اسرائيل، التي روّجت له باعتباره أداة لحماية “قيم الدولة التعليمية” وأمنها، في خطاب يعكس تصاعد النزعة اليمينية المتطرفة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة بعد الحرب على غزة، وهيمنة هذا الخطاب على المشهد السياسي والإعلامي، وفقا لما أكده د. يوسف جبارين.
التحركات القانونية والسياسية في مواجهة القانون
في موازاة تطبيق القانون وتداعياته، برزت تحركات قانونية وسياسية لمواجهته، وإن بقيت حتى الآن محصورة في الأطر الحقوقية والبرلمانية. فقد تقدّمت مؤسسة “عدالة”، بالتعاون مع الهيئات التمثيلية في مجال التربية والتعليم، وعلى رأسها لجنة متابعة قضايا التربية والتعليم، بالتماس إلى محكمة العدل العليا للطعن في دستورية القانون، باعتباره قانونًا جماعيًا وعقابيًا لا يستند إلى أي ادعاءات مهنية فردية بحق المعلمين.
ويؤكد د. يوسف جبارين أنّ هذا المسار القضائي يشكّل محور المواجهة الأساسي في المرحلة الراهنة، في ظل محدودية القدرة على التأثير في الرأي العام الإسرائيلي، الذي بات خاضعًا إلى حد كبير للخطاب اليميني المتطرف.
من جهته، يشير مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري، إلى أنّ هناك تحركات إضافية تتبلور على الأرض، تشمل تواصلًا مع طلبة جامعات متضررين، خاصة من المنتسبين حديثًا إلى كليات التربية، إلى جانب جهود يبذلها أعضاء كنيست عرب لتوسيع المواجهة القانونية والسياسية.
ويحذر من أنّ المرحلة المقبلة في القدس ستكون شديدة الصعوبة، وأنّ هذا القانون لا ينفصل عن السياق العام لما يجري في الضفة الغربية، بل يشكّل جزءًا من سياسة أوسع تهدف إلى إخضاع التعليم الفلسطيني لرقابة وسيطرة كاملة.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى قانون منع توظيف حملة الشهادات الجامعية الفلسطينية باعتباره إجراءً إداريًا أو تنظيميًا عابرًا، بل كجزء من سياسة شاملة تستهدف التعليم بوصفه إحدى أهمّ ساحات الصراع على الوعي والهوية.
إنّه قانون يعمّق الفصل بين الفلسطيني وأرضه ومؤسساته التعليمية، ويفتح الباب أمام ضمّ ثقافي واجتماعي تدريجي، لا يقل خطورة عن الضمّ الجغرافي، ويضع مستقبل التعليم الفلسطيني في القدس والداخل أمام تحديات وجودية تمسّ جوهر الحق في التعليم والانتماء الوطني.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .