1:14 صباحًا / 2 يناير، 2026
آخر الاخبار

أحلام العام الجديد تحت سقف الواقع ، بقلم : أ . مروة معتز زمر

أحلام العام الجديد تحت سقف الواقع

أحلام العام الجديد تحت سقف الواقع ، بقلم : أ . مروة معتز زمر

بسم الله الرحمن الرّحيم


نقف مع بداية كل عام عند خطٍّ وهمي، نسمّيه بداية، ونحمّله ما لا يُحتمل من الآمال والعهود نَعِـد أنفسنا بأن نكون أكثر قوة، أكثر إنجازاً، أكثر اقتراباً من الصورة التي رسمناها يوماً في خيالنا، ثم ننسى سؤالاً جوهرياً لا يقل أهمية عن كل تلك الوعود: من أين نبدأ، وتحت أي سقف نعيش؟


لسنا كائنات معلّقة في الفراغ، ولا أحلامنا تولد خارجه.. نحن أبناء سياقات محددة، نحمل على أكتافنا تاريخاً شخصياً، وأعباء اجتماعية، وواقعاً اقتصادياً وسياسياً يترك أثره في تفاصيل يومنا الصغير قبل قراراتنا الكبرى. ومع ذلك، نُطالَب في كل عام جديد بأن نحلم كما لو أن الظروف واحدة، والفرص متساوية، والطريق معبّد للجميع بالقدر ذاته.


هنا تحديداً، يبدأ الصراع الخفي: أن نُطالَب بالطموح دون أن يُسمح لنا بالاعتراف بالتعب، وأن نُـدْفع إلى التغيير دون أن يُمنح لنا حق البطء، وأن نقيس نمونا بمقاييس لا تشبهنا، في هذه المساحة المربكة، يصبح الحلم عبئاً، ويغدو الأمل أداة لوم بدل أن يكون قوة دفع.


هذا النص ليس دعوة للتخلي عن الأحلام، ولا مرافعة لصالح الاستسلام، بل محاولة صادقة لإعادة تعريف الحلم نفسه؛ أن نحلم تحت سقف الواقع، لا خارجه، وأن نمنح ذواتنا حق النمو كما نحن، لا كما يُفترض بنا أن نكون.
نحن نعلّق خلاصنا على بداية كل سنة ونطلب منها أن تصنع ما عجزنا عن صنعه خلال عامٍ كامل نُسميها بداية، وكأن الحياة لم تكن تسير قبلها، وكأن التغيير لا يولد إلا حين يتغير رقم السنة، لا حين تتغير نظرتنا لأنفسنا وللعالم.
وفي هذه العتبة تحديداً، تتكاثف الأصوات:


حدد أهدافك، اكتب خطتك، كن نسخة أفضل، لا تضيع الوقت، النجاح قرار، والفشل اختيار.


خطاب حاد، صاخب، لا يترك مساحة للإنسان بما هو إنسان، كائن هش، يتعثر، ينهض، يتباطأ، ويتقدم أحياناً ببطء يثير الخجل.


لكن، ماذا لو بدأنا العام الجديد من مكان مختلف؟ من مكان أكثر رحمة، أكثر وعياً، وأكثر اتساقاً مع السياق الذي نعيش فيه؟ من منطلق أن التغيير ليس قفزة، بل مسار…


في علم النفس، لا يُنظر إلى التغيير بوصفه لحظة عابرة أو قراراً مفاجئاً، بل يُفهم كمسار ممتد، يتشكّل عبر مراحل متتابعة، هو عملية تبدأ بإعادة النظر في المألوف، ثم خوض تجربة الجديد بكل ما تحمله من ارتباك وتعلّم، وتنتهي بتثبيت ما يصلح للاستمرار.. التغيير، بهذا المعنى، لا يقوم على القفزات البطولية، بل على انتقالات هادئة، تتطلب
وعياً وصبراً واستعداداً داخلياً لتحمّل الفوضى المؤقتة.


وهنا تتجلى الإشكالية العميقة في خطاب بدايات الأعوام؛ نرغب في التغيير دون أن نزعزع ما اعتدناه، ونتوق إلى النتائج دون أن نمر بمرحلة الارتباك، ونسعى إلى الصورة النهائية دون أن نمنح المراحل الوسيطة حقها من الوقت والتجربة.
التغيير الحقيقي لا يحدث لأنك كتبت هدفاً في مفكرة أنيقة، بل لأنه بدأ يتسلل إلى وعيك، إلى اختياراتك اليومية، إلى طريقة حديثك مع نفسك حين تخطئ، وحين تتأخر، وحين لا تنجز ما كنت تتمنى.


الحلم حاجة نفسية أصيلة.. أبراهام ماسلو وضع تحقيق الذات في قمة هرمه الشهير، ولم يكن يقصد بها الإنجازات الصاخبة، بل التحقق الداخلي، أن يعيش الإنسان ما ينسجم مع قيمه وقدراته وظروفه.
لكن ما نغفل عنه غالباً هو أن تحقيق الذات لا ينفصل عن الواقع، فالأحلام التي تُبنى بمعزل عن السياق تتحول إلى أدوات جلد ذات، لا إلى محركات نمو.


أن تحلم وأنت في بيئة محدودة الموارد، في مجتمع مثقَل بالأزمات، في واقع سياسي واقتصادي هش، ليس كأن تحلم وأنت في بيئة مستقرة داعمة، وهنا لا نتحدث عن تبرير العجز، بل عن احترام الواقع كمعطى نفسي واجتماعي.


الحلم المنطقي ليس حلماً صغيراً، بل حلماً متزناً، يعرف أين يقف صاحبه، ويعرف ما الذي يمكن أن يفعله الآن، وما الذي يحتاج إلى وقت، وما الذي يتطلب ظروفاً لم تنضج بعد.


في علم النفس الاجتماعي، يُنظر إلى الفرد كجزء من منظومة، لا ككائن معزول (أفكارنا، طموحاتنا، وحتى تقديرنا لذواتنا)، تتأثر بالسياق الثقافي والاقتصادي والسياسي الذي نعيش فيه.


حين نطالب أنفسنا بمعايير لا تنتمي إلى واقعنا، نكون كمن يطلب من شجرة أن تثمر في تربة لم تُسقَ بعد.
نقارن إنتاجنا بإنتاج مجتمعات أخرى، دون أن نقارن ظروفنا بظروفها، نجلد أنفسنا لأننا لم نحقق ما حققه غيرنا، دون أن نسأل: هل كنا نملك الأدوات نفسها؟


المواءمة ليست تنازلاً عن الطموح، بل هي ذكاء نفسي، وفطنة وجودية، وفهم عميق لمعنى العدالة مع الذات.
التقدم البطيء ليس فشلاً، حيث في العلاج المعرفي السلوكي، يتم التركيز على مفهوم الخطوات الصغيرة، لأن التغيير المستدام لا يُبنى بالقفزات، بل بالتكرار، والالتزام، والتسامح مع التعثر.


التقدم البطيء يُشعرنا بالخزي لأننا نعيش في ثقافة تمجّد السرعة، وتحتفي بالنتائج الفورية، وتعتبر البطء ضعفاً، لكن الحقيقة النفسية تقول غير ذلك.. البطء أحياناً يعني أنك تتعافى، لا أنك تفشل، يعني أنك تعيد بناء نفسك من الداخل، لا أنك تتراجع، يعني أنك تتعلم كيف تمشي دون أن تنكسر، لا كيف تركض وتسقط.


لا تلم نفسك لأنك لم تصل بعد.


اسأل نفسك: هل أنا اليوم أكثر وعياً مما كنت عليه العام الماضي؟ هل صرت أضع حدوداً أوضح؟ هل تعلمت أن أقول لا؟ هل صرت أفهم مشاعري بدل أن أهرب منها؟ إن كانت الإجابة نعم، فأنت تتغير، حتى لو لم يصفق أحد.
الامتنان ليس ممارسة روحية فقط، بل مفهوم نفسي مدروس.


عالم النفس مارتن سليغمان، مؤسس علم النفس الإيجابي، أكد أن الامتنان يعزز الصحة النفسية، ويزيد من الشعور بالرضا، ويقلل من الاكتئاب.
لكن الامتنان الذي نقصده هنا ليس امتنان الشعارات، بل امتنان الوعي.
أن تعترف بقيمة الخطوة الصغيرة، لأنها كلفتك جهداً نفسياً، وصبراً، وربما دموعاً لا يراها أحد.


أن تمتّن لأنك لم تعد الشخص ذاته الذي كان ينهار عند أول خيبة، لأنك صرت تتعافى أسرع، لأنك صرت أرحم بنفسك، ولو قليلاً.


المقارنة الاجتماعية مفهوم درسه عالم النفس ليون فستنغر، وأوضح كيف أن الإنسان يقيِّـم ذاته من خلال مقارنة نفسه بالآخرين؛ لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المقارنة من أداة فهم إلى أداة جلد.


نحن نعيش زمن الانفتاح الكامل، نرى حياة الآخرين مصقولة، منمقة، منتقاة بعناية، نقارن كواليس حياتنا بعروضهم النهائية، ثم نستنتج أننا أقل، أضعف، أبطأ.


ارحم نفسك من هذه المقارنة؛ ليس لأنك أقل طموحاً، بل لأنك أكثر وعياً، ليس لأنك استسلمت، بل لأنك اخترت أن تقيس نجاحك بمقاييسك، لا بمقاييس لا تشبهك.


في البعد الروحي، لا يُقاس الإنسان بما يملك، بل بما يصير.
في الفلسفة الوجودية، تحدث فيكتور فرانكل عن معنى الحياة، ورأى أن المعنى هو ما يمنح الإنسان القدرة على الصمود، لا الإنجاز بحد ذاته.


وفي قلب هذا المسار المتدرّج، تبرز الثقة بالله كمرتكزٍ داخلي لا يقلّ أهمية عن أي خطة أو هدف.


فالإيمان لا يلغي السعي، لكنه يحرّره من الهلع، ويمنح النفس طمأنينة وهي تمضي في طريق التغيير بوعيٍ وهدوء. حين يوقن الإنسان أن الأقدار لا تأتي عبثاً، وأن ما تأخّر لم يكن ليعجّل، وما تعثّر لم يكن ليُكسر، تتبدّل علاقته بالوقت، ويخفّ توتره من البطء، ويصير الانتظار جزءاً من النضج لا علامة على الفشل.


الثقة بالله تعني أن نعمل بما نستطيع، ثم نسلّم ما لا نملكه لحكمة أوسع من إدراكنا، أن نؤمن أن بعض الأبواب تُغلق رحمة، وأن بعض المسارات تلتف لتعلّمنا، لا لتعطّلنا، وفي هذا التسليم الواعي، يصبح التغيير أكثر اتزاناً، ويغدو القلب أقل قسوة على ذاته، لأن ما يجري ليس خارج العناية، بل داخل قدرٍ مدروس، وإن غاب عنه الفهم مؤقتاً.


بهذا المعنى، لا يكون الإيمان انسحاباً من الواقع، بل سنداً روحياً يعين الإنسان على الثبات، ويمنحه القدرة على الاستمرار، وهو يعلم أن الخطوة الصغيرة، إذا وُضعت بنيّة صادقة وتوكّلٍ صريح، لا تضيع، وإن تأخّر أثرها..


قد يبدأ عامك الجديد دون إنجازات كبرى، لكنه يبدأ بمعنى أعمق، قد لا تحقق كل ما خططت له، لكنك قد تتصالح مع ذاتك أكثر، وقد يكون هذا هو النصر الحقيقي.


ابدأ عامك الجديد دون قسوة… احلم، نعم، لكن احلم وأنت ترى الأرض التي تقف عليها،، خطط، لكن خطط وأنت تترك مساحة للتعديل، للتأخير، للراحة.


لا تجعل العام الجديد محكمة، بل مساحة (مساحة للنمو، للتجربة، للخطأ، للتعلم) و مساحة لأن تكون إنساناً، لا مشروعاً.
وأخيراً، تذكّر:


أحلامك المنطقية المشروعة ليست ضعفاً، بل حكمة.. ليست تنازلاً، بل وعياً، وليست قلة طموح، بل احتراماً لذاتك، ولسياقك، ولرحلتك الفريدة في هذا العالم.


عامك الجديد لا يحتاج منك أن تكون شخصاً آخر، بل أن تكون أكثر صدقاً مع من أنـتَ الآن.

شاهد أيضاً

أسعار الذهب اليوم

أسعار الذهب اليوم

شفا – جاءت أسعار الذهب اليوم الخميس 1 يناير كالتالي :عيار 22 90.200 دينارعيار 21 …