1:45 صباحًا / 10 يناير، 2026
آخر الاخبار

الأرض مقابل القانون ، حين يتحوّل التشريع إلى أداة استعمار ، بقلم : سالي ابو عياش

الأرض مقابل القانون ، حين يتحوّل التشريع إلى أداة استعمار

الأرض مقابل القانون: حين يتحوّل التشريع إلى أداة استعمار ، بقلم : سالي ابو عياش


لم يكن الاستيلاء على الأرض الفلسطينية فعلاً عشوائياً أو طارئاً بل سياسة استعمارية مُمنهجة، صيغت بعناية داخل منظومة قانونية تخدم مشروع الاستعمار الإحلالي.


فمنذ نكبة 1948، لم تعتمد إسرائيل على القوة العسكرية وحدها، بل حوّلت القانون نفسه إلى أداة سلب، بحيث يصبح التهجير إجراءً إداريا، وتتحوّل السرقة إلى حق سيادي، وفي هذا السياق؛ برز قانون أملاك الغائبين وقانون أراضي الدولة كأداتين مركزيتين لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وفتح الطريق أمام التوسع الاستيطاني.


ولمن لا يعلم خطورة هذه القوانين، فإن قانون أملاك الغائبين وقانون أراضي الدولة الإسرائيليين يسمحان لإسرائيل بالسيطرة على الأراضي الفلسطينية بذريعة أنها أراضٍ ميري أو مشاع، أو مسجّلة باسم السلطة الفلسطينية أو الدولة، أو أنها تعود لأشخاص غادروا فلسطين قسراً أو طوعاً، لتُصنّف أملاك هؤلاء الغائبين على أنها “أملاك غائبين”، ويتولى ما يُسمّى حارس أملاك الغائبين إدارتها لصالح دولة الاحتلال لتصبح ملكاً لهم أو تحت سيطرتهم. ورغم أن هذه القوانين تبدو قانونية داخل إسرائيل، إلا أنها غير شرعية وفق القانون الدولي، الذي يحظر على قوة احتلال مصادرة ممتلكات الأفراد أو الدولة الواقعة تحت الاحتلال. وقد أقرّ الكنيست الإسرائيلي قانون أملاك الغائبين عام 1950، ليصبح أحد أهم الأدوات التي استخدمتها إسرائيل للاستيلاء على الأرض الفلسطينية وشرعنة الاستيطان.

فعلى سبيل المثال، القدس، المدينة التي ابتلعها القانون، تمثل المختبر الأوضح لتطبيق قانون أملاك الغائبين. بعد احتلال الشطر الشرقي من المدينة عام 1967، وسّعت إسرائيل تطبيق القانون ليشمل المقدسيين، رغم أنهم لم يغادروا وطنهم، بل وجدوا أنفسهم فجأة خارج حدود بلدية فُرضت بالقوة. بموجب هذا القانون، صودرت آلاف المنازل والعقارات في القدس الشرقية، ونُقلت الملكيات إلى حارس أملاك الغائبين، لتُسلَّم لاحقاً لجمعيات استيطانية مثل إلعاد وعطيرت كوهانيم. في أحياء مثل الشيخ جراح، سلوان، وادي الجوز، وبطن الهوى، يُستخدم القانون كأداة لطرد العائلات الفلسطينية، بحجة أن مالكي العقار غائبون، بينما الواقع أن الغياب فُرض بقرارات إدارية وحدود مصطنعة. وهكذا تتحوّل القدس إلى ساحة لتفريغ ديمغرافي هادئ، تُمارس فيه المصادرة تحت غطاء قضائي.


إلى جانب ذلك، يُستخدم مفهوم أراضي الدولة في محيط القدس لعزل القرى الفلسطينية ومنع تمدّدها العمراني. تُعلن هذه الأراضي كمحميات طبيعية، أو مناطق خضراء، أو أراضي دولة، بينما تُفتح أمام المستوطنات للتوسع، مثل معاليه أدوميم، هار حوما، جيلو، ورمات شلومو، بهدف قطع التواصل الجغرافي بين الفلسطينيين وربط المستوطنات بالقدس الغربية، تمهيداً لفرض واقع القدس الكبرى كعاصمة موحّدة لإسرائيل. وهكذا تتحوّل المدينة إلى ساحة لتفريغ ديمغرافي هادئ، تُمارس فيه المصادرة تحت غطاء قانوني واستراتيجي واحد.


وبالانتقال إلى الضفة الغربية، تُطبّق نفس الآليات القانونية والإدارية لمصادرة الأراضي الفلسطينية، عبر قوانين أملاك الغائبين وأراضي الدولة، وحواجز التخطيط العمراني، ما يخلق عزلة جغرافية مستمرة ويحدّ من قدرة الفلسطينيين على التنمية العمرانية والاقتصادية. هذه السياسات القانونية، المتزامنة مع الاستيطان، تمهد الطريق لإعادة تشكيل كامل للمشهد الجغرافي في الضفة، بما يضمن استمرار التوسع الاستيطاني والسيطرة الإسرائيلية على الأرض.


بعد حرب أكتوبر 2023: تم العمل على تسريع الاستيلاء تحت غطاء الطوارئ إذ دخلت سياسة الاستيلاء على الأرض مرحلة أكثر شراسة وعلنية. فقد استغلّت إسرائيل حالة الحرب والانشغال الدولي بغزة، وتراجع الرقابة الإعلامية، لتُسرّع خطواتها الاستيطانية في الضفة الغربية والقدس. ليبرز ذلك في: تسريع إعلان أراضٍ جديدة كـ أراضي دولة، وشرعنة بؤر استيطانية قائمة وتحويلها إلى مستوطنات رسمية، وتصاعد اعتداءات المستوطنين بحماية الجيش، خصوصاً في المناطق القريبة من المستوطنات أو المصنفة على أنها أراضي (ج) كما الحال في مسافر يطا في الخليل، وقرى وبلدات رام الله ونابلس على سبيل المثال لا الحصر.


فما تغيّر بعد الحرب ليس السياسة، بل وتيرتها؛ إذ انتقل الاحتلال من التدرّج البطيء إلى فرض الوقائع بسرعة، مستفيداً من خطاب الأمن والطوارئ.


ففي هذا السياق، لم تعد الحرب مقتصرة على غزة، بل تحوّلت إلى إبادة جغرافية صامتة في الضفة والقدس. فبينما تُدمَّر البيوت بالقصف في غزة، تُدمَّر بالقانون في القدس والخليل وسائر الضفة الغربية. والنتيجة واحدة: اقتلاع الإنسان من أرضه.

فالقانون هنا لا يُطبّق لتحقيق العدالة، بل يُستخدم:


لإنتاج واقع استيطاني دائم.
لتجفيف الحضور الفلسطيني.
لإعادة تعريف الملكية وفق منطق القوة.


إن ما يجري في الضفة الغربية خاصة بعد الحرب يؤكد أن المعركة على فلسطين ليست عسكرية فقط، بل معركة قانون وجغرافيا وذاكرة. فقانون أملاك الغائبين وقانون أراضي الدولة شكّلا الأساس التشريعي لمشروع سلب الأرض، وتحويل الفلسطيني إلى متهم في وطنه.


ففي منطقة العيزرية في القدس الشرقية يأتي مشروع نسيج الحياة بوصفه تتويجا عمليا لاستخدام القانون والتخطيط كأدوات استعمارية في الضفة الغربية. فالمشروع، الذي يقوم على شق طرق وأنفاق ومسارات بديلة مخصّصة للفلسطينيين، يُسوَّق إسرائيليا باعتباره حلا إنسانيا لأزمات الحركة، بينما يهدف في جوهره إلى فصل الفلسطينيين عن شبكة الطرق الرئيسية، وعزل تجمعاتهم السكانية داخل جزر جغرافية مغلقة. في المقابل، تُربط المستوطنات ببعضها البعض وبالقدس عبر طرق سيادية، ما يكرّس واقعا جغرافيا جديدا يُدار دون إعلان ضم رسمي، لكنه ينتج النتيجة ذاتها: تفكيك وحدة الضفة الغربية، وتعميق السيطرة الاستيطانية، وتحويل الأرض الفلسطينية إلى فضاء مُجزّأ تُحكم السيطرة عليه بالقانون والتخطيط بدل القوة العسكرية المباشرة.


وكنسيج الحياة، تتكاثر عشرات المشاريع الإسرائيلية المشابهة في مختلف مناطق الضفة الغربية، تحت ذرائع متعددة، بينما الهدف واحد. ففي بلدة بيت أمر، جرى الاستيلاء على محمية حرجية تُعرف بـ“القرن”، تقع في قلب تجمع سكني فلسطيني، وبدأت أعمال تجريف وبناء في الأرض، وسط روايات متداولة عن إقامة مقر للإدارة المدنية أو مستوطنة جديدة. أما في مسافر يطا، فقد سُلبت مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية بحجة الأغراض العسكرية، في نموذج متكرر لاستخدام الأمن ذريعة لاقتلاع السكان وفرض وقائع جديدة على الأرض. هكذا تتعدد المسميات والمشاريع، من محميات طبيعية إلى مناطق عسكرية وإدارية، بينما يبقى الهدف ثابتا: السيطرة على الأرض، تفكيك التجمعات الفلسطينية، وإعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم المشروع الاستيطاني.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح فضح هذه القوانين، وتوثيق آثارها، والتمسك بالأرض، فعل مقاومة بحد ذاته. لأن الأرض التي تُنهب بالقانون اليوم، هي ذاتها التي يُراد محوها من الخريطة غدا.

شاهد أيضاً

وزيرا خارجية الصين وإثيوبيا يتعهدان بدفع الشراكة الاستراتيجية في كل الأحوال بين البلدين

وزيرا خارجية الصين وإثيوبيا يتعهدان بدفع الشراكة الاستراتيجية في كل الأحوال بين البلدين

شفا – أجرى وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، يوم الخميس محادثات مع نظيره الإثيوبي، جيديون …