
محمود درويش بين الشاعر والأسطورة: جدل “ريتا” بوصفه مرآةً للوعي الجمعي ، بقلم : محمد علوش
يتجدّد السجال بين حين وآخر حول العلاقة التي جمعت الشاعر محمود درويش بشخصية “ريتا”، تلك التي تحوّلت من تجربة عاطفية خاصة إلى رمز ثقافي مفتوح على تعدّد التأويلات، وبين من يقرأ الحكاية بوصفها قصة حبّ عابرة للحدود، ومن يحمّلها أبعاداً سياسية وأخلاقية تتجاوز سياقها الإنساني، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا يظلّ هذا الجدل حيّاً ومؤثراً بعد كل هذه السنوات؟
لم يكن درويش شاعر سيرة شخصية ضيقة، ولا مجرّد راوٍ لتفاصيل عاطفية عابرة؛ بل كان شاعراً امتلك قدرة استثنائية على مزج الخاص بالعام، وعلى تحويل التجربة الفردية إلى سؤال وجودي يمسّ الجماعة، ففي قصيدته الشهيرة (ريتا والبندقية)، لا تبدو “ريتا” امرأة بعينها فحسب، بل صورة مركّبة لافتراق قاسٍ بين حبّ ممكن وواقع مستحيل، فالبندقية في النص ليست تفصيلاً بلاغياً عابراً، بل حدّاً فاصلاً بين عالمين، وبين سرديتين، وبين قلبين يلتقيان في اللغة ويفترقان في التاريخ.
إنّ الذين يصرّون على اختزال التجربة في بعدها البيوغرافي يفوّتون جوهر الشعر بوصفه فعل تخييل وإعادة خلق، فالشاعر، حين يكتب، لا يقدّم وثيقة اعتراف، بل يبني مجازاً، ويصوغ معنى يتجاوز اللحظة الخاصة، و”ريتا” في هذا السياق ليست اسماً لامرأة بقدر ما هي علامة شعرية كثيفة، تختزن مفارقة العلاقة بين الفلسطيني والإسرائيلي في زمن الصراع، وتجسّد مأزق الحبّ حين يحاصر بالهوية والسياسة والذاكرة المثقلة بالجراح.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن معرفة الخلفية الواقعية تضيف بعداً إنسانياً للنص، وتضيء جوانب من التجربة الشعورية للشاعر، فقد أحبّ درويش في شبابه امرأة إسرائيلية، كما عرف الحبّ في تجارب أخرى لاحقاً، غير أنّ عبقرية الشعر تكمن في قدرته على تحرير التجربة من حدودها الضيقة، وصياغتها في أفق رمزي كوني، وهنا تحديداً تتجلّى قوة درويش: في جعله الحكاية الشخصية سؤالاً مفتوحاً عن الحدود، والهوية، واللغة، وعن إمكان اللقاء في زمن القطيعة.
السجال الدائر اليوم لا يكشف عن حقيقة جديدة بقدر ما يعكس حساسية الذاكرة الفلسطينية، وحرصها المشروع على صون رموزها من أيّ التباس، لكنه يكشف أيضاً ميلاً إلى محاكمة الشعر بمعايير السياسة المباشرة، وكأن القصيدة بيان حزبيّ أو وثيقة موقف، والحال أنّ الشعر، بطبيعته، يهرب من القوالب الجاهزة، ويقيم في منطقة الالتباس الخلّاق، حيث تتجاور العاطفة مع الفكرة، والرمز مع الواقع.
محمود درويش، في النهاية، ليس “قضية” تحتاج إلى دفاع أو إدانة، بل تجربة شعرية مفتوحة على الأسئلة، و”ريتا” ستبقى، سواء أحببنا ذلك أم لا، جزءاً أصيلاً من هذه التجربة؛ ليست فضيحة، ولا أسطورة رومانسية، بل نصّاً حيّاً يذكّرنا بأن الإنسان، حتى في قلب الصراع، يظلّ كائناً يبحث عن الحبّ، ولو كان ذلك الحبّ محكوماً بالاستحالة.
شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .