7:17 مساءً / 8 فبراير، 2026
آخر الاخبار

“ضرب الزوجات : ذاكرةٌ جماعيةٌ من صورِ الدمِ والندوب” ، بقلم : الأديبة إيمان مرشد حمّاد

"ضرب الزوجات : ذاكرةٌ جماعيةٌ من صورِ الدمِ والندوب"

“ضرب الزوجات : ذاكرةٌ جماعيةٌ من صورِ الدمِ والندوب” ، بقلم : الأديبة إيمان مرشد حمّاد

لم تكنْ طفولتي تعرفُ العنف إلا حين سقطتْ حبة البوظة من يدي وأنا أرى تلك المرأة الجريحة تركضُ في الشارع، تمسكُ بحجابها كي لا ينزلق عن رأسها، والدم يقطرُ من حاجبها المفتوح على وجنتها . كان زوجها يركضُ خلفها مزمجراً بكلمات التهديد والوعيد وكأنهُ يلاحقُ رجلاً جباراً يوازية في القوة ، اما هي فكانتْ تبحثُ عن بيتٍ يؤويها من رجل كان يُفترضُ أن يكون مأمنها لا مصدر رعبها. دخلتْ بيتاً يسكنهُ عمال غرباء، وطلبت منهم أن يستدعوا أخاها لينقذها من براثن زوجها. لم أعرف يوما هوية تلك المرأة، لكن صورتها زلتْ راسخة في ذاكرتي، وصار الخوفُ يسكنُني منذ ذلك اليوم ، يوم كنتُ طفلة صغيرة خرجت لشراء البوظة، فعادت تحملُ صورة الدم والركض بدل الطعم الكريمي الحلو.

مرتْ الأعوام، لكن المشهد لم يبقَ وحيداً في ذاكرتي.لقد تكرّرّ في وجوه نساء التقيتهن، في آثار الندوب على أجسادهن، في العيون التي تخفي خوفاً قديماً، وفي الأصوات التي ترتجف وهي تروي قصصاً يشيبُ لها الولدان من ضرب بخراطيم المياه إلى جروحٍ بسكين او إناء زجاجي او صينية طعام ساخن ألقيتْ مرة على معلمة فسمعتُ مديرتها تنصحها بالصبر لأنها هي أيضاً مرْت يوما بذات التجربة وتحملتْ.

كلُّ قصةٍ سمعتُها او ندبة رأيتُها على أجساد النساء كانت مرآة لتلك المرأة التي ركضتْ في الشارع، وكل دمعة كانت امتداداً لدموعها وكل قطرة دم كانت امتداداً لدمها الذي أريق على الإسفلت.

لكن لماذا يتكرر هذا المشهد؟ لا بد انها اسباب كثيرة ومتشابكة

أولا : الثقافة الموروثة: بعض المجتمعات ما زالتْ ترى في العنف وسيلة “تأديب”، كما يروق لبعض المتخلفين تسميته ، وكأن المرأة عبدة مملوكة للسيد الذي اشتراها فإن اتت بسلوك لا يروق له حُقَّ له ضربها ، وكان الضرب الذي هو مشكلة اصلا هو حل مناسب وليس سبيا لقطع اواصر المحبة والود بين الزوجين ناسين او متناسين انه سيكسرُ داخلَها اشياءَ لا يُمكنُ إصلاحَها.

ثانيا – الضغوط الاقتصادية والاجتماعية: فقد تتحول مشكلات الفقر والبطالة والهموم اليومية إلى غضبٍ يفرغهُ الزوجُ في جسدِ زوجتهِ اعتقاداً منهُ انهُ بذلك السلوك البغيض قد وجدَ حلاً لكل ما يعتريهِ من هموم ولا يدركُ انهُ قد أضافَ إلى كلِّ ما ذُكر حقد زوجتهِ عليه.

ثالثاً- ضعف الوعي الديني والقيمي: حيث أن إساءة فهم النصوص الدينية و تجاهل قيم الرحمة والمودة والمعاشرة بالمعروف، يؤدي إلى تحول الزواج من ميثاق رحمة إلى ساحة صراع يكون فيه البقاءُ للأقوى جسدياً بينما الأضعفُ يتحولُ إلى كائنٍ جريح يكرهُ جلاده.

رابعاً – الاضطرابات النفسية والشخصية: حيث ان بعض الأزواج يعانون من مشكلات نفسية وسلوكيات عدوانية أو إدمان يجعلهم أكثر ميلاً للعنف. ومما يُؤسفُ لهُ ان بعض الأُسر تجد في تزويج هؤلاء علاجاً لمشكلاتهم النفسية واضطرباتهم السلوكية ، ولكنه في الواقع مضاعفة لتلك المشكلات وزيادة في عدد الضحايا.

خامسا : انعدام الحوار الأسري: حين يغيبُ التواصل الناجح ، مما يحول الخلافات الصغيرة إلى انفجارات مؤلمة. ومما يفاقمُ هذه الظاهرة هو تدخل الأهل بين الأزواج حيث أن بعض الآباء والامهات وللأسف الشديد يعتبرون أن ضرب الزوجات دليلاً على رجولة أولادهم وبرهاناً على قوة شخصياتهم فيما تجدهم لا يطبقون ذات المعيار على أزواج بناتهم .

ومما يُؤسف الأرقام تؤكد أن هذه الممارسات ليست فردية: فالأرقام تشير إلى ان 29% من النساء يتعرضن للعنف الجسدي المستمر من أزواجهن،فيما تصل نسبة َمنْ مررن بتجربة عنف جسدي ولو مرة في حياتهن الزوجية إلى 80% وهذه الأرقام لا تشمل الأغلبية الصامتة ممن يخفين الألم وراء جدران البيوت خوفاً من الفضيحة أو حفاظاً على أسرار الأسرة.

العنف الزوجي ليس مجرد أرقام او إحصائيات ، بل هو ذاكرة جماعية من صور الدم والندوب، من طفلات أسقطن البوظة خوفاً، ومن نساء حملنَ أجسادهن المثقلة بالآثار إلى حياة يومية لا ترحم. إنه جرحٌ يتكرر ويترك بصماته على الأفراد والمجتمع، ويعيد إنتاج الخوف جيلاً بعد جيل.

ولذا فإنني أرى أن مواجهة هذه الظاهرة ليست خياراً، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية. فكل امرأةٍ تركضُ في الشارع هاربة من زوجها، هي شهادة على فشل مجتمع بأكملهِ تقاعسَ عن حمايتها، وكلُّ ندبة على جسد امرأة هي وصمةُ عار على ثقافة تبرّرُّ العنف أو تصمتُ عنهُ خوفا من لقب ” مطلقة” فيما لا تجد بأساً من كلمة رحمها الله.

إيمان مرشد حمّاد

شاهد أيضاً

سيادة نائب الرئيس حسين الشيخ يزور جهاز الأمن الوقائي

سيادة نائب الرئيس حسين الشيخ يزور جهاز الأمن الوقائي

شفا – زار سيادة نائب رئيس دولة فلسطين حسين الشيخ، اليوم الأحد، مقر جهاز الأمن …