12:09 مساءً / 20 يناير، 2026
آخر الاخبار

أنسنة الرقمنة: فلسفة التعليم في ظل التغلغل التقني لأدوات الذكاء الاصطناعي (رؤية نقدية) ، بقلم : أيمن قبها

أنسنة الرقمنة: فلسفة التعليم في ظل التغلغل التقني لأدوات الذكاء الاصطناعي (رؤية نقدية) ، بقلم : أيمن قبها


مقدمة: في مأزق “الآلة” و”المعنى”


يواجه الفكر التربوي المعاصر تحدياً وجودياً غير مسبوق؛ فمع اندياح موجة الرقمنة وتغلغل أدوات الذكاء الاصطناعي في مفاصل العملية التعليمية، بدأت تلوح في الأفق بوادر “تنميط رقمي” يهدد بابتلاع الخصوصية الإنسانية. إن مفهوم “أنسنة الرقمنة” يبرز اليوم كضرورة ملحة لإعادة الاعتبار للمتعلم ككيان قيمي، وجداني، واجتماعي، وليس مجرد “وحدة بيانات” في خوارزمية كبرى. تطرح هذه الرؤية النقدية تساؤلاً جوهرياً: كيف نتبنى ذكاء الآلة دون أن نفقد ذكاء الوجدان؟

أولاً: الرقمنة والذكاء الاصطناعي كـ “إغراء تقني”


لقد قدم الذكاء الاصطناعي وعوداً براقة بالسرعة، والكفاءة، والدقة المطلقة. ومع ذلك، فإن النظرة النقدية تلمس خلف هذا الإغراء خطراً يتمثل في “ميكانيكية التعلم”. إن الاعتماد الكلي على أدوات مثل نماذج اللغة الضخمة (LLMs) قد يؤدي إلى حالة من “الكسل المعرفي”، حيث يحل “الناتج الجاهز” محل “الصيرورة الذهنية”. الطموح الحقيقي هنا ليس في استبدال العقل البشري، بل في إيجاد “علاقة تكاملية” تظل فيها السيادة للحكمة البشرية (Human Wisdom) فوق الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence).

ثانياً: تحدي الوجدان في “البيداغوجيا الرقمية”


تتغذى العملية التربوية في جوهرها على “اللقاء الإنساني” بين المعلم والمتعلم؛ ذلك اللقاء الذي ينطوي على تعاطف، وإيماءات، وتحفيز معنوي لا تستطيع الخوارزمية محاكاته مهما بلغت دقتها.

اغتراب المتعلم: إن الجلوس خلف الشاشات والتفاعل مع وكلاء ذكاء اصطناعي قد يخلق حالة من “العزلة الرقمية”، مما يضعف مهارات الذكاء الاجتماعي والذكاء العاطفي.

تسطيح المعرفة: هناك خشية نقدية من أن تؤدي الرقمنة إلى “تفتيت المعرفة” وتحويلها إلى وجبات سريعة، مما يفقد المتعلم القدرة على التأمل العميق والقراءة النقدية للنصوص.

ثالثاً: نحو “ميثاق أخلاقي” لأنسنة التقنية


أنسنة الرقمنة تعني بالضرورة إخضاع التقنية للمنظومة الأخلاقية، وهو ما يتطلب مواجهة العقبات التالية:

الانحياز الخوارزمي: إن أدوات الذكاء الاصطناعي ليست محايدة؛ فهي تحمل تحيزات صانعيها والبيانات التي غُذيت بها. أنسنة الرقمنة تقتضي وعياً نقدياً من الطلبة لكشف هذه التحيزات.

العدالة والإنصاف: لا يمكن الحديث عن “أنسنة” في ظل فجوة رقمية تحرم الفقراء من أدوات التقدم. الرؤية النقدية توجب علينا المطالبة بـ “مشاعية المعرفة الرقمية” كحق إنساني لا كسلعة تجارية.

رابعاً: دور المعلم في “العصر الرقمي المتأنسن”


في ظل هذا التغلغل، لم يعد دور المعلم هو “توصيل المعلومات”، بل أصبح هو “حارس القيم” و”محفز الإبداع”. إن المعلم في رؤيتنا النقدية هو الذي يعلم الطالب كيف يطرح السؤال الصحيح على الذكاء الاصطناعي، وكيف يشكك في الإجابات، وكيف يربط المعرفة الرقمية بالواقع المعيش. إن الأنسنة تبدأ من قدرة المعلم على غرس “الشك المنهجي” في مواجهة “اليقين الخوارزمي”.

خامساً: مقترحات لإعادة التوازن (رؤية استشرافية)


لتحقيق “أنسنة الرقمنة” في مؤسساتنا التربوية، يجب العمل على:

دمج العلوم الإنسانية بالتقنية: لا يجوز تدريس الذكاء الاصطناعي كعلم تقني بحت، بل يجب أن يرافقه تدريس الفلسفة، والأخلاق، وعلم الاجتماع.

تبني “التعلم الهجين” (Hybrid Learning): الذي يزاوج بين كفاءة الأدوات الرقمية وحميمية اللقاء الواقعي في القاعات الدراسية.

تقييم “النمو الذاتي”: تحويل بوصلة التقييم من “صحة الإجابة” إلى “تطور الفكر الشخصي” ومدى قدرة الطالب على إضافة لمسته الإنسانية الخاصة للنتاج الرقمي.

خاتمة: الإنسان كمركز للمجرة الرقمية


إننا لا ندعو إلى الانكفاء عن التكنولوجيا أو رفض الذكاء الاصطناعي، فهذا نكوص عن الواقع. إنما ندعو إلى “عقلنة الرقمنة” وجعلها في خدمة الروح البشرية. إن المقال ينتهي بصرخة تربوية مفادها: “ليكن الذكاء الاصطناعي خادماً مطيعاً، وليظل العقل البشري سيداً مبدعاً”. إن أنسنة الرقمنة هي الضمانة الوحيدة لكي لا يتحول التعليم إلى مصنع لإنتاج “روبوتات بشرية”، بل يظل منارة لبناء “إنسان واعي” في عالم رقمي.

  • – أيمن قبها – طالب دكتوراة تعليم وتعلم – جامعة النجاح الوطنية

شاهد أيضاً

التوجيه الوطني والمعنوي يلتقي مدير أوقاف محافظة أريحا والأغوار

التوجيه الوطني والمعنوي يلتقي مدير أوقاف محافظة أريحا والأغوار

شفا – التقى مديرية التوجيه الوطني والمعنوي لمحافظة أريحا والأغوار، ممثلة بنائب مفوض التوجيه الوطني …