
الدروز بين “حلف الدم” و”حلف الحياة” ، قراءة في نص سعيد نفاع ، بقلم : رانية مرجية
افتتاحية تحريرية
في خضمّ “طوفان الأقصى” ووهج “الحراب الحديدية”، يعود السؤال الأزلي: أين يقف الدروز من هذا الصراع المحتدم؟
بين أسطورة “حلف الدم” وحقيقة “حلف الحياة”، تتكشّف وقائع مغايرة لما روّجته المؤسسة لعقود.
قراءة رانية مرجية في نص سعيد نفاع تكشف المستور: دروز الداخل ليسوا كتلة واحدة، بل طيف واسع من الانتماءات والخيارات، يحمل في عمقه صوتًا وطنيًا يرفض أن يُختزل أو يُستغل.
مقدمة
هذه القراءة هي وقفة وجدانية وتحليلية مع النص العميق للباحث والسياسي سعيد نفاع في كتابه الأخير “العرب الدروز 48 وحجارة الرحى” (دار الرعاة ودار جسور، فلسطين–الأردن 2024). نصٌّ يحفر في الذاكرة الجماعية ويضع النقاط على الحروف في قضية كثيرًا ما جرى تبسيطها أو تسييسها: قضية الدروز في فلسطين المحتلة، وموقعهم بين طوفان الحروب و”الحراب الحديدية”.
التعددية مقابل أسطورة “حلف الدم”
يرى نفاع أنّ أخطر ما واجهه الدروز ليس التجنيد فحسب، بل اختزالهم إعلاميًا في صورة واحدة جامدة؛ كتلة متجانسة تلهج بالولاء المطلق لإسرائيل. بينما الحقيقة أنّ فيهم:
• أقلية ضاجّة ارتبطت بالمؤسسة الإسرائيلية وانتفعت منها.
• أغلبية صامتة تنوء تحت ثقل لقمة العيش والخوف.
• صف وطني أصيل قاوم سياسات التجنيد منذ 1956 ودفع الثمن غاليًا.
“حلف الدم” لم يكن يومًا عقدًا حرًا، بل صناعة استخبارية لتفتيت الانتماء الوطني وغرس وهم القطيعة بينهم وبين شعبهم الفلسطيني.
الإعلام بين التضليل والتسطيح
يتوقف نفاع عند خطيئة الإعلام، عبريًا وعربيًا، في تضخيم نسب التجنيد حتى وصلت إلى 80% في تقارير غير دقيقة. بينما الحقيقة، كما تكشفها دراسات جامعية وأبحاث إسرائيلية، أنّ أكثر من نصف الشباب الدروز يرفضون أو يتهربون من الخدمة العسكرية. الإعلام هنا لم ينقل الواقع بل ساهم في شرعنة خطاب المؤسسة على حساب الوعي الجمعي.
الأرقام الناطقة
• 63% من الدروز يعارضون التجنيد الإجباري.
• أقل من 50% من المؤهلين للخدمة ينخرطون في الجيش.
• الوطنية “الإسرائيلية” لدى الدروز انخفضت إلى 1.4 من أصل 6 (جامعة حيفا، 2008).
هذه الأرقام وحدها كفيلة بهدم أسطورة الولاء المطلق التي صنعتها المؤسسة.
بين حجري الرحى
نفاع يصف حال الدروز كمن يعيش بين حجري رحى: ضغط المؤسسة الإسرائيلية التي سلبت أراضيهم وفرضت عليهم التجنيد، وضغط الريبة من بقية أبناء شعبهم الفلسطيني. لكنّ الأجيال الجديدة، كما يبين، بدأت تدرك عبثية “حلف الدم” وتبحث عن “حلف حياة”، أي عن حقوق مدنية ووطنية تحفظ كرامتهم وتعيدهم إلى حضن هويتهم الأصيلة.
خاتمة
قراءة نص سعيد نفاع تفتح أعيننا على حقيقة بالغة الأهمية: أنّ الدروز ليسوا استثناءً في فلسطين، بل جزء حيّ من نسيجها. لم ولن يحميهم التبعية للمؤسسة، بل وحده الانتماء إلى قضيتهم الأم فلسطين، وإلى عمقهم العربي، هو الذي يمنحهم حصانة وكرامة