12:58 مساءً / 3 فبراير، 2026
آخر الاخبار

كيف ضاعت فلسطين من البوصلة قبل أن تُحاصَر في المكان؟ تعقيب على ورقة “القضية الفلسطينية بين التحول الجيوسياسي والتحول الجيواستراتيجي د. وليد عبد الحي” بقلم : د. وليد العريض

كيف ضاعت فلسطين من البوصلة قبل أن تُحاصَر في المكان؟ تعقيب على ورقة “القضية الفلسطينية بين التحول الجيوسياسي والتحول الجيواستراتيجي د. وليد عبد الحي” بقلم : د. وليد العريض

في زمنٍ عربيٍّ يتقنُ وصفَ الألم أكثر مما يتقنُ فهمَ أسبابه، تأتي ورقة وليد عبد الحي كفعلِ مقاومةٍ هادئ:
مقاومة للخلط وللتبسيط، وللخطاب الذي يُكثر من الشعارات ويُقلّل من التفكير.

فهي لا ترفع صوت فلسطين، بل تُعيد وضعها على الطاولة بوصفها مسألة عقل قبل أن تكون مسألة وجدان.

هذه الورقة لا تدخل القضية الفلسطينية من باب المظلومية ولا تستدرّ العاطفة ولا تُقايض التحليل بالانفعال.
تبدأ من حيث يجب أن يبدأ أي نقاش جاد: من المفهوم.
فحين تختلط الجيوبولتيك بالجغرافيا السياسية بالجيواستراتيجة يصبح الخطأ في اللغة خطأً في الرؤية، ثم يتحوّل – مع الزمن – إلى سياسة فاشلة واستراتيجية عمياء.
من هنا لا يبدو التفريق المفاهيمي في الورقة تمرينًا أكاديميًا، بل شرطًا أوليًا لإنقاذ المعنى من الابتذال.
وما إن تستقيم المفاهيم حتى يبدأ المشهد في الانكشاف:
الجغرافيا لا تحمي نفسها ولا تصنع مجدًا تلقائيًا ولا تضمن مركزية قضية لمجرد عدالتها.
المكان مادة خام تُمنَح قيمتها أو تُسحَب منها وفق قدرة الفاعل السياسي على تحويله إلى قيمة استراتيجية.

وهنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الواقع العربي سخرية: نعيش في أكثر أقاليم العالم حساسيةً استراتيجيًا، لكننا نُدار وكأننا هامشٌ جغرافيٌّ بلا مشروع.

تنتقل الورقة بعد ذلك إلى مفهوم التكيّف لا بوصفه حيلة لغوية لتبرير السياسات، بل باعتباره نمطًا كاشفًا للسلوك. وحين تُقسِّم أنماط التكيّف إلى إذعاني ومقاوم وتعزيزي ووقائي، فهي لا تُصنّف الدول أخلاقيًا، بل تُعرّي منطقها.

فالمشكلة ليست في اختلاف السياسات العربية، بل في القاسم المشترك بينها: تضخّم وزن الخارج، وتراجع ثقة الداخل بنفسه. وهنا يصبح التكيّف – في كثير من الأحيان – اسمًا آخر للتخلّي المؤدّب.

ومن أكثر لحظات الورقة عمقًا ذلك التمييز المنهجي بين الحدث والاتجاه الفرعي والاتجاه، والاتجاه الأعظم.

ففي عالمٍ عربيٍّ أسيرِ الصدمة اليومية، تذكّرنا الورقة بأن ما نراه اليوم ليس مفاجأة، بل نتيجة تراكم طويل.
التطبيع على سبيل المثال، لم يولد فجأة ولم يهبط من السماء بتوقيعٍ رسمي؛ لقد بدأ همسًا ثم صار ممارسة، ثم تحوّل إلى “اتجاه”، ثم استقرّ كـاتجاه أعظم يُدار بلغة المصالح لا بمنطق القضايا.

وفي قراءتها للمنظور الإسرائيلي تخرج الورقة من ثنائية التهوين والتهويل لتقدّم خصمًا يفكّر بهدوء، ويقرأ التحولات الدولية بدقّة ويستثمر التفكك العربي ببرود. عدوٌّ يعيد ترتيب الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد والثقافة، في حين ينشغل الإقليم العربي بتبديل الشعارات لا بتجديد الاستراتيجيات.

هنا تبلغ السخرية ذروتها: خصمٌ يؤمن بعبقرية المكان وأصحاب المكان يتعاملون معه كعبءٍ سياسي.

لا تقول الورقة إن فلسطين انتهت ولا تدّعي أن التاريخ حُسم. لكنها تقول ما هو أخطر وأصدق: إن فلسطين أُزيحت عن مركز البوصلة الاستراتيجية قبل أن تُضيَّق في الجغرافيا. تحوّلت من قضية مركزية إلى ملف ومن معيارٍ للتحالفات إلى تفصيلٍ قابل للإدارة ومن بوصلة إلى عبء لغوي يُستحضر عند الحاجة الخطابية ويُهمَل عند اتخاذ القرار.

وإذا كان من إضافة تُقترح على الورقة فهي لا تمسّ بنيتها ولا قيمتها، بل تتصل بما بعدها: تحويل هذا التشخيص العميق إلى إطارٍ إرشاديٍّ يُفكّر في إمكان استعادة المركزية الفلسطينية لا عبر الحنين، بل عبر إعادة بناء العقل الاستراتيجي العربي. غير أن غياب هذا الإطار لا يُضعف النص، بل يؤكّد أنه كتب ليُقرأ بعقلٍ يقظ، لا ليُستهلك في سباق المواقف.

في الخلاصة، هذه ليست ورقة تُجامل فلسطين، بل تحترمها.
ولا تُواسي القارئ العربي، بل تُوقظه.
وهي تقول بوضوحٍ قاسٍ وضروري :
إن
استعادة فلسطين تبدأ من استعادة البوصلة: بوصلة المفهوم وبوصلة التحليل وبوصلة القرار.
فالمكان لا يُنقذ نفسه إذا ضاع الاتجاه.

شاهد أيضاً

مخبر اللهجات ومعالجة الكلام بجامعة وهران 1 ينظم الملتقى الوطني: “تعليمية الصرف العربي في المنظومة التعليمية بالجزائر”

بين الصعوبة والتيسير شفا – تشير البروفيسور سعاد بسناسي جامعة مديرة مخبر اللهجات ومعالجة الكلام، …