10:42 مساءً / 8 فبراير، 2026
آخر الاخبار

سباق الردع في السماء: كيف تحوّلت الصواريخ الإيرانية إلى التهديد الأول لإسرائيل؟ بقلم : هديل ياسين

سباق الردع في السماء: كيف تحوّلت الصواريخ الإيرانية إلى التهديد الأول لإسرائيل؟

سباق الردع في السماء: كيف تحوّلت الصواريخ الإيرانية إلى التهديد الأول لإسرائيل؟ بقلم : هديل ياسين


لم يعد البرنامج النووي الإيراني يتصدر قائمة المخاوف الإسرائيلية كما كان الحال لسنوات طويلة، إذ أخذت بوصلة التهديد تنزاح تدريجياً نحو عنصر أكثر إلحاحاً ومباشرة في تأثيره: الصواريخ البالستية، فالتجارب الميدانية الأخيرة، خصوصاً المواجهة المحدودة التي عُرفت بحرب الأيام الـ12، كشفت أن هذه الصواريخ ليست مجرد أوراق ضغط سياسية أو أدوات ردع رمزية، بل سلاح عملي قادر على فرض معادلات جديدة على الأرض، ورفع كلفة أي هجوم إسرائيلي إلى مستويات يصعب تحملها أو تجاهلها.


نشأ البرنامج الصاروخي الإيراني في الأصل كاستجابة لضرورة دفاعية ملحّة أكثر منه خياراً استراتيجياً بعيد المدى، فخلال الحرب العراقية–الإيرانية، وجدت طهران نفسها تحت وابل من الضربات الصاروخية دون قدرة مقابلة على الرد، في وقت كانت فيه قواتها الجوية تعاني نقصاً حاداً في التسليح والصيانة بعد الثورة الإسلامية، في تلك اللحظة، بدت الصواريخ حلاً عملياً وأقل تكلفة من بناء سلاح جو حديث، فبدأت إيران باستيراد صواريخ سكود من الخارج، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى الهندسة العكسية والإنتاج المحلي، لتتحول من مستهلك للسلاح إلى مطوّر له.


ومع مرور الوقت، لم يعد الهدف مجرد امتلاك قدرة على الرد، بل بناء منظومة متكاملة ومتدرجة تغطي مختلف سيناريوهات المواجهة، فالصواريخ القصيرة المدى صُممت لتكون أداة تكتيكية سريعة الاستخدام ضد أهداف قريبة وحساسة، بينما وفرت الصواريخ المتوسطة المدى قدرة على تهديد العمق الإسرائيلي والقواعد الأمريكية في المنطقة، ما أضاف بعداً سياسياً وردعياً للصراع، أما التحول الأهم فجاء مع التركيز على الصواريخ العاملة بالوقود الصلب، التي تتميز بسرعة الجاهزية وصعوبة الاستهداف قبل الإطلاق، وهو ما منح إيران قدرة أكبر على الاحتفاظ بخيار الرد حتى تحت ضغط عسكري كثيف.


هذه البنية المتنوعة لم تكن مجرد استعراض للقوة، بل انعكاساً لعقيدة عسكرية تقوم على الحرب غير المتكافئة، فبدل منافسة التفوق الجوي والتكنولوجي الإسرائيلي بشكل مباشر، اختارت طهران الاستثمار في أدوات أقل كلفة وأكثر مرونة، قادرة على إرباك الخصم واستنزافه، ومن هنا ظهرت مفاهيم مثل الإغراق الصاروخي والتشبع الهجومي، حيث لا يكون الهدف تحقيق إصابة دقيقة بقدر ما هو إنهاك منظومات الدفاع الجوي وإجبارها على استهلاك مواردها بوتيرة مرتفعة.
وقد جاءت حرب الأيام الـ12 لتكون الاختبار العملي الأوضح لهذه الفلسفة، فرغم الضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع ومنشآت صاروخية، لم تنجح تل أبيب في شل قدرة الإطلاق أو منع استمرار الضربات. في المقابل، أظهرت الموجات الصاروخية المتتالية أن الدفاعات الجوية، مهما بلغت درجة تطورها، تواجه صعوبة حقيقية أمام الهجمات الكثيفة والمتقاربة زمنياً، لم تحقق إيران نصراً عسكرياً مباشراً، لكنها نجحت في فرض معادلة ردع جديدة قائمة على الكلفة والاستنزاف، وهو إنجاز استراتيجي بحد ذاته.


المرحلة التي تلت الحرب أكدت هذا التحول بوضوح، فبدل التراجع أو تجميد البرنامج، سارعت طهران إلى إعادة بناء منشآت الإنتاج وتسريع التصنيع، مع تركيز خاص على الصواريخ الصلبة بعيدة المدى. هذا السلوك يعكس قناعة راسخة بأن الصواريخ أصبحت خط الدفاع الأول والأكثر موثوقية، خصوصاً مقارنة بالبرنامج النووي الذي يظل محاطاً بالقيود والضغوط الدولية، وبالنسبة لصناع القرار الإيرانيين، فإن قدرة يمكن إطلاقها فوراً وتحت الأرض أهم بكثير من ورقة تفاوضية مؤجلة.


في المقابل، تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة معقدة. فمنظوماتها الدفاعية المتقدمة قادرة على الاعتراض، لكنها مرتفعة التكلفة وتعتمد على استدامة لوجستية واقتصادية يصعب الحفاظ عليها في حال تحوّل الصراع إلى نمط طويل الأمد من الاستنزاف. ومع كل جولة تصعيد، يتعاظم السؤال حول القدرة على الاستمرار في الدفاع بالوتيرة نفسها، وما إذا كان التفوق التكنولوجي كافياً وحده لمواجهة استراتيجية تعتمد على الكم والضغط التراكمي.


هكذا يتضح أن الصراع لم يعد يدور حول امتلاك سلاح نوعي واحد، بل حول القدرة على الصمود وإدارة الكلفة، فإيران تراهن على أن صواريخها تستطيع تقييد حرية الحركة الإسرائيلية وفرض توازن ردع هش، بينما تسعى إسرائيل إلى منع هذا التهديد عبر الضربات الاستباقية ومحاولات التعطيل المستمر. وبين منطق الاستنزاف ومنطق الاستباق، تتشكل ملامح مرحلة أكثر توتراً، لا يبدو فيها أن المواجهة المقبلة مسألة احتمال، بل مسألة توقيت وشروط فقط.

شاهد أيضاً

حسين الشيخ : قرارات إسرائيلية مرتقبة لتعميق الضمّ تمثل تصعيدا خطيرا ونسفا للاتفاقيات

حسين الشيخ : قرارات إسرائيلية مرتقبة لتعميق الضمّ تمثل تصعيدا خطيرا ونسفا للاتفاقيات

شفا – قال نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ إن ما يُتداول عن قرارات إسرائيلية …