12:32 صباحًا / 1 فبراير، 2026
آخر الاخبار

غزة: هدنة معلقة وإبادة تحت غطاء وقف النار ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

غزة: هدنة معلقة وإبادة تحت غطاء وقف النار ، بقلم : مصطفى عبدالملك الصميدي

في كل مرة يُعلن فيها وقفٌ لإطلاق النار في غزة، لا يكون السؤال: هل ستصمت المدافع والصواريخ والقنابل؟ إنما كيف سيُدار القتل بوسائل أخرى؟ فالتجربة مع الكيان الصهيوني المحتل وداعميه تُظهر أن الهدنة ليست نهايةً للعنف المقيت، بل إعادة تموضع له؛ انتقالٌ من القصف الكثيف إلى الاستنزاف البطيء، ومن المجازر الصاخبة إلى الإبادة المُقنَّعة بلغة الإجراءات الأمنية. وكيف لا واليهود لا عهد لهم ولا ذمة كما وصفهم الله تعالى.

لم يكن وقف إطلاق النار، في أي من محطاته، التزاماً قانونياً بقدر ما كان تكتيكاً عسكرياً. إذ سرعان ما تواصلت الخروقات عبر القنص، والاستهداف الجوي المتواصل، ومنع الإغاثة، وفرض سياسات التجويع، وتوسيع نطاق الدمار غير المرئي. هنا لا تُنتهك الهدنة بالرصاصة فقط وإنما بالحصار الممنهج، وبالتحكم في الهواء والماء والغذاء وبإبقاء الحياة على حافة الاختناق.

يعتمد الكيان المحتل استراتيجية واضحة: تفريغ الاتفاقات من مضمونها، وتحويلها إلى غطاء زمني لإدامة الحرب. فالهدنة، في قاموسه، ليست وقفاً للعدوان ولكن تعليقاً تكتيكياً يسمح بإعادة ترتيب القوة، وتبييض الصورة أمام المجتمع الدولي، بينما يستمر العدوان على الأرض بوسائل أقل صخباً إعلامياً وأكثر فتكاً. وإذا كانت الإبادة الجماعية تُقاس بعدد الضحايا، فهي تُقاس أيضاً بنية القتل، أي حين يُدمَّر النظام الصحي، وتُستهدف مصادر العيش، وتُحاصر الجغرافيا حتى تتحول إلى مصيدة بشرية. بهذا المضمون، فإن استمرار الحصار ومنع الإغاثة ليس خرقاً ثانوياً بل جوهر الإبادة الجماعية ذاتها، حيث يُستبدل القتل المباشر بسياسات الإهلاك البطيء.

إن التفاوض مع الكيان الصهيوني المحتل، في ظل استمرار هذه الوقائع، لا يمكن عزله عن سياق الجريمة. فكل مسار تفاوضي لا يُلزم هذا الكيان بآليات رقابة ومحاسبة دولية صارمة، يتحول إلى شريك صامت في إدامة الحرب. إذ لا معنى لاتفاقٍ يُوقَّع على الطاولة بينما تُقصف الحياة في الميدان، ولا قيمة لخطاب السلام حين يُستخدم لتخدير الضمير العالمي. ولقد أثبتت الوقائع أن الكيان المحتل لا يتعامل مع الالتزامات بوصفها تعهدات، وإنما باعتبارها أوراقاً قابلة للحرق. وما يُسمّى خرقاً ليس استثناءً في سلوكه، بل قاعدة سياسية تُدار بعناية بالغة: التوقيع، ثم الالتفاف، ثم تحميل الضحية مسؤولية الانهيار.

غزة، في هذا السياق، ليست ساحة حرب فقط، بل مختبراً لاختبار حدود الصمت الدولي. وكل هدنة لا تُرفق بإنهاء الحصار ووقف العدوان البنيوي ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ليست سوى فصل آخر في مسرحية دولية تُدار لإطالة أمد الإبادة لا لإنهائها.

إن وقف إطلاق النار الحقيقي لا يُقاس بعدد الساعات التي يسكت فيها النار والحديد، وإنما بعودة الحياة إلى شروطها الطبيعية. وما لم يُكسر منطق الإفلات من العقاب سيظل الكيان الصهيوني المحتل يعيد إنتاج العنف وتبقى الهدنة مجرد قناعٍ لغويٍّ لحربٍ لم تتوقف يوماً.

  • – مصطفى عبدالملك الصميدي – اليمن

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم السبت 31 يناير كالتالي : سعر أونصة الذهب عالمياً …