
فتح في عيون الناس: كيف نعيد الثقة؟ بقلم الصحفي سامح الجدي
(المقال الثامن والعشرون من سلسلة مقالات “أي فتح نُريد”)
قراءة في الرأي العام
مقدّمة
لم تكن حركة فتح يومًا كيانًا منفصلًا عن الناس، بل وُلدت من بينهم، وعاشت على ثقتهم، واستمدّت شرعيتها من احتضانهم لها ومن التضحيات المشتركة في مسيرة النضال الوطني. غير أن التحولات السياسية والتنظيمية والاجتماعية التي مرّت بها القضية الفلسطينية، وضعت فتح اليوم أمام سؤال حاسم: كيف يراها الناس؟ والأهم من ذلك: كيف يمكن استعادة الثقة التي تراجعت لدى قطاعات واسعة من الشارع الفلسطيني؟
إن الثقة الشعبية ليست معطى ثابتًا، بل علاقة متغيرة تُبنى بالفعل والممارسة، وتنهار حين يتسع الفارق بين الخطاب والواقع. وقراءة الرأي العام بصدق وجرأة لم تعد خيارًا ثانويًا، بل شرطًا أساسيًا لإعادة بناء هذه العلاقة، وإنقاذ الدور التاريخي لفتح.
أولًا: فتح كما يراها الناس اليوم
تتشكّل صورة فتح في أذهان الناس من خلال التجربة اليومية، لا من خلال البيانات والخطابات فقط. وفي قراءة المزاج العام الفلسطيني، يمكن ملاحظة مجموعة من الانطباعات المتكررة، من بينها:
• شعور بوجود فجوة بين القيادة والشارع.
• انطباع بأن الحركة باتت أقرب إلى السلطة منها إلى الناس.
• تراجع الثقة بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي.
• إحساس بضعف العدالة الداخلية وتكافؤ الفرص.
هذه الانطباعات لا تعني بالضرورة رفض فتح كمشروع وطني، بقدر ما تعبّر عن خيبة أمل من الأداء، وعن توقٍ إلى فتح مختلفة، أكثر قربًا وصدقًا وفاعلية.
ثانيًا: الرأي العام… مرآة لا خصم
من الأخطاء الشائعة في العمل السياسي التعامل مع الرأي العام بوصفه خصمًا أو عبئًا. بينما الحقيقة أن الرأي العام هو مرآة تعكس مكامن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات عميقة.
فحين ينتقد الناس فتح، فهم في كثير من الأحيان لا يفعلون ذلك بدافع الخصومة، بل بدافع القلق على المشروع الوطني، والخوف من ضياع البوصلة. وتجاهل هذا الصوت، أو التقليل من شأنه، يُفاقم الأزمة بدل معالجتها.
فتح التي تريد استعادة ثقة الناس هي فتح التي تصغي قبل أن تُقنع، وتفهم قبل أن تُبرّر.
ثالثًا: أسباب تراجع الثقة الشعبية
لا يمكن الحديث عن إعادة الثقة دون تشخيص أسباب تراجعها، ومن أبرزها:
- الفجوة بين الخطاب والممارسة
رفع شعارات كبرى دون ترجمتها إلى سياسات ملموسة يضعف المصداقية. - ضعف المحاسبة الداخلية
غياب المساءلة يولّد شعورًا بأن الأخطاء بلا ثمن. - تداخل التنظيم بالسلطة
ما جعل فتح تُحمَّل مسؤولية كل إخفاق إداري أو معيشي. - تهميش الشباب والكوادر القاعدية
وهو ما خلق حالة من الإحباط والعزوف. - غياب التواصل الحقيقي مع الناس
والاكتفاء بحضور موسمي أو مناسباتي.
هذه الأسباب مجتمعة أسهمت في اهتزاز صورة الحركة في الوعي العام.
رابعًا: الثقة تُبنى بالفعل لا بالشعارات
الثقة الشعبية لا تُستعاد عبر حملات إعلامية أو تغيير لغوي في الخطاب، بل عبر تغيير حقيقي في السلوك والممارسة. فالناس اليوم أكثر وعيًا، وأقل قابلية للتأثر بالشعارات.
ويرتبط بناء الثقة بعدة عناصر أساسية:
• الصدق في تشخيص الواقع.
• الشفافية في اتخاذ القرار.
• العدالة في التعامل مع الكوادر والناس.
• القرب الحقيقي من هموم الشارع.
فتح التي تريد استعادة ثقة الناس يجب أن تنتقل من الدفاع عن صورتها، إلى إصلاح جوهر أدائها.
خامسًا: فتح والناس… من التمثيل إلى الشراكة
أحد التحولات المطلوبة في علاقة فتح مع الشارع هو الانتقال من عقلية “التمثيل” إلى عقلية “الشراكة”. فالناس لم يعودوا يريدون من يتحدث باسمهم فقط، بل من يُشركهم في الفهم والقرار والمساءلة.
الشراكة تعني:
• فتح قنوات حوار حقيقية مع المجتمع.
• الاستماع للنقد دون تخوين أو استعلاء.
• إشراك القاعدة الشعبية في بلورة الأولويات.
حين يشعر الناس أنهم جزء من القرار، لا مجرد متلقّين له، تبدأ الثقة بالعودة تدريجيًا.
سادسًا: الشباب والرأي العام
يمثّل الشباب اليوم القوة الأوسع تأثيرًا في تشكيل الرأي العام، خاصة عبر الفضاء الرقمي. وتراجع ثقة الشباب بفتح يُعدّ مؤشرًا خطيرًا، لأنه يهدد مستقبل الحركة لا حاضرها فقط.
كثير من الشباب يرون أن فتح:
• لا تخاطبهم بلغتهم.
• لا تمنحهم دورًا حقيقيًا.
• لا تعكس تطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية.
استعادة ثقة الشباب تتطلب:
• تمكينهم داخل الأطر التنظيمية.
• إشراكهم في صياغة الخطاب.
• الاعتراف بحقهم في النقد والاختلاف.
فلا يمكن استعادة الثقة دون كسب الجيل الجديد.
سابعًا: العمل الميداني واستعادة الصورة
تُبنى الصورة الإيجابية للحركات الوطنية في الميدان، لا في المكاتب. وحين تكون فتح حاضرة بين الناس، في قضاياهم اليومية، وأزماتهم الاجتماعية، ونضالاتهم المطلبية، فإن صورتها تبدأ بالتحسن تلقائيًا.
العمل الميداني يشمل:
• الدفاع عن حقوق الناس.
• الحضور في القرى والمناطق المهمشة.
• التفاعل مع الأزمات المعيشية.
• تنظيم المبادرات الشعبية.
فتح القريبة من الناس هي فتح التي تستعيد ثقتهم.
ثامنًا: النقد الذاتي في نظر الناس
ينظر الرأي العام باحترام إلى القوى التي تعترف بأخطائها وتراجع نفسها. فالنقد الذاتي الصادق لا يُضعف الحركة، بل يُقوّي صورتها ويعزّز مصداقيتها.
فتح التي تقول للناس: “أخطأنا هنا، وسنصحّح”، هي أقرب إلى قلوبهم من فتح التي تُنكر أو تُبرّر. فالمصارحة أساس الثقة، والإنكار طريق فقدانها.
تاسعًا: من قراءة الرأي العام إلى تغيير السياسات
قراءة الرأي العام لا تكون مفيدة ما لم تتحول إلى سياسات عملية. فاستطلاعات المزاج، ومتابعة النقاشات العامة، والاستماع للناس، يجب أن تنعكس على:
• أولويات التنظيم.
• آليات العمل الجماهيري.
• أسلوب القيادة.
• الخطاب السياسي والإعلامي.
حين يرى الناس أن صوتهم يُحدث فرقًا، تتغير نظرتهم، وتبدأ الثقة بالعودة.
خاتمة
إن السؤال: فتح في عيون الناس: كيف نعيد الثقة؟ هو سؤال مصيري، يتجاوز تحسين الصورة إلى إنقاذ الدور الوطني. فالثقة لا تُفرض، ولا تُستجدى، بل تُبنى بالصبر والعمل والتواضع والصدق.
فتح التي تستعيد ثقة الناس هي فتح التي تعود إليهم، تسمعهم، وتحاسب نفسها، وتُصلح أخطاءها، وتُجدد علاقتها بالشارع على أساس الشراكة لا الوصاية. فحين تشبه فتح الناس، وتدافع عنهم، وتصدق معهم، سيعودون هم أيضًا ليشبهوا فتح، ويمنحوها ما لا يُشترى: الثقة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .