
التعارف في زمن الشاشات: بين وهم القرب وحقيقة الوعي ، بقلم : هدى زوين
لم يعد التعارف في زمننا الحديث فعلًا إنسانيًا مباشرًا، تحكمه لغة الجسد ونبرة الصوت وتفاصيل الحضور، بل انتقل إلى فضاء رقمي تُدار فيه العلاقات عبر نوافذ صغيرة مضيئة، تُختزل فيها الشخصيات إلى صور منتقاة بعناية، وكلمات محسوبة، وسلوك رقمي قد لا يمتّ للواقع بصلة. لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرّد أدوات للتواصل، بل تحوّلت إلى منظومات ثقافية وسلوكية تعيد تشكيل مفهوم العلاقات، وتعيد تعريف الثقة، وتربك الحدود بين الحقيقي والمصطنع.
في هذا الفضاء المفتوح، يلتقي أشخاص من مجتمعات مختلفة، وثقافات متباعدة، وخلفيات نفسية متناقضة، تحت عنوان واحد: “التعارف”. غير أن هذا العنوان الفضفاض يخفي تحته نوايا متباينة؛ فمنهم من يبحث عن تواصل إنساني صادق، ومنهم من يتقن فنّ التلاعب والاستدراج، ومنهم من يصنع لنفسه صورة مثالية لا وجود لها إلا على الشاشة. وهنا تتحوّل العلاقة من مساحة تواصل إلى مساحة اختبار للوعي، لا للعاطفة فقط.
العالم الافتراضي: هل هو أداة أم بديل عن الواقع؟
لم يعد السؤال اليوم: هل نستخدم العالم الافتراضي؟
بل: كيف نستخدمه، وبأي وعي؟
العالم الرقمي ليس شرًا مطلقًا ولا خلاصًا مطلقًا، بل أداة. والأداة بطبيعتها محايدة، تتلوّن بوعي مستخدمها. المشكلة لا تكمن في وجود المنصّات، بل في تحويلها إلى مرجعية للحقيقة، ومصدر وحيد للمعرفة، وبديل عن العلاقات الإنسانية الطبيعية. حين نمنح الصورة سلطة أكبر من الفكرة، وعدد المتابعين قيمة أعلى من عمق المحتوى، والصوت العالي مصداقية تفوق المعنى، يبدأ الخلل الثقافي قبل أن يبدأ الخلل الاجتماعي.
لقد أعادت وسائل التواصل تشكيل مفهوم “القرب”، فأصبح القرب وهميًا، سريعًا، هشًا، قائمًا على الانطباع لا على المعرفة، وعلى التفاعل اللحظي لا على التراكم الإنساني.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، لم تعد الإشكالية محصورة في حسابات وهمية أو أشخاص متخفّين خلف شاشات، بل انتقلنا إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: صور تُصنع، أصوات تُركّب، محادثات تُدار آليًا، وشخصيات كاملة تُخلق بلا وجود بشري حقيقي. لقد وفّر الذكاء الاصطناعي إمكانيات هائلة للتواصل والإنتاج، لكنه في الوقت نفسه فتح أبوابًا خطيرة للتلاعب النفسي، وتزوير الثقة، وصناعة الوهم بشكل احترافي يصعب على المستخدم العادي تمييزه.
هنا لم يعد الخطر تقنيًا فقط، بل أخلاقيًا وثقافيًا، لأن الإنسان قد يصبح ضحية “حضور وهمي” يتقن محاكاة المشاعر، وبناء التعاطف، واستدراج الثقة، دون أي مسؤولية إنسانية حقيقية.
من أخطر التحولات المعرفية اليوم تشكّل جيل يستهلك المعرفة بصريًا وسريعًا، يفضّل الفيديو المختصر على النص العميق، ويتلقى المعلومة دون تمحيص أو تحليل. هذا النمط الاستهلاكي السريع أضعف مهارات التفكير النقدي، وقلّل من قدرة الفرد على التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين التأثير والمعرفة، وجعل المتلقي أكثر عرضة للانقياد العاطفي والفكري.
حين تُختصر القضايا الكبرى في مقاطع لا تتجاوز ثواني معدودة، يصبح الوعي هشًا، ويسهل اختراقه، سواء في العلاقات، أو في القناعات، أو في صناعة الرأي.
التعارف بين الوعي والسذاجة الرقمية
التعارف عبر المنصّات ليس خطأ في ذاته، لكنه يصبح خطرًا حين يُبنى على: منح الثقة قبل التحقق،
ومشاركة الخصوصية قبل الأمان،
والخلط بين اللطف والصدق،
وبين الاهتمام والاستغلال.
العلاقة الرقمية تحتاج إلى وعي مضاعف، وحدود واضحة، وثقافة نفسية واجتماعية تحمي الفرد من الانزلاق خلف الصورة الجميلة أو الخطاب العاطفي. فليس كل من يجيد التعبير صادقًا، ولا كل من يظهر متعاطفًا آمنًا، ولا كل من يبدو “واقعيًا” حقيقيًا.
نحن لا نعيش أزمة أدوات، بل أزمة وعي. ولا نحتاج إلى الهروب من العالم الرقمي، بل إلى دخوله بعقل نقدي، وبوصلة أخلاقية، وحدود تحمي الإنسان من الذوبان داخل الصورة. فالتكنولوجيا ستتطور، والذكاء الاصطناعي سيزداد تعقيدًا، لكن الإنسان وحده مسؤول عن أن يحافظ على وعيه، وكرامته، وإنسانيته، وسط عالم يتقن صناعة الوهم أكثر مما يتقن صناعة الحقيقة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .