
شفا – عقدت مؤسسة الإبداع الفلسطيني الدولية، من خلال ملتقى الإبداع التربوي الفلسطيني، وبرعاية رئيس المؤسسة الأستاذ عدنان أبو ناصر، بتاريخ السابع من فبراير 2026، ندوة تربوية وثقافية متخصصة بعنوان: “التعليم في القدس: الصمود المعرفي والتحول نحو الإبداع الرقمي في سياق الهوية”.
وجاءت الندوة بإعداد وتيسير الكاتبة والباحثة المقدسية وفاء داري، وبالتنسيق التقني عبر منصة “زوم” بإدارة الأستاذ إياد حسن.
وتأتي هذه الندوة في سياق الحاجة الملحّة لفتح حوار تربوي معمّق حول واقع التعليم في مدينة القدس، في ظل تعددية المناهج، والقيود المفروضة على المحتوى التعليمي، والتحولات الرقمية المتسارعة، وما تتركه هذه العوامل مجتمعة من أثر مباشر على هوية الطالب المقدسي ووعيه الثقافي والمعرفي.
ثلاثة محاور… وسؤال الهوية حاضر
ناقشت الندوة ثلاثة محاور رئيسية مترابطة:
• الهوية والمناهج التعليمية وأثر تعدديتها على وعي الطالب المقدسي.
• الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بوصفه فرصة لتحسين جودة التعليم وتقليص الفجوات.
• التمويل، الشراكات، والاستدامة في دعم النظام التعليمي المقدسي دون المساس بالقرار التربوي المحلي.
وشارك في محاور الندوة خمسة من التربويين والباحثين المقدسيين الذين يمتلكون خبرة معرفية وميدانية عميقة.
الضيوف الرئيسيون في الندوة
• د. سامي عزّت عبد الكامل: تربوي مقدسي مخضرم، يمتلك خبرة ميدانية طويلة في واقع التعليم في القدس، واطلاعًا واسعًا على قضايا المناهج وتحديات المدرسة المقدسية.
• د. حسام أبو بكر: أكاديمي وخبير تربوي، يمتلك تجربة إدارية وتربوية واسعة في مؤسسات المجتمع المدني والقطاع العام.
• د. ولاء أبو عصب: باحثة قانونية وأكاديمية مقدسية، ناشطة في تطوير البيئة التربوية وإدارة المؤسسات التعليمية في القدس.
• عزيز العصا : باحث وكاتب مقدسي متخصص في تاريخ القدس وشؤونها المجتمعية، مهتم بقراءة التحولات التي تمس الهوية والسردية الثقافية.
• ريهام جابر: ناشطة تربوية ومجتمعية مقدسية، مهتمة بملفات الاستدامة التعليمية، والشراكات الداعمة للتعليم في البيئات محدودة الموارد.
كما شهدت الندوة مداخلة نوعية للباحث المقدسي مالك زبلح، إلى جانب مداخلة طالبة مقدسية من المرحلة الثانوية نقلت صوت التجربة من داخل الصف المدرسي، ومداخلات أخرى أثرت الحوار.
التعليم كمساحة صمود معرفي
أكد المتحدثون أن التعليم في القدس لم يعد قطاعًا خدماتيًا فحسب، بل بات ساحة هادئة لإعادة تشكيل الوعي، ما يستدعي قراءة عميقة لطبيعة السياسات التعليمية وتأثيرها التراكمي على الهوية الثقافية والوطنية للطلبة.
تطرق النقاش عند أثر تعددية المرجعيات التعليمية على الطالب المقدسي، والتحدي الذي يواجهه في الموازنة بين روايات معرفية متباينة دون أن تتشظى هويته.
مداخلة د. سامي عزّت عبد الكامل – التعليم ماحة صمود معرفي
ركّز د. سامي عزّت عبد الكامل في مداخلته على أثر تعددية المناهج والأطر التنظيمية المختلفة على هوية الطالب وجودة التعليم في القدس، مستندًا إلى خبرة ميدانية تمتد لأكثر من خمسين عامًا في الحقل التربوي المقدسي. وتناول أدوار المعلمين والإدارة التعليمية في التعامل مع هذا الواقع المركّب، مشيرًا إلى أهمية بناء وعي تربوي قادر على الموازنة بين المتطلبات التنظيمية والحفاظ على الهوية الثقافية للطلبة. كما تطرق إلى قضايا التمويل والشراكات والتحول الرقمي، مع تركيز خاص على الذكاء الاصطناعي بوصفه عاملًا مؤثرًا في شكل العملية التعليمية ومستقبلها.
مداخلة د. حسام أبو بكر- البحث عن مساحات مهنية لتعزيز جودة التعليم
من جانبه، تناول د. حسام أبو بكر تحديات ما يمكن تسميته بـ”الحكم الذاتي التعليمي” في مدارس القدس، مسلطًا الضوء على القيود التي تحدّ من قدرة المدارس على اتخاذ قرارات تعليمية مستقلة، خصوصًا فيما يتعلق بمحتوى المناهج والروايات الثقافية المصاحبة لها. وأوضح كيف تؤثر الضغوط المالية والأطر التنظيمية ذات البعد السياسي على استقلالية القرار التربوي، مؤكدًا أن هذه القيود تنعكس بصورة مباشرة على وعي الطلبة. كما أشار إلى دور التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في التعليم، بوصفهما أدوات يمكن توظيفها لتعزيز التعبير عن الهوية، إذا ما أُحسن استخدامها ضمن رؤية تربوية واعية.
مداخلة د. ولاء ابو عصب – فرصة وتحدٍ في آنٍ واحد
قدّمت د. ولاء قراءة معمّقة حول واقع الذكاء الاصطناعي في التعليم القدس، أوضحت أن الواقع الفلسطيني في القدس يفتقر إلى خطة استراتيجية واضحة لدمج الذكاء الاصطناعي، في ظل ضعف البنية التحتية، ونقص حاد في الغرف الصفية، والتحديات المرتبطة بتدريب المعلمين، ومخاوف المجتمع من التحول الرقمي. وأكدت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة تعليمية مساعدة تعزز دور المعلم، لا أن تتحول إلى أداة توجيه معرفي تُقيد التفكير النقدي أو تفرض محتوى غير منسجم مع الهوية الثقافية الفلسطينية، مشددة على ضرورة توظيفه ضمن برامج عربية المحتوى وتحت إشراف تربوي مقدسي يحفظ خصوصية الطلبة وهويتهم.
مداخلة الأستاذ عزيز العصا – الهوية في قلب العملية التعليمية والتعلميّة
من جهته ركزّ على أن الهوية يجب أن تكون في قلب العملية التعليمية، كما ركّز على العلاقة العضوية بين التعليم والهوية، مؤكدًا أن اللغة والتاريخ والسردية الثقافية ليست عناصر جانبية في المنهاج، بل هي جوهر تشكيل الوعي. وأشار إلى محاولات تشويه المنهاج الفلسطيني، وأهمية دور المجتمع المدني في إيجاد بدائل تعليمية، بما في ذلك التعلم الإلكتروني، للحفاظ على الهوية في ظل القيود المفروضة.
مداخلة الأستاذة ريهام جابر – التمويل والاستدامة… دون المساس بالقرار التربوي
سلّطت الضوء على إشكالية خضوع غالبية المدارس في القدس لإشراف وزارة المعارف الإسرائيلية واعتمادها مناهج (البجروت)، رغم وجود كفاءات تربوية فلسطينية تعمل داخل هذه المدارس من خريجي الجامعات الفلسطينية. وأشارت إلى أن هذا الواقع يضع المعلم والطالب أمام منظومة تعليمية مفروضة تنظيميًا، في مقابل عدد محدود من المدارس الخاصة التي تعتمد المنهاج الفلسطيني لكنها تخضع في المقابل لضغوطات البلدية وأنظمتها الرقابية.
كما بيّنت أن الجامعات الإسرائيلية تسعى إلى استقطاب الطلبة المقدسيين عبر تسهيلات في القبول، بما يفتح مسارات سوق عمل بديلة عن الجامعات الفلسطينية، الأمر الذي ينعكس تدريجيًا على توجّهات الطلبة التعليمية وخياراتهم المستقبلية. واعتبرت أن هذه السياسات لا يمكن قراءتها بمعزل عن محاولة إعادة تشكيل المسار التعليمي للمقدسيين، وتحويله من ارتباطه الطبيعي بالمنظومة التعليمية الفلسطينية إلى مسار بديل يخدم فرض واقع تعليمي جديد قائم على تعددية المناهج.
مداخلة مالك زبلح… التعليم أداة سياسية لا ملف خدمات
قدّم الباحث مالك زبلح مداخلة فكرية لافتة، شدد فيها على ضرورة وضوح الطرح عند الحديث عن التعليم في القدس، مؤكدًا أن أي منظومة استعمارية، بحكم تعريفها، لا يمكن أن تنتج هوية وطنية أو تحميها. أوضح أن الخطر لا يكمن في خيارات الأفراد تحت الضغط، بل في تحويل هذا المسار إلى خيار وحيد بلا بدائل، ما يحوّل التعليم من قضية خدماتية إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي بشكل هادئ ومتراكم.
صوت من داخل الصف
وشكّلت مداخلة الطالبة سما رأفت المقدسية من المرحلة الثانوية في أحد مدارس القدس لحظة مؤثرة في الندوة، حيث نقلت أثر المناهج على وعي الطلبة، ودور المعلمة في تصحيح السردية المعرفية داخل الصف، في صورة تعكس كيف يرى الجيل الجديد هذه التحولات من الداخل.
حوار يتجاوز اللحظة
أجمعت الندوة على أهمية بناء رؤية تربوية مقدسية موحدة، وتعزيز التنسيق بين المدارس والمؤسسات، وقراءة التحولات الرقمية والسياسات التعليمية بوعي يحمي الهوية ولا ينعزل عن التطور.
وفي ختام الندوة، أكدت الباحثة والكاتبة وفاء داري ان الندوة هدفها تبادل الخبرات وفتح أفق التفكير، لا تقديم مواقف نهائية، انما الخروج بقراءة معمّقة لواقع التعليم في القدس، والسعي إلى بلورة رؤى عملية قابلة للتطوير والتطبيق والأهم ضمن الممكن والمتاح.
كما أشارت إلى أهمية استمرار هذه الحوارات التربوية المتخصصة، بوصفها مسؤولية وطنية ومجتمعية لحماية التعليم في القدس وتعزيز دور التربويين والمثقفين في بناء أدوات المواجهة المعرفية.





شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .