
الطائرات الورقية.. في الذاكرة الفلسطينية ، بقلم : أحمد يوسف ضميري
تعود جذور الطائرات الورقية، بحسب باحثين، إلى الصين في نحو عام 450 قبل الميلاد، فيما تشير أدلة أنثروبولوجية إلى استخدامها في مناطق أخرى مثل ماليزيا وإندونيسيا وجنوب المحيط الهادئ، حيث استُخدمت أحياناً كأدوات صيد مصنوعة من مواد طبيعية، ومع القرن الثالث عشر انتقل الطيران الورقي من الصين إلى كوريا، ثم إلى الهند والشرق الأوسط، قبل أن ينتشر في أوروبا خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، مع اختلاف أشكاله وأغراضه الثقافية من منطقة إلى أخرى.
حضور مبكر في فلسطين
في فلسطين، ظهرت الطائرات الورقية كلعبة شعبية منذ عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، لا سيما في القرى الساحلية. ويذكر خليل حمزة، المهجّر من قرية إجليل قضاء يافا، أن والده كان يصنع الطائرات الورقية ويطلقها في السماء مع أطفال القرية.
واستمر حضور الطائرات الورقية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، خصوصاً في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث كانت من الألعاب القليلة المتاحة للأطفال. وكان الأطفال يصنعونها بأيديهم من القصب والحبال وورق الجرائد، ويثبتونها بالعجين لعدم توفر الصمغ، ويطيرونها في أوقات الرياح، خاصة في فصلي الخريف والشتاء.
من لعبة إلى أداة مقاومة
مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، تحوّلت الطائرات الورقية إلى وسيلة رمزية للنضال، بعدما منع الاحتلال رفع العلم الفلسطيني في البيوت والشوارع، ويشير ناشطون شاركوا في تلك المرحلة إلى أنهم كانوا يزينون الطائرات الورقية بألوان العلم الفلسطيني ويطلقونها في السماء كوسيلة بديلة للتعبير عن الهوية الوطنية.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الطائرة الورقية مجرد أداة للّعب، بل أصبحت رمزاً للتحرر، وحاضرة في الفعاليات والمظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها، وفي عام 2011، دخل أطفال قطاع غزة موسوعة غينيس للأرقام القياسية، عندما شارك نحو 13 ألف طفل في تحليق الطائرات الورقية ضمن برنامج الأونروا لألعاب الصيف.
الطائرات الورقية ومسيرات العودة
وفي عام 2018، برزت الطائرات الورقية مجدداً خلال مسيرات العودة في قطاع غزة، حيث طوّر شبان فلسطينيون طائرات ورقية وأطلقوها باتجاه المستوطنات المحاذية للقطاع، وأفادت تقارير صحفية آنذاك بأن هذه الطائرات تسببت بإحراق مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في المناطق الحدودية، ما دفع الاحتلال إلى عقد اجتماعات أمنية واتخاذ إجراءات عسكرية للحد منها، شملت قصف مواقع يشتبه بإطلاق الطائرات منها.
كما أقدم الاحتلال على خصم تكاليف الأضرار التي تسببت بها هذه الطائرات من عائدات الضرائب الفلسطينية، وهو إجراء رفضته القيادة الفلسطينية.
حضور ثقافي وتضامن عالمي
لم يقتصر تأثير الطائرات الورقية على الواقع الميداني، بل امتد إلى الأدب والثقافة الفلسطينية. فقد أشار الباحث لؤي وتد، في دراسة تناولت 72 عملاً أدبياً صدرت خلال العشرين عاماً الأخيرة، إلى أن الطائرات الورقية تؤدي دوراً رمزياً مشابهاً للفراشات في الأدب الفلسطيني، لكنها تمتاز بكونها من صنع أبطال الروايات أنفسهم، معبّرة عن دور فردي في النضال وتحقيق الحلم بالحرية.
وعلى الصعيد الدولي، أصبحت الطائرات الورقية المغطاة بالعلم الفلسطيني رمزاً للتضامن مع الشعب الفلسطيني، حيث أطلقها ناشطون في دول عدة، من بينها إيرلندا وأستراليا والولايات المتحدة وبريطانيا وبلجيكا، ضمن فعاليات داعمة للقضية الفلسطينية.
ورغم استمرار استخدام الطائرات الورقية كلعبة للأطفال حتى اليوم، فإنها لا تزال تحتفظ بدلالتها الرمزية في الوجدان الفلسطيني، باعتبارها حلماً بالحرية وصورةً لتحليقٍ يتجاوز قيود الواقع، مع كل طائرة ترتفع في السماء.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .