11:41 صباحًا / 5 فبراير، 2026
آخر الاخبار

نحو زراعة حديثة: الصين ترسم ملامح رؤية جديدة لتنمية الريف ، بقلم : ريماس الصينية

نحو زراعة حديثة: الصين ترسم ملامح رؤية جديدة لتنمية الريف ، بقلم : ريماس الصينية

في 3 فبراير 2026 أصدرت الحكومة الصينية الوثيقة المركزية رقم 1 للعام الجديد. وتعد هذه الوثيقة خطة عمل توجيهية تركز للعام الرابع عشر على التوالي على قضايا الزراعة والمناطق الريفية والمزارعين، وتحدد اتجاه النهوض بالريف والتنمية الزراعية في المرحلة الراهنة وفي الفترة المقبلة.


عند صدور هذه الوثيقة تقف الزراعة الصينية عند نقطة انطلاق جديدة. فقد سجل إنتاج الحبوب في عام 2025 مستوى قياسيا تاريخيا بلغ 1.43 تريليون جين (الجين الصيني يعادل 0.5 كيلوغرام)، وظل للعام الثاني على التوالي مستقرا فوق 1.4 تريليون جين، في وقت واصلت فيه دخول المزارعين ارتفاعها المستمر وتقلصت الفجوة بين الحضر والريف تدريجيا. وتعزى هذه الإنجازات إلى استمرارية السياسات الزراعية على مدى سنوات طويلة، فضلا عن الدور المتنامي للابتكار العلمي والتكنولوجي كمحرك رئيسي للتنمية.


التمكين التكنولوجي والتحول الذكي للزراعة التقليدية


يغير الابتكار العلمي والتكنولوجي بصورة عميقة ملامح الزراعة التقليدية في الصين. ففي مجال تكنولوجيا البذور الذي يعد جوهر الإنتاج الزراعي، تلتزم الصين بطريق الابتكار المستقل. ويعد ما يعرف بوادي السيليكون للتكاثر في مقاطعة هاينان قاعدة رئيسية لتربية الأصناف، حيث يجمع نخبة من القوى البحثية على مستوى البلاد.


وقد أسهمت الأصناف الجديدة التي تم تطويرها هناك، مثل الأرز المقاوم للملوحة والقلوية، في رفع القدرة المحلية على إنتاج الغذاء، كما وفرت أفكارا تقنية لمواجهة التحديات العالمية المتعلقة بندرة الأراضي الصالحة للزراعة.


وفي حلقات الإنتاج الزراعي يتوسع استخدام التقنيات الرقمية بشكل متسارع. إذ تنشط أكثر من 300 ألف طائرة مسيرة زراعية في الحقول، وتتولى مهام البذر والتسميد وحماية النباتات، مما يعزز كفاءة العمل ودقة العمليات بشكل كبير.


ومن سهول الشمال الشرقي إلى مناطق الأنهار في الجنوب، تندمج تقنيات إنترنت الأشياء والبيانات الضخمة وغيرها من تكنولوجيا المعلومات الحديثة بعمق مع الزراعة التقليدية، لتدفعها نحو التحول الذكي والدقيق.


دعم السياسات وزيادة دخل المزارعين


يوفر نظام دعم السياسات ضمانا قويا لاستقرار التنمية الزراعية وزيادة دخول المزارعين بصورة مستمرة. فمن خلال أدوات متعددة مثل أسعار الشراء الدنيا والدعم المباشر للمنتجين، تضمن الحكومة حصول مزارعي الحبوب على عوائد معقولة وتحافظ على حماسهم للإنتاج.


كما يتحسن نظام التأمين الزراعي باستمرار وتتسع تغطيته لمخاطر أكبر، ما يساعد المزارعين على مواجهة الكوارث الطبيعية وتقلبات الأسواق بفاعلية.


وفي الوقت نفسه تتطور الصناعات الريفية المميزة بسرعة. فكل منطقة تستفيد من مزاياها المحلية لتطوير تصنيع المنتجات الزراعية والسياحة الريفية والتجارة الإلكترونية في الأرياف، مما يخلق قنوات متنوعة لزيادة الدخل.
وتعمل هذه الإجراءات مجتمعة على الحفاظ على زخم زيادة دخول المزارعين في الصين بشكل مستقر. ففي عام 2025 بلغ متوسط الدخل المتاح للفرد من سكان الريف 24456 يوانا صينيا (ما يعادل نحو 3430 دولارا أمريكيا تقريبا)، مع استمرار تقلص الفجوة بين دخول سكان الحضر والريف بشكل أكبر. ويعكس هذا النمو في الدخول أثر السياسات المتواصلة التي تتسم بالثبات على مدى سنوات طويلة، إلى جانب الدور الفعال للابتكار العلمي والتكنولوجي في دفع التنمية الزراعية.


الطريق الأخضر والتنمية المستدامة للزراعة


في مواجهة التغير المناخي والقيود على الموارد وغيرها من التحديات العالمية، تتجه الزراعة الصينية نحو مسار أكثر استدامة. فقد وضعت حماية الأراضي الزراعية في موقع بارز، ويجري دفع بناء الأرض الزراعية عالية الجودة بشكل مطرد بهدف رفع إنتاجية الأرض وتعزيز قدرتها على مقاومة الكوارث.


وفي المناطق التي تعاني من شح المياه يجري التوسع في تطبيق تقنيات الري الموفر للمياه، ما يحسن كفاءة استخدام المياه الزراعية بصورة ملحوظة.


كما تندمج مفاهيم الزراعة البيئية تدريجيا في الممارسات الإنتاجية، مع الترويج لأساليب المكافحة الخضراء ودورات الزراعة وتربية الماشية، بما يعزز التناغم بين الإنتاج الزراعي والبيئة الطبيعية.


ولا ترتبط هذه الجهود بأمن الغذاء والبيئة في الصين فحسب، بل تقدم أيضا مرجعا مفيدا للممارسات الزراعية المستدامة على المستوى العالمي.


فصل جديد من النهضة الريفية والتنمية الشاملة


دخلت استراتيجية النهوض بالريف مرحلة جديدة، حيث انتقل التركيز من القضاء على الفقر المدقع إلى تعزيز التنمية الشاملة للمناطق الريفية.


وقد أحرزت البنية التحتية الريفية تقدما ملحوظا، مع تحسن مستمر في إمدادات المياه والطرق والاتصالات والخدمات اللوجستية، مما وفر أساسا متينا لازدهار الصناعات الريفية وتحسين معيشة السكان.


وفي الوقت ذاته يتحسن نظام الحوكمة الريفية تدريجيا ويرتفع مستوى الخدمات العامة، وتتعمق آليات الاندماج بين الحضر والريف.


وتتدفق مزيد من الكفاءات والتقنيات ورؤوس الأموال إلى الأرياف، مما يضخ حيوية جديدة في عملية تحديث الزراعة والمناطق الريفية. وأصبحت القرى الصينية أكثر ملاءمة للعيش والعمل، مع تزايد شعور المزارعين بالرضا والسعادة.
تبادل الخبرات وآفاق جديدة للتعاون الصيني العربي


تواجه الصين والدول العربية تحديات متشابهة في مجال التنمية الزراعية، كما تمتلكان آفاقا واسعة للتعاون.


فقد راكمت العديد من الدول العربية خبرات فريدة في مواجهة ندرة المياه وتطوير الزراعة الموفرة للمياه والزراعة الصحراوية، بينما حققت الصين تقدما ملحوظا في استصلاح الأراضي المالحة والقلوية وتربية المحاصيل المقاومة للجفاف وتكنولوجيا الزراعة الذكية. ويشكل هذا التكامل أساسا متينا للتعاون بين الجانبين.


وخلال السنوات الأخيرة تعمق التعاون بين الصين ودول مثل الإمارات والسعودية في مجال التكنولوجيا الزراعية. وقد جرى اختبار وتطبيق أنظمة الري الذكية والطائرات المسيرة الزراعية التي طورتها الصين في بعض الدول العربية، مما ساعد على رفع كفاءة استخدام المياه وزيادة الإنتاج الزراعي.


وفي المقابل توفر الممارسات الابتكارية للدول العربية في مجالات الري الشمسي الموفر للمياه والزراعة داخل البيوت المحمية الصحراوية خبرات مفيدة لتنمية الزراعة في المناطق الجافة شمال غربي الصين.


وفي إطار مبادرة الحزام والطريق يتجه التعاون الزراعي الصيني العربي نحو مزيد من التنوع، من تبادل التقنيات وتدريب الكفاءات إلى البحث والتطوير المشترك والاستثمار، مع استكشاف نماذج تعاون شاملة ومتعددة المستويات.


ويسهم هذا التعاون القائم على المساواة والمنفعة المتبادلة والتركيز على التحديات المشتركة في تعزيز الأمن الغذائي للطرفين، كما يقدم حلولا قابلة للاستفادة منها للمناطق الجافة وشبه الجافة في العالم.


الانفتاح والتعاون لمواجهة التحديات العالمية


تلتزم عملية تحديث الزراعة في الصين دائما بالانفتاح والتعاون. ففي مجالات الري الموفر للمياه واستصلاح الأراضي المالحة والقلوية والزراعة الرقمية، راكمت الصين خبرات عملية غنية، وتسهم من خلال التعاون الدولي وتبادل المعرفة في مواجهة تحديات الأمن الغذائي العالمي.


كما تتعمق باستمرار مجالات التعاون مع مختلف الدول في التكنولوجيا الزراعية وتنمية الكفاءات والتجارة والاستثمار، مما يدفع بالتنمية الزراعية المستدامة على المستوى العالمي.


وبالنظر إلى المستقبل ستواصل الصين إعطاء الأولوية لتنمية الزراعة والمناطق الريفية، مع اتخاذ الابتكار التكنولوجي محركا أساسيا ودعم السياسات ضمانا قويا، لدفع التنمية الزراعية عالية الجودة وتحقيق النهوض الشامل بالريف.


وفي هذه العملية ترغب الصين في تعزيز الحوار مع المجتمع الدولي وتبادل الخبرات وتعميق التعاون لمواجهة التحديات العالمية مثل الأمن الغذائي وتغير المناخ والتنمية المستدامة، والمساهمة بصورة إيجابية في بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.


إن طريق تحديث الزراعة في الصين لا يرتبط برفاهية أكثر من 1.4 مليار نسمة فحسب، بل سيوفر أيضا أفكارا وإمكانات جديدة لتنمية الزراعة في العالم.

  • – ريماس الصينية – صحفية في CGTN العربية – الصين .

شاهد أيضاً

استطلاع رأي: الشباب الأوروبيون ينظرون بإيجابية إلى الصين

استطلاع رأي : الشباب الأوروبيون ينظرون بإيجابية إلى الصين

شفا – أظهرت نتائج استطلاع نشرت يوم الأربعاء الماضي أن 82 بالمائة من الأوروبيين لديهم …