
يترجّل شيخ الشعراء عبد الناصر صالح وتبقى فلسطين قصيدة البدء والختام ، بقلم : غدير حميدان الزبون
يجيء موت الشعراء كاختلالٍ مفاجئ في ميزان اللغة فتشعر الكلمات فجأة بأنها فقدت حارسًا قديمًا، وأنّ القصيدة صارت أكثر هشاشة أمام الزمن.
هكذا جاء رحيل عبد الناصر صالح صامتًا في شكله، وعميقًا في أثره، ويكأنّ فلسطين توقفت لحظة تتأمل الصوت الذي نطق باسمها عقودًا طويلة، ثم انسحب من الجسد تاركًا المعنى واقفًا في مكانه.
في هذا الغياب يبدأ الرثاء من سؤال يتقدّم على الحزن يتمثل في:
كيف يستمر الصوت بعد أنْ يخفت الجسد، وكيف تعبر القصيدة الزمن حين يغادر صاحبها؟
عند هذا الحد الفاصل بين الصمت والكلمة تتقدّم سيرة عبد الناصر صالح فصلًا كاملًا من حكاية فلسطين، هي حكاية تعلّمت عبره كيف تحتمي باللغة، وكيف تجعل الشعر ذاكرة تقاوم التآكل، وتبقى مفتوحة على الحضور مهما تغيّرت الوجوه.
إنّه الرحيل المرّ يأتي أحيانًا كخبر، ويأتي أحيانًا أخرى كزلزالٍ داخلي يهزّ الذاكرة واللغة معًا، ورحيل عبد الناصر صالح جاء من النوع الثاني؛ فلم يطرق الباب بهدوء وإنما دخل فجأة إلى القلب، وأجلس الحزن في صدر الثقافة الفلسطينية كلها.
غاب الجسد فيما ظل الاسم واقفًا في مكانه، عصيًّا على النسيان، كأنه كُتب بالحبر ذاته الذي كُتبت به فلسطين في الوعي الجمعي.
في مقام الفقد لا يبدأ الرثاء من لحظة الموت، فهو يبدأ من إدراك أنّ من رحل لم يكن فردًا عاديًا في سجل الشعر، فهو صفحة كاملة من تاريخه الحي.
كان عبد الناصر صالح واحدًا من أولئك الذين يولدون ومعهم معنى زائد عن أعمارهم.
نشأ في بيئة تعرف الكلمة الحرة، وتتعامل مع الشعر على أنّه موقف، فشبّ وهو يرى في القصيدة امتدادًا طبيعيًا للهوية، وفي اللغة بيتًا آخر للوطن.
منذ خطواته الأولى في المشهد الثقافي، بدا واضحًا أنّ هذا الصوت لا يبحث عن شهرة عابرة، وإنما يسعى إلى تثبيت أثر، وإلى كتابة تجربة تتجاوز صاحبها، وتستمر بعده.
حملت قصيدته فلسطين كينونة كاملة فحضرت الأرض في نصوصه أمًّا وجرحًا وذاكرة، وحضر الإنسان الفلسطيني بضعفه وقوته، وبخوفه وشجاعته من دون تجميل أو ادعاء بطولة فائضة؛ لهذا بدت قصائده صادقة إلى حد القسوة أحيانًا، وعميقة إلى درجة تجعل القارئ شريكًا في التجربة لا متفرجًا عليها.
كتب من الداخل، من قلب المعاناة اليومية فجاء شعره أقرب إلى الشهادة منه إلى الخطابة.
وعندما دخل السجن لم تنكسر القصيدة، وإنما تغيّر شكلها فصارت أكثر كثافة، وأكثر تركيزًا، وأكثر مواجهة للذات.
تحوّلت الزنزانة التي ضمّت جسده إلى مساحة كتابة قاسية تتجرّد فيها اللغة من الزوائد، وتبقى المعاني عارية أمام الأسئلة الكبرى المتمثلة في الحرية، والكرامة، والزمن، والخوف، والقدرة على الصمود. من رحم المعاناة، ومن قيود معصميه وُلدت نصوص تحمل ثقل التجربة الحقيقية، هي نصوص تعرف معنى الانتظار، وتعرف كيف تُحوّل القيد إلى طاقة تعبير، والصمت إلى موسيقى داخلية موجعة.
تميّز عبد الناصر صالح بلغة تجمع بين الفخامة والصدق، فلغته تعرف تراثها العربي جيدًا، وتدرك في الوقت ذاته إيقاع اللحظة الفلسطينية المعاصرة.
جاءت قصيدته مشغولة بعناية، ومنضبطة إيقاعيًا ودلاليًا من دون أن تفقد حرارتها الإنسانية.
لم يسعَ إلى الإبهار المجاني، ولا إلى الغموض المقصود لذاته، فبدا شعره واضحًا في عمقه، وصعبًا في بساطته، وقادرًا على مخاطبة القارئ العادي والناقد المتخصص في آن واحد.
ومع مرور السنوات تحوّل حضوره إلى مرجعية ثقافية وأخلاقية، فصار صوته جزءًا من الذاكرة الشعرية الفلسطينية الحديثة، وصار اسمه حاضرًا في كل نقاش جاد حول الشعر المقاوم من غير أنْ يتحوّل إلى سلطة خانقة أو وصاية ثقيلة. فتح المساحة للأجيال الجديدة، وشجّع التجارب الصادقة، وبقي مؤمنًا بأنّ الشعر الفلسطيني لا يعيش إلا بتجدّده، شرط أنْ يحافظ على جذوره الأخلاقية والإنسانية.
لقب “شيخ الشعراء” وجاء لقبه نتيجة طبيعية لمسار طويل من الالتزام والصدق والاستمرار، فلم يكن وسامًا شكليًا، وإنما خلاصة تجربة امتدت عبر عقود، وشهدت تحولات سياسية وثقافية كبرى، وبقي خلالها الشاعر ثابتًا على جوهره، وفيًّا للكلمة الحرة، ومنحازًا للإنسان الفلسطيني في كل حالاته.
في زمنٍ تبدّلت فيه المواقف سريعًا ظل عبد الناصر صالح مثالًا للشاعر الذي يعرف أين يقف، ولماذا يكتب، ولمن يكتب.
اليوم، بعد أن ترجّل صاحب هذه التجربة، يتضح أنّ الخسارة أكبر من غياب شخص. إنّها خسارة صوتٍ علّمنا أنّ الشعر يمكن أنْ يكون شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة، وأنّ اللغة قادرة على حمل وطن كامل من دون أن تنكسر.
ومع ذلك يبقى العزاء في أنّ ما كُتب بصدق لا يموت، وأنّ القصيدة التي خرجت من قلب التجربة تستمر في العيش داخل القارئ، وفي ذاكرة المكان، وفي ضمير الثقافة.
رحل عبد الناصر صالح، وبقي أثره شاهدًا على زمن كتب فيه الشعر بدم القلب، وعلى فلسطين عاشت في القصيدة كما تعيش في الواقع: مجروحة، وجميلة، وعنيدة.
ينتهي الجسد، وتبدأ السيرة الحقيقية، سيرة شاعر جعل من الكلمة وطنًا، ومن الوطن قصيدة مفتوحة لا تعرف الخاتمة.
عند هذه النقطة من الحكاية يتراجع الموت خطوة إلى الخلف، ويظهر الشعر في الواجهة.
لا شاهد قبر يكفي لاحتواء اسمٍ كتب على الهواء، ولا تاريخ يصلح خاتمة لصوتٍ تعلّم كيف يسبق زمنه.
عبد الناصر صالح مضى، بينما ما تركه يتقدّم، يمشي بين الناس، فيدخل البيوت، ويستقر في الذاكرة كما تستقر الأشياء التي لا تحتاج إلى إذن كي تبقى.
سيقال كثيرًا عن شاعرٍ كبير رحل غير أنّ الأصدق يقال بصمت: هذا شاعر أعاد للكلمة وزنها، وأعاد لفلسطين صورتها في المرآة من غير تزييف.
لقد جعل عبد الناصر صالح القصيدة مساحة كرامة، وجعل اللغة طريقًا مفتوحًا نحو المعنى فصار حضوره بعد الرحيل أكثر اتساعًا، وأشد رسوخًا، وأبعد من حدود السيرة.
عند هذه الخاتمة، لا يغلق النص، وإنما يترك الباب مواربًا، فكل قراءة جديدة بداية، وكل استعادة امتداد، وكل قصيدة تُكتب تحت هذا السقف تحمل أثر صوته من حيث لا تدري.
هكذا يخرج عبد الناصر صالح من الزمن الضيق إلى زمن أكثر اتّساعًا، إنه زمن الشعر الذي يعرف طريقه وحده، ويعرف كيف يبقى.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .