
ذكرى اغتيال أولف بالمه… بين الذاكرة السياسية وتحديات الحاضر ، علاقته بياسر عرفات، تغييب القضية الفلسطينية، والتضامن الدولي بقلم : أحمد سليمان
في الثامن والعشرين من شباط، تعود إلى الذاكرة الأوروبية واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخها السياسي الحديث: اغتيال أولف بالمه. لم يكن الرجل مجرد رئيس وزراء للسويد، بل كان عنواناً لمرحلةٍ أوروبية اتسمت بجرأة الموقف واستقلالية القرار، وبتبني خطاب أخلاقي في السياسة الدولية، خصوصاً تجاه قضايا التحرر الوطني، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
تميّز بالمه بموقفه الواضح من الصراع في الشرق الأوسط، إذ رأى أن تحقيق السلام لا يمكن أن يتم عبر تجاهل الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. في هذا السياق، نشأت علاقة سياسية مميزة بينه وبين الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. لم تكن العلاقة بروتوكولية أو ظرفية، بل قامت على إدراك متبادل بأن الحل العادل يتطلب الاعتراف المتبادل، وأن القيادة الفلسطينية شريك أساسي في أي مسار سياسي جاد.
في زمن كانت فيه بعض العواصم الأوروبية تتردد في فتح قنوات مباشرة مع منظمة التحرير الفلسطينية، اختار بالمه أن يتعامل مع عرفات بصفته ممثلاً لشعب يناضل من أجل تقرير مصيره. هذا الموقف ساهم في كسر العزلة السياسية المفروضة آنذاك على القيادة الفلسطينية، وفتح الباب أمام حوار أوروبي أوسع مع الفلسطينيين. لقد أدرك بالمه أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يتحققان بالقوة وحدها، بل بالعدالة.
ضمن هذا الإطار، تعززت العلاقات بين حركة فتح والأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية، وعلى رأسها الحزب الاشتراكي الديمقراطي السويدي، في سياق العمل المشترك داخل الاشتراكية الدولية. هذه الأخوّة السياسية لم تكن مجرد انتماء تنظيمي، بل جسّدت التقاءً فكرياً حول مفاهيم التحرر الوطني، والدولة الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.
انخراط فتح في الاشتراكية الدولية شكّل اعترافاً مهماً بشرعية النضال الفلسطيني، وأتاح منصة دولية لطرح القضية بلغة الحقوق والقانون الدولي. كما أسهم في بناء جسور مع قوى تقدمية أوروبية كانت ترى في فلسطين اختباراً حقيقياً لالتزامها بقيم حقوق الإنسان والمساواة بين الشعوب.
غير أن المشهد الأوروبي اليوم يختلف عما كان عليه في زمن بالمه. فقد تراجعت مركزية القضية الفلسطينية في الأجندة السياسية الأوروبية، بفعل تحولات داخلية وصعود تيارات يمينية، إضافة إلى انشغال القارة بأزماتها الأمنية والاقتصادية. هذا التراجع انعكس على مستوى الحضور الإعلامي والسياسي للقضية، وأدى إلى نوع من “إدارة الأزمة” بدلاً من السعي الجاد لحلها جذرياً.
ومع ذلك، فإن التضامن الدولي لم ينطفئ. لا تزال قطاعات واسعة من المجتمع المدني الأوروبي، من نقابات وأحزاب تقدمية وحركات طلابية، تعبّر عن دعمها للحقوق الفلسطينية، وتطالب بوقف الانتهاكات والالتزام بالقانون الدولي. الفارق أن هذا التضامن بات في كثير من الأحيان شعبياً أكثر منه رسمياً، ومجتمعياً أكثر منه حكومياً.
في ذكرى اغتيال أولف بالمه، تبرز الحاجة إلى استعادة روح تلك المرحلة: روح الجرأة في قول الحقيقة، والاستقلالية في اتخاذ الموقف، والإيمان بأن العدالة لا تتجزأ. إن العلاقة التي جمعت بالمه بياسر عرفات، والأخوّة السياسية بين فتح والحزب الاشتراكي الديمقراطي ضمن الاشتراكية الدولية، تمثل نموذجاً لإمكانية بناء شراكات قائمة على المبادئ لا المصالح الضيقة.
فلسطين اليوم بحاجة إلى إعادة تموضع في الساحة الأوروبية، عبر خطاب سياسي موحد، وشراكات فاعلة مع القوى التقدمية، واستثمار رصيد التضامن الدولي المتراكم. فالتاريخ يثبت أن القضايا العادلة قد تتراجع في لحظة، لكنها لا تغيب ما دام هناك من يدافع عنها بإيمان وثبات.
رحم الله أولف بالمه، واستحضرنا معه زمناً كانت فيه أوروبا أقرب إلى ضميرها. وبقيت فلسطين، كما كانت دائماً، امتحاناً لصدق المبادئ وعمق الأخوّة السياسية بين الشعوب.
- – أحمد سليمان – حركة فتح إقليم السويد .


شبكة فلسطين للأنباء – شفا الشبكة الفلسطينية الاخبارية | وكالة شفا | شبكة فلسطين للأنباء شفا | شبكة أنباء فلسطينية مستقلة | من قلب الحدث ننقل لكم الحدث .