
هل تلحق الحوكمة العالمية بتطور الذكاء الاصطناعي؟ بقلم : تيان جيانينغ
يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل العالم بوتيرة غير مسبوقة. فمن النماذج الضخمة والذكاء المجسّد إلى الخوارزميات المدمجة في أنظمة التشغيل الاجتماعية، يواصل التقدم التكنولوجي اختراق الحدود القائمة ويختبر مدى قدرة نظام الحوكمة العالمية على التكيف. لم يعد السؤال “هل نحتاج إلى الحوكمة؟” بل “هل تستطيع الحوكمة العالمية تجاوز سرعة تطور الذكاء الاصطناعي؟”.
من الناحية الواقعية، فإن الانتشار العابر للحدود، والآثار الجانبية التكنولوجية، والمخاطر المحتملة للذكاء الاصطناعي، تجعل من الصعب على أي دولة بمفردها التعامل معه. وتؤثر مشاكل مثل التحيز الخوارزمي، واحتكار البيانات، والتزييف العميق، والاستخدامات العسكرية على الثقة الاجتماعية، والأمن القومي، والنظام الدولي. وكما يُقرّ المجتمع الدولي على نطاق واسع، فقد أصبح الذكاء الاصطناعي “قضية عالمية”. ففي حال غياب إطار حوكمة منسقة، قد تنزلق المنافسة التكنولوجية بسهولة إلى لعبة محصلتها صفر، أو حتى تتطور إلى شكل جديد من الهيمنة التكنولوجية.
في هذا السياق، تقدم مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ إحداثيات قيمية واتجاها مؤسسيا مهما لحوكمة الذكاء الاصطناعي. فالمبادرة تؤكد على المساواة في السيادة، واحترام سيادة القانون الدولي، والتمسك بالتعددية، ووضع الإنسان في المقام الأول للتنمية، والتركيز على التنفيذ العملي، مستهدفة بشكل مباشر مظاهر التجزئة واختلال القواعد وضعف التنفيذ في منظومة الحوكمة العالمية الراهنة. وتعد حوكمة الذكاء الاصطناعي مجالا بالغ الأهمية يبرز الأهمية العملية لهذه المبادرة: هل تخدم التكنولوجيا البشرية جمعاء أم مصالح قلة؟ هل تكون القواعد قائمة على المشاركة أم على الاحتكار؟ وهل تدار الحوكمة عبر التشاور الشامل أم عبر الاستقطاب والتحالفات المتقابلة؟ كلها أسئلة تمس الاتجاه المستقبلي للحوكمة العالمية.
وتتباين مواقف الدول ومساراتها في حوكمة الذكاء الاصطناعي بشكل واضح. فالاتحاد الأوروبي يركز على التشريع المسبق، ساعيا إلى صياغة “ذكاء اصطناعي جدير بالثقة” من خلال تنظيم صارم عبر قانون الذكاء الاصطناعي؛ بينما تُعطي الولايات المتحدة الأولوية للابتكار والمنافسة التجارية، مع سياسات حديثة تُخفّف بشكل ملحوظ القيود الأمنية؛ أما بعض الاقتصادات الناشئة ودول الجنوب العالمي فتهتم أكثر بإمكانية الوصول إلى التكنولوجيا والحق في التنمية. يُظهر هذا التباين بوضوح أنه بدون رؤية مشتركة، لن يقتصر الأمر على معاناة الحوكمة العالمية في مواكبة التطورات، بل قد تتفاقم التفرقة بسبب المنافسة التكنولوجية.
بالمقارنة، تقدم مفاهيم الصين “الذكاء من أجل الخير” و”وضع الإنسان في المقام الأول” و”العدالة والشمول” نهجا للحوكمة يختلف عن الهيمنة التكنولوجية والتنظيم المفرط. تؤكد الصين أن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يصبح “لعبة للدول الغنية والأثرياء”، بل يجب أن يعود بالنفع على البشرية جمعاء، وخاصة مساعدة دول الجنوب العالمي على سد “الفجوة الذكية”. من خلال مبادرة الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي وخطة العمل الخاصة بها، تدعو الصين الأمم المتحدة باعتبارها القناة الرئيسية لتعزيز التشاور وتوحيد القواعد وبناء القدرات، في حين تُعارض تحويل التكنولوجيا إلى أداة واستخدامها لتشكيل التكتلات.
والأهم من ذلك، أن رؤية الصين لحوكمة الذكاء الاصطناعي لا تتوقف عند مستوى المبادئ، بل تترجم تدريجيا إلى منتجات عامة دولية قابلة للتطبيق ومستدامة عبر بناء المنصات والآليات متعددة الأطراف. فقد بادرت الصين ودعمت تأسيس “منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي”، بهدف توفير منصة تعاون طويلة الأمد، مستقرة ومنفتحة أمام جميع الدول — ولا سيما الدول النامية — لتعزيز التعاون العملي في مجالات التبادل التقني، وبناء القدرات، وتقييم المخاطر، وتنسيق السياسات.
إن قدرة الحوكمة العالمية على اللحاق بتطور الذكاء الاصطناعي تعتمد في جوهرها على ما إذا كان المجتمع الدولي مستعدا لتجاوز المنافسة الضيقة، والعودة إلى السؤال الجوهري: لمن يكون التطور، وكيف يتحقق؟ قد يكون من الصعب إبطاء سرعة تطور الذكاء الاصطناعي، لكن من الممكن تصويب اتجاه حوكمته. وتُظهر الرؤية التي تطرحها الصين أن الحوكمة المستدامة للذكاء الاصطناعي لا تهدف إلى التحكم في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل إلى تحسين رفاهية الإنسان، والمساهمة في بناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية. ولعل هذا هو مفتاح نجاح الحوكمة العالمية في مواكبة العصر التكنولوجي.
- – تيان جيانينغ – إعلامية صينية من قناة CGTNArabic – الصين
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .